أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم















المزيد.....

المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 20:59
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يبدأ الأمر من أوروبا اليوم، أو من لحظة يمكن الإشارة إليها على أنها اللحظة الصفر، لما بات مستقراً في الفكر، ظاهراً أو مضمراً، بين متبوع وتابع، أو هو حسب اصطلاح الباحث سمير أمين، مركز وأطراف، بين أوروبا والعالم. أو ما دمغته أجهزة الإعلام بختم ( العالم الثالث ).
صورة تشكلت ببطء، حتى استقرت في الفكر وبين طياته، دون أن ترى وهي تتشكل، حيث كان العالم يُرتَب على نحو يبدو بديهياً، تُقدَم بعض أجزائه إلى الواجهة، فيما يتراجع غيرها إلى الخلف، دون أن يُطرَح السؤال عن هذا التقدم، أو ذاك التراجع.
كان كل شيء يجري بوحشية لا تعلن عن نفسها، نوع من وحشية سرية، مع أنها علنية.
في قلب تلك الخديعة الكبرى، كما بدأت، وكما حاول أن يتتبعها سمير أمين، يمكن قراءة الأحداث بعيداً عن المسار التاريخي، حيث لا تُقرَأ الحكاية الدامية على مدار قرون من تسلسل أحداثها، مترافقة مع بداية الكشوف الجغرافية، وإنما من الطريقة التي بنيت بها تلك الأحداث، ومن الخط الذي أخذ يربطها بمسار واحد، يعاد فيه توزيع الأزمنة، وتصاغ البدايات على صورة تفضي إلى ما استقر لاحقاً، ومنحها شكلاً وكأنه لم يكن ممكناً على شكل آخر.

ص -2
وفي ممرات وزوابا هذا البناء، يمر إدوارد سعيد على خرائط النص الغربي الذي تم تصديره إلى العالم، فيلتقط فيه بُعداً آخر، تكفل به الاستشراق، حيث العالم داخل اللغة، يُكتَب قبل أن يُرى، وتُمنح أجزاؤه ملامحها في العبارة قبل أن تستقر في الإدراك. في ذاك البعد يُصوَر (الآخر) - كل ما هو غير أوروبي - في صورة تسبقه، صورة لا تحتاج إلى تثبيت، لأنها تتكرر بما يكفي لتصبح مألوفة، ثم مألوفة إلى حد أن تؤخذ على أنها الأصل.
خرائط للجغرافيا، سارت عليها خرائط الفكر الأوروبي، لكن الخط الذي رسمت به تلك الخرائط والأفكار، كان قد بقي في العمق مجهولاً، شيئ في أساس البنية الفكرية الغربية، آت من بعيد، من اقتداء (المعجزة اليونانية) في خيطها الأول وقماشها التالي، كان يُعمَل به دون أن يُرى. شيء سمح للأشياء، أو ساعدها على أن تقيم عليه بناءها، كأنها كانت تحسه، تعرف أنه يلزمها، فتستخدمه دون أن يعنيها ما زاد على جودة استخدامه، كلما نظرت إلى العالم لتعيد انتاج نفسها مركزاً، حوله أطراف.

ص -3
الباحث سمير أمين، قدم نقداً جذرياً لفكرة (المركزية الأوروبية) بوصفها أيديولوجيا تجعل أوروبا مركز التاريخ والعقل والتقدم، لكنه في نقده يقرؤها على غير ذلك، يقول سمير أمين : المركزية الأوروبية تشويه للتاريخ، أكثر منها تفسيراً له. وفي نقده الموسع، والذي أسسه على الربط بين التاريخ والاقتصاد والسياسة والثقافة، هدَّ سمير أمين، جداراً سميكاً أحاط هذه المركزية ، من حيث الفكرة التي تجعل منها معياراً عالمياً وحيداً لتفسير تطور البشرية.
لكن خطاً بقي خفياً لم يمس، خط قام عليه الفكر الأوروبي منذ اليونان، والى العصور الحديثة، وحملته جملته اللغوية مضمراً ومستمراً من غير أن يفكر فيه، كما لو أنه إحدى المسلمات.
ولعل سؤالاً مازال لم يُسأل بعد، يضرب في عمق هذه المركزية، ويتوجه مباشرة إلى البعد الذي قامت عليه فكرياً، وهيأته لها جملتها اللغوية، ذاك هو سؤال الفكر السببي، سبب - نتيجة، وجملته اللغوية ذات - موضوع، والذي سيعلق كشوكة في الحلق، عندما سيواجه هذا الخط بالعلوم المعاصرة.
في عصر الكشوف الجغرافية، وفي التأسيس الفكري لما سينبني عليها، كان ذاك الخط فعالاً، بل أكثر من ذلك، كان ربما هو المطلوب حينذاك، حتى يؤصّل، وعلى دعامة متينة، ترتقي إلى انسحاب العبقرية من الجد إلى الأحفاد، من اليونان إلى الرومان (فعصر الأنوار) فجلال العقل الآتي من (المعجزة اليونانية) فكراً وحقيقة علمية وصدقية تاريخيّة، ومشروعية أخلاقية. سمير أمين عرّى هذه المركزية من صدقيتها ومن قيمتها الأخلاقية حين تتبع تشكل صورتها التي ثبّتتها داخل سرد يمسك بالأزمنة ويرتبها، بحيث تبدو كما لو أنها تسير نحو موضع محدد سلفاً، أخذت منه صورتها الراهنة واكتسبت قدرتها على جمع التباين داخل خط، يبدو متماسكاً ويتقدم فيه الغرب مركزاً تتجمع حوله المعاني.

