بدور عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 14:27
المحور:
قضايا ثقافية
في الجملة العلائقية يتحرك الفعل في شبكة لا تنفصل أطرافها عن أثره. الفعل يتداخل بما قبله وما بعده، ويظل معلقاً في السياق الذي منحه معناه. والفعل الإنساني بوصفه مشيئة، يتحرك حركة الفعل في الجملة. فكل مشيئة تترك أثراً، وكل أثر يستقر في نسيج يتجاوز لحظته.
اللغة العربية في عراقتها، حملت هذا الوعي في بنيتها. جذورها لم تكن أصواتاً عابرة، وإنما آثار فكر تراكم في الاستعمال، واستقر في الدلالة. من هذا التراكم نشأ فعل (ثاب): رجع إلى موضعه، عاد إلى رشده، استأنف اتصاله بما انقطع. ويجاوره فعل (تاب) و (آب) وكلها أفعال تشير إلى حركة رجوع واستعادة موضع.
وفعل (غفر) ومن معانيه، الستر والتغطية، التجاوز والصفح، الإصلاح والوقاية. في هذا الأفق يتشكل الغفران بعد التوبة.
الآن، الفعل حين يضغط على النسيج ويُحدِث اختلالاً، يبقى أثره ممتداً في العلاقات التي مسها. لكن الإنسان يحدث التغيير في كل آن ويملك التغيير في كل آن، وبالتالي يملك في كل آن قدرة الدخول من جديد في هذه العلاقات، وتوجيه مساره في اتجاه يعيد الاتساق. عودته لا تمحو الماضي، لكنها تعيد إدراجه في حركة أكثر انسجاماً وكثافة، توازن حدة الضغط الذي كان قد أحدثه الانحراف. المشيئة التي انحرفت، تدخل التعالق من جديد فتفتح مساراً يوازن أثر الاختلال، ويعيد توجيه الأثر في شبكة العلاقات. في هذا التعديل يتجلى معنى (الثوب) إلى الوضع، ومعه يستمر النسيج في حركته، وقد استعاد خيطاً كان على وشك الانفصال.
ص- 42
نتوجه إلى العلم، لا ليثبت، لكن ليضيء.
تكشف علوم النظم المعقدة أن العالم ليس آلة تُرَكَّب أجزاؤها، إنما هو تعالقات بين أجزائه، نسيج يتشكل من تداخلات دقيقة. في هذا النسيج لا يحتفظ العنصر بهويته إلا بقدر ما يرتبط بغيره، ولا يُفهَم الجزء إلا من خلال موقعه في الكل. تتكون الأنماط من التفاعل، ويستقر الاتساق من خلال حلقات متبادلة من التأثير. هذا الاتساق ليس سكوناً، هذا الاتساق هو توازن في حركة. تتبدل العناصر وتتغير الشروط، ومع ذلك لا ينهار النظام. مسألة أخرى، النظم المعقدة تشرح كيف تتكون البنى من الداخل، تصف آليات الاستقرار، لكنها لا تفسر لماذا هذه الشروط موجودة أصلا، فالعلم يبدأ من وجود عناصر وقوانين وطاقة، لكنه لا يجيب عن سبب كون العالم مهيأً أصلاً لتوليد انتظام. لماذا القوانين قابلة لإنتاج بنية؟ تصف طريقة عمل الأشياء، لكنها لا تفسر لماذا هي على هذه الصورة التي تسمح بظهور انتظام بدلاً من فوضى كاملة؟ العلم يشرح كيف تتكون البنية إذا توفرت شروطها، لكنها لا تقول إن البنية هي مصدر شروطها. وحين تقول إن نظاماً (ينظم نفسه) فالمقصود أنه يعيد ترتيب علاقاته الداخلية، لا أنه خلق شروط إمكانه، ولا أنه أوجد قوانينه، ولا أنه منح نفسه القدرة على الظهور من العدم، فالنظم المعقدة، تشرح كيف تتشكل البنى من تفاعل عناصرها، لكنها لا تبحث في أصل القابلية التي تجعل هذا التشكل ممكناً، هي تصف آلية الاستقرار، لكنها لا تتناول السؤال الأسبق: ما الذي يجعل هذه الآليات ممكنة أصلاً؟ إذن، هناك سؤال (الكيفية) وهناك سؤال (الإمكان).
ص- 43
سؤال العلم، أجاب بعلائقية الوجود. وبأن انتظامه ناشيء من تداخل علاقاته، لكن استمرار هذا الانتظام، مع هذا القدر من التعقيد، ليس بديهياً، ليس لأن العلم قاصر، ولكن ، لأن العلم يعمل داخل الإطار، لا على الإطار. فالنظام يمكن أن يشرح كيف تتوازن القوى داخله، لكنه لا يفسر لماذا يوجد مجال توازن أصلاً؟ العلم، يمكنه أن يبين كيف تحافظ الشبكة على نمطها، لكنه لا يجيب عن سؤال لماذا تبقى الشبكة قابلة لأن تنسج ذاتها في كل لحظة، بدل أن تتشظى في كل لحظة. العلاقة مهما تعقدت، لا تكفي لضمان دوامها، والنسيج مهما تشابكت خيوطه، لا يستقر لمجرد أنه متشابك، فاستمرار التعالق ذاته، يُلمٍح إلى مرجعية، أعمق من عناصره التي يتشكل منها، مرجعية، لا تظهر كعنصر ضمن الشبكة، وإنما كشرط لبقائها قابلة للترابط.
ص- 44
تكشف النظم المعقدة، كيف تتكون البنى من تفاعل عناصرها، وكيف تنشأ أنماط الاستقرار من داخل الحركة ذاتها، غير أن هذا الكشف، على عمقه، يظل مشغولاً بالكيفية: كيف تتوازن القوى؟ كيف تُنتِج التغذية الراجعة انتظاماً؟ كيف تتشكل مجالات الجذب؟… أما السؤال الأسبق، لماذا هذه القوانين دون غيرها؟ ولماذا يوجد مجال يسمح بالانتظام أصلاً ، فيبقى خارج هذا الوصف؟ حتى المصادفة، حين تُستَدعى كتفسير، فهي ليست منفلتة، فما يسمى مصادفة، محكوم بقوانين، وإن لم تكن احتمالاتها باليد، أو فهمها تحت العين. العلم على عمقه ودقته أجاب على سؤال: كيف تعمل هذه النظم؟ لكنه ، لم يجب على سؤال: لماذا هي على هذه الكيفية؟ فأحالها إلى نفسها. وهنا يأتي السؤال: ما الذي يحفظ قابلية هذا النسيج للانتظام، من أن يكون انفتاحه فوضى مطلقة ؟ القوانين تشرح عمل البنية العلائقية من الداخل، لكنها لا تفسر أصل قابليتها لأن تكون على ما هي عليه. العلم ، كشف أن الواقع علائقي، لكنه لم يُجِب لماذا هو قابل لأن يكون علائقياً. النظام قد يعيد التوازن داخلياً، لكن وجود قابلية التوازن نفسها ليس نتيجة قرار داخلي للنظام. والبنية العلائقية، الكلية للوجود، لا تملك قرار حفظ كليتها من داخلها، فما الذي يقيم هذه البنية الهائلة للوجود؟ السؤال لا يسكت، فيمضي قدماً في علائقيته بحثاً عما يتصل بالبنية الوجودية الهائلة ويساند قيامها، وهي لا تملكه بذاتها. يمتد البصر إلى الجملة العربية في جذور تشكلها، وما أضمرته من دلالات، تذهب بعيداً في عمقها التاريخي.
في الجذور العربية فعل (قَوَمَ) وهو من أغنى الجذور العربية. دلالاته تتوزع على العديد من الحقول: الحركة من حال إلى حال. الاستقامة والاعتدال، الإنشاء وإرساء الشيء في وضعه الصحيح، التكفل والرعاية والحفظ، الكفاية والاعتماد، ما به يستمر الشيء .
يحمل الجذر (ق- و-م) ، في طبقاته الأولى معنى النهوض بعد قعود، ثم يتسع ليعني الاستقامة بعد اعوجاج، ثم يمتد ليشير إلى ما يقيم الشيء ويحفظ توازنه، ف (القِوام) ليس مجرد قيام، وإنما ما يعتمد عليه الشيء في اعتداله، وما يستمر من غير أن ينحل. وإذا قيل (قام بالأمر) فالمعنى يتجاوز الحركة إلى التكفل والرعاية والحفظ.
هذا الامتداد الدلالي، يكشف حساسية لغوية مبكرة لمعنى الثبات الذي لا يجمد، والاستقامة التي لا تلغي الحركة ، والحفظ الذي لا يناقض التحول. فاللغة في خبرتها الطويلة لم تحصر القيام في الوقوف، ولكنها جعلته فعلاً يبقي الشيء في انتظامه، هذه المعاني تستدعي لفظاً من داخلها يقيم العلائقية الكلية، من غير ان يُقحَم فيها (القيومية).
ص- 46
ليس استدعاء لفظ (القيومية) إلى هذا البحث، مجازفة لغوية، أو استدعاء لعقيدة، لكنه حالُ إلحاح السؤال: إذا كانت البنية الكلية للوجود شبكة من انتظامات دقيقة، تعمل قوانينها من داخلها فالسؤال لايكتفي بوصف كيفية عملها، لكنه يمتد إلى ما يحفظ مجال هذا العمل نفسه، ما الذي يصون إمكان انتظام البنية من أن ينقلب إلى انفراط؟ وما الاسم الذي يعطى لذلك المستوى الذي لا يُرى عنصراً في الشبكة، بل شرطاً لبقائها شبكة. ولعله لا يجانب الصواب، أن البنية اللغوية العربية قد امتلكت - بجرأة ما تحمله من رصيد لغوي تاريخي - وبما يليق بجرأة السؤال، أن تتحمل مسؤولية استدعاء لفظ القيومية، ليس استدعاء لعقيدة ولا خطاباً وعظياً، إنما هو انتماء إلى الجذر في دلالة لغوية ضاربة في عنق العربية وجملتها العلائقية. فالجذر الذي يحمل معنى القيام، والاستقامة والتكفل، والحفظ، كان حاضراً في الاستعمال العربي، حتى صيغ في أعلى تجلياته النصية. واللغة في حساسيتها الأولى، كانت تلمس معنى ما يبقي الشيء في تماسكه، وما يتكفل باستمراره، وإن لم تصغه مصطلحاً. إن استحضار (القيومية) هو تسمية لذلك المعنى الكامن في البنية اللغوية ذاتها، لا دعوة إلى تبني إطار مسبق.
ص- 47
وتجدر الإشارة إلى أن القرآن - وهو بالإضافة إلى قيمته الدينية العليا - قد وصل بالبنية العلائقية إلى تجليها الأعلى، قد استخدم هذه الصياغة (القيوم) في إشارة إلى الإمساك بالبنية الوجودية الكلية من أن تتحول إلى فوضى أو تبعثر.
هذه الإشارة تحيل لا إلى الجملة العلائقية فقط، وإنما إلى استمرار هذه البنية العلائقية في الفكر اللغوي العربي، بعيداً عن التشويش الفكري الغربي الذي تسلل ثم تمكن من إحكام حضوره في الفكر العربي، وإن كانت اللغة والجملة العربية، بسبب جذورها المتينة، وحضورها في القرآن الذي بقي مركز الحضور الجمعي العربي، قد صان هذه الجملة من الانقلاب إلى بنية سهمية، وإن زاد اتساع المسافة والاغتراب بين الفكر العربي ولغته، وعودته إلى ينابيعه الخلاقة.
#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