أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود (8)















المزيد.....

العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود (8)


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 00:09
المحور: قضايا ثقافية
    


ص- 36
في الجملة العلائقية، يتكون الفعل من توجه، ويتحرك في اتجاه، ويرتبط بأطراف تمنحه معناه، كما بالنسبة للفعل الإنساني، بوصفه مشيئة، فهو لا يظهر معزولاً، وإنما موزعاً بين علاقات. تتبدل دلالته بتبدل موقعه، ويتسع أثره كلما اتسع نطاق تعالقه. من هذا التكوين، في اللغة، كما في الفعل الإنساني، يمتد أثره كفعل في الوجود. فالمشيئة آن دخولها في الفعل، تدخل في شبكة قائمة، وتضيف إليها حركة جديدة. كل فعل يحرك مواقع، ويعيد ترتيب توازنات، ويترك أثراً يبقى متصلاً بما تولد عنه. ما يصدر عن الإنسان، يتوزع في محيطه، ويتداخل مع أفعال أخرى، تشكل من هذا التداخل هيئة النسيج العام. المشيئة بهذا المعنى، ليست قراراً ينتهي عند صدوره، وإنما مشاركة مستمرة في حركة الكل، أثرها ممتد في الزمن، ويتشارك مع آثار سابقة ولاحقة، ويغدو جزءاً من مسار لا يتوقف عند حدود صاحبه، فيتجه الفهم إلى ما يرافق هذا الامتداد من تبعة متصلة، تنشأ من اتصال الفعل بما أحدثه في شبكة العلاقات.

ص- 37
ليس الفعل فردياً في أثره، والمسؤولية ليست شأناً داخلياً. المشيئات لا تتحرك منفردة في النسيج، إنما تتقاطع، تتصادم أحيانا، وتتآلف أحياناً أخرى. المشيئة حين تدخل في النسيج، تترك أثرها ممتداً فيه. هذا الأثر لا ينفصل عن صاحبه، ولا ينحصر في لحظته الأولى، إنما يبقى مندرجاً في الحركة التي شارك في إطلاقها، وهنا تكون المسؤولية. فهي حضور الفعل في مجراه، واستمراره في العلاقات التي مسها. المسؤولية ليست حكماً يسقط من خارج الفعل، وليست وصفاً يضاف إليه بعد انقضائه، إنها وجهه الآخر. فكل حركة تصدر تظل متصلة بما أحدثته، وكل مشيئة تبقى مشدودة إلى المسار الذي فتحته. الفعل مادام مندرجاً في الكل فإنه يتصل بما يحدثه في الكل. فتتشكل المسؤولية كامتداد أو صدى دائم للفعل. ما يتحرك في لحظة، يمتد في الزمن، ويتشارك مع مسارات أخرى، ويغدو جزءاً من توازن أوسع. الإنسان يظل مرتبطاً بما أدخله في النسيج، ويظل فعله حاضراً في حركة العلاقات التي أسهم فيها. المسؤولية تعالق مستمر، يربط المشيئة بما تولد عنها، ويجعل أثرها ملازماً لها في الوجود. تتقاطع المشيئات، وتتداخل المسارات، وتتشكل من تفاعلها مساحات واسعة، مما نسميه، الخير والشر.

ص- 38
المشيئات وقد دخلت في النسيج، تتحرك معاً في مجال واحد. كل مشيئة تفتح مساراً، وتلتقي بمسارات أخرى، فتتشابك الخيوط، كما تتشابك مجاري المياه، حين تفيض في أرض واحدة. ما يصدر عن فرد لا يبقى في حدوده، إذ سرعان ما يلتقي بمشيئات أخرى، فينشأ عن التلاقي، شكل جديد للحركة. في هذا التداخل تتكاثر الآثار، وتتقاطع الاتجاهات، وتتباين المقاصد. مشيئة تتجه إلى ما يمكن تسميته بناء، ومشيئة تتجه إلى ما يمكن تسميته هدم، مشيئة تنحاز إلى نفسها، ومشيئة تنظر إلى أفق أوسع. تفاعل هذه المسارات، يرسم صورة معقدة، تتشكل فيها مساحات، يسمى بعضها خيراً، وهو ما ينسجم مع تعالق النسيج، ويسمى بعضها شراً، يحدث خللاً في النسيج، تبعاً لأثر كل مشيئة في توازن النسيج العام. الخير يظهر حين تتآلف المشيئات، فتنسجم في التعالق داخل البنية الوجودية. تتقوى الروابط، ويثبت توازنها، بينما يتكشف الشر، حين تنحرف حركة عن انسجام النسيج العام، فتضغط على العلاقات من جهة واحدة، وتُخِل بالتناسق الذي يقوم عليه الترابط. كل ذلك يجري في شبكة واحدة، حيث لا تتحرك مشيئة بمعزل عن غيرها. المشيئات إذ تتداخل على هذا النحو، تخلق توتراً دائماً بين اتجاهات متعددة، هذا التوتر يظل مندرجاً في حركة أوسع تحافظ على استمرار النسيج، وتجعل اختلاف المشيئات جزءاً من حركته الفعالة. كيف يُضبَط هذا التداخل، بحيث يكون اختلاف المشيئات عاملاً في استمرار البنية، لا سبباً في انهيارها؟

ص- 39
حين تتزاحم المشيئات في مجال واحد، يتولد بينها شدّ متبادل، وتتشكل مسارات تتقاطع في نقاط حساسة. مشيئات كثيرة تتحرك في آن واحد، وكل منها يحمل أثراً ممتداً في النسيج. ومع ازدياد التداخل يتعقد التعالق ويشتد التوتر بين الاتجاهات، المختلفة، ومع ذلك يستمر النسيج في اتساقه العام. تتبدل مواضع وتتغير أحوال، وتحدث انقلابات في الموازين، غير أن الحركة الكلية تبقى منضبطة في إطار يسمح باستمرار الترابط. هذا الضبط هو ما يظهر بوصفه حدثاً خارجياً، بينما هو إعادة توزيع الآثار وتعديل المسارات حين يشتد انحرافها. بهذه الرؤية، يمكن فهم القضاء والقدر في أفق علائقي. حركة شاملة تعيد ترتيب المشيئات حين يثقل بعضها على بعض، وتضبط التوتر بين اتجاهاتها، بحيث يظل الاختلاف جزءاً من تعالقها في النسيج. وما يسمى حادثاً كبيراً، أو كارثة، يمكن أن يدخل في هذا السياق، بوصفه تحولاً يعيد التوازن العام، ويبدل مواقع القوى في الشبكة. بهذا المعنى يغدو القضاء والقدر انتظاماً أعلى لحركة المشيئات، يحفظ استمرار البنية الوجودية عبر التحولات، ويجعل آثار الأفعال مندرجة في مسار أوسع. وفي هذا الاتساع، تتصل مسألة الشر، ومسألة العدل، اتصالاً مباشراً بحركة الضبط نفسها ، حيث يتحدد موضع كل أثر في علاقته بالكل.

ص- 40
حين تتكاثر المشيئات ويزيد تناقضها في مجال واحد، يتكون بينها شدّ متبادل، تتوزع فيه القوى وتتصادم، كما التيارات في بحر مضطرب، كل مشيئة تدفع باتجاه، وكل اتجاه يثير مواقع أخرى. هذا الدفع المتقاطع يصنع ضغطاً وتضاداً في النسيج، بحيث يبلغ حد الاختناق. الشر يتكون عند هذا الحد، حين تضغط مشيئة على روابط تحدث خللاً في النسيج، فينشأ انحراف، أو خلل، في التوازن بدل الانسجام، وتموج الشبكة بما أحدثه ذلك الضغط. الشر أثر علائقي، يتشكل من زيادة غير منسجمة في أحد أطراف التعالق. غير أن النسيج الكلي لا يبقى ساكناً أمام هذا الاختلال. القوى المتصلة به تتحرك وتعيد توزيع الأثر، وتفتح مسارات جديدة، تمتص حدة الانحراف. ما بدا انكساراً في موضع ، يتحول في الحركة العامة إلى تعديل أوسع، يعيد النسبة بين الأطراف، هنا يتكون معنى العدل بالعلاقة مع المسؤولية. العدل ليس حكماً منفصلاً عن التعالق، إنه انتظام يتولد من داخل التعالق، استعادة النسبة بين الأفعال وآثارها، وتسوية التوتر الذي نشأ من ضغط غير متوازن. في هذه الاستعادة، يعود الفعل إلى موقع يسمح له بأن يندرج في الكل، من غير أن يثقل جانباً على جانب، يعيد التوازن في الميزان الكلي. الشر والعدل وجهان لحركة واحدة داخل البنية، أحدهما ينشأ من انحراف في التعالق، والآخر يتكون مع إعادة الاتساق وتعالق المسؤولية، وبين هذا وذاك، يستمر النسيج في تعديل ذاته، وتبقى المشيئات مندرجة في مسار أوسع، يحفظ الحركة من أن تتحول إلى تصادم شامل.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- 3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
- هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
- حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
- تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب ...
- بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
- سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
- -باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
- زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
- قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
- لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود (8)