ص -4
كان هذا الخط، الذي بني عليه فكر أوروبا الحديثة، والذي حرصت على تسلسله من (المعجزة اليونانية) إلى (عصر الأنوار) كان خطاً جلياً، بالقدر الكافي لترتيب العالم حسب اللزوم. أما بنية هذا الخط، في أساس فكره وجملته اللغوية، والذي سيصبح إشكالاً معرفياً مع العلوم المعاصرة، فقد كانت حتى حينه، هي الهادي والدليل. بذلك كانت تتكون ذاكرة التاريخ، وتروى من داخل هذا الخط، وتستعاد عبره، حتى تستقر في الوعي، بحيث تصبح ما جرى، لا ما أعيد تنظيمه. كان ما تأسس عليه الفكر، وقالته اللغة، تتويجاً لما هو عليه الحال، منذ بداية عصر النهضة، ومن ثم تتويجاً للعقل بين السبب والنتيجة في (عصر الأنوار) وهكذا ومن خلال هذا الخط، كان يتشكل التفاوت بين الشعوب والثقافات، في صورة تراتبية ومراتبية، ويأخذ كل موقع دلالته من علاقته بهذا الخط الذي يصل إلى المركز الأوروبي، والذي راح يتسع حضوره، فيظهر العالم وكأنه قابل لأن يرتب على هذا النحو، وتقرأ تجاربه من خلال هذه الرؤية، التي تستقر في الأفهام، وتتكرر مع كل إعادة قراءة، فيتعزز حضور هذا المركز، ويترسخ أكثر فأكثر مع التداول، حتى يغدو جزءاً من طريقة الفهم نفسها، صورة تعيد المشهد في مرايا متعددة، ومَن، مِن جيل الخمسينيات في الطفولة أو بداية الصبا، لا يذكر أفلام (الكاوبوي) والهنود الحمر (المتوحشين)؟ تعويذة أوروبية، كانت تعاد قراءتها مرات ومرات، حتى تمسح دماء أصحاب الأرض، عن أيدي المستوطنين الأوروبيون الجدد.
هذا الذي حدث، ومازال يحدث، بأشكال أكثر حداثة، يفيض على محض إعادة لتشويه التاريخ، الأمر أخطر، فهو ليس إعادة بناء تاريخ العالم فقط، وإنما إعادة بناء الفكر ذاته، في هيئة قابلة للتحكم والإمساك، والفصل والوصل. وهنا يجب الانتباه إلى ما يعمل في عمق التصور الخطي، إلى ذلك الأساس الذي يسمح للأشياء أن تستقر على هذا النحو، فليس ما يظهر هو ما يستدعي التوقف، وإنما ما هو مضمر فيه، وما يمنحه اشتغالاً يخفي تحته تاريخاً لا يستوي أمره في امتداد خط.

ص -5
إدوارد سعيد يشق صدر الاستشراق، يستخرج ما استتر فيه. الأشياء وذاكرة الأماكن، تخالف ما هي في لغة الاستشراق، وترسم الصورة من جديد، تأخذ ملامحها داخل العبارة، قبل أن تستقر في النظر. إدوارد سعيد يفتح مساراً عبر اللغة فيلتقط لحظة دقيقة، لحظة تشكل العالم في الخطاب الاستشراقي، حيث ترسم الخطوط والملامح وتمنح الأسماء، وتحاط بإيقاع يجعلها قابلة للتكرار، وحيث الصورة لا تأتي بوصفها انعكاساً، وإنما بوصفها بناء يسبق ما يُرى، ويهيئه لأن يفهم على أنه ذلك البناء، وحيث (الآخر) - حسب الفكر الأوروبي - قابل لأن يُدرَج ويفهم ويعاد تشكيله، في صورة تعيد إنتاج ذاتها، حتى تأخذ هيئة تبدو مألوفة، ومألوفة إلى الحد الذي يرفع عنها صفة الصياغة، ويمنحها مظهر الحضور، وحيث لا يعود الخطاب مجرد وسيلة، وإنما هو مركز تتشكل فيه العلاقات، ويعاد توزيع القرب والبعد. ومع غزارة وصدقية ودقة هذا التحليل للاستشراق، إلا أن النظر في الخط ذاته بقي خارج الاعتبار، ظاهر، لكن غير ملحوظ، وكأن قوة حضوره في الفكر، جعلته إحدى المسلمات، غير خاضع للسؤال.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم