أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - من الجملة إلى الوجود - 1 -















المزيد.....

من الجملة إلى الوجود - 1 -


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 20:31
المحور: قضايا ثقافية
    


القرن التاسع عشر في أوروبا، العقل متوج. الكنيسة تزاح عن موقعها، مازال المذبح موجوداً، لكن العقل يتوجه إليه. مفاتيح الحياة وحدها كافية، أما مفاتيح ما بعدها فقد حلَّ محلها العقل والعلم وهاجس التقدم وأحكام الواقع وإحكامه. الذات معتدة بذاتها، تتمحور حولها في مواجهة ما عداها، وفي مواجهة الوجود. تسكن الثنائية بين الذات وسواها، على نقطتين متقابلتين على طرفي خط، يقطع قبل أن يصل. حمولة هذا كله، خطته وخطه في التفكير والمسير، تحِل في المنطقة العربية، وتستوطن الفكر، ثم يتم الحرص عليها على أنها التعويذة إلى مستقبل واعد.
القرن التاسع عشر، و(قصة مدينتين) ميزان أوروبي، كفّتاه مستقرتان على خط الرؤية بين وبين. ديكنز يستدعي نصف قرن مضى، يقسمه على اثنين في (قصة مدينتين) لا حسابياً يقسمه على خط يبدو أنه كان قد اكتمل، ليستقر أيقونة على صدر الأدب. كان ذلك أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الشك. كان موسم النور، وكان موسم الظلام. كان ربيع الأمل، وكان شتاء اليأس. كانت هذه ثنائية مكتملة تماماً، في التعبيرعن أوروبا حين اكتمل (عصر الأنوار).

ص 2 -
في أوروبا آنذاك كان قد اكتمل الفكر والقول، على خط آت من بعيد، من اليونان، ربما بدأ قبل أرسطو، لكنه استقر في الفكر الثنائي على يديه في بنية الفكر والجملة، بين سبب - نتيجة وذات- موضوع، ثم استمر فعالاً إلى ما بعد (عصر الأنوار) مكتملاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ليواكب الثنائية في آخر فلسفاتها الخطية، بين الوجود والعدم في وجودية النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يتعثر بنتائج العلوم المعاصرة، في القرن العشرين ذاته وإلى الآن. لكن سؤالاً ملحّاً ينهض من قلب النص، وهو نص عربي، بلغة عربية، ولعله لا يجازف بالقول، وبرؤية عربية، لماذا أوروبا هي ما بين يدي النص؟ مع أن أوروبا ليست هي بالأساس موضع النص ولا موضوعه. وسؤال آخر، هل يبغي هذا البحث العمل على نقد الفكر الغربي سواء في ما تأسس عليه، أم ما وصل إليه؟ من جانب آخر، هل الغاية من هذا التقديم هي السير عكس التيار في مخالفة الفكر العربي في نقد ذاته بالقياس إلى ما يضعه الغرب من مقاييس للفكر والوجود؟ وهل يمهد لدفاع عن الفكر العربي انحيازاً إلى النفس، أو دفاعاً عنها في مواجهة ما يستضعفها ضمناً أو صراحة، غربياً أو عربياً؟ وهل هذه تتمة، وخطوة أخرى في مسار افتتحه سمير أمين، وفتح فيه باباً آخر إدوارد سعيد من حيث اعتراض ومعارضة المركزية الغربية؟ أم أنها غاية تتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك؟ إلى ما هو قائم في بنية الفكر الغربي، ولأسباب تزيد على نقده، أو هي تختلف عنه، إذ هي تذهب إلى عمق ما أحسه ربما، اللغويون الغربيون، من شيء بدا كغصة في الفكر، لزمه كأس ماء من لغة. إحساس يُلمس أو يُشم أو يترك طعماً غير مستطاب في اللسان. أو ربما محاولة لرأب صدع قديم في أساس البناء، تشكل في النظر ضبابياً، أم هو محاولة للخروج من داء بمداواته بالتي كانت هي الداء.
أسئلة علقت بين الفكر واللغة في حاضرهما، مازالا مدار بحث، ومحاولات إجابة.

ص 3 -
إشكال غربي قائم بين اللغويين الذين حلّوا محل الفلاسفة بمعنى ما، لكنه ليس الأساس ولا القصد من هذا البحث. فما يهم ليس نماذج وأنماطاً صدرتها المركزية الأوروبية أو الغربية بالعموم فحسب، لكنها أساساً ما تلقاه الفكر العربي من هذا الذي صدره الغرب ومازال، ومن ثم بات يُحرَص عليه كتميمة شافية، فيُطوَع الفكر العربي هنا، ليتواءم مع الفكر الغربي هناك، أو يوضع ذاك الفكر مقياساً يقاس فيه وعليه ما كان وما يكون. وإذن، ليست الغاية من هذا البحث، هي النظر في إشكالية الثنائية الغربية في الفكر واللغة ، مع العلوم المعاصرة التي لا تقول بقول الثنائية وحتمية سبب - نتيجة، بعد أن تجاوزتها إلى أنواع من أنظمة العلاقات المتعددة والاحتمالات. ليست هذه هي الغاية على أهميتها، آن يصدر هذا الفكر نفسه على أنه فكر عالمي، ما يراه ويقول به ينطبق على العالم. إضافة إلى أن هذا الذي يقدم إلى العالم بدأ يفقد المعنى على مستوى الوجود والإنسان، ويتوجه إلى اللغة وحدها في محاولة لإعادة بناء الفكر في تقليبها على وجوهها بناء أو تفكيكاً أو توليداً، من غير النظر إلى أصل الإشكال القائم في طريقة النظر إلى علاقة الإنسان بالوجود، ونظام الوجود نفسه المتشاكس مع الثنائية والحتمية، ومع حديه ذاتهما في مواجهة الذات للوجود وليس العلاقة مع الوجود، رؤية تقوم على الانفصال لا الاتصال. ثم تأتي المسألة الأخطر، والتي هي اقتداء الفكر العربي هذا النهج، في عصره الحديث، بحيث يضيع هذا الفكر بوصلته المعرفية إلى الوجود أو هو قد أضاعها بالفعل.

ص 4-
ولعل اعتراضاً يمكن أن يقوم بداية، على أن صحة فرضية البوصلة المعرفية العربية، والتي تنبني على علائقية الفكر واللغة، هي الأكثر صحة وانسجاماً مع المناهج العلمية المعاصرة، والإجابة على أسئلة الوجود الكبرى، في وقت تراجع فيه الفكر الغربي عن الرغبة، أو ربما القدرة على هذه الإجابة.
قد يبدو السؤال من حيث أحقيته في السؤال مشروعاً، لكن الإجابة عليه متضمنة في غاية البحث من أساسه، في بنية الجملة العربية بين القول وزمانه وقائله ومقوله وناتجه.
الإجابة على سؤال وجودي إنساني مازال قائماً ومشروعاً، سؤال المعنى، والمترتب على الإجابة عن العلاقة بين الإنسان والوجود، لا من حيث كونها ثنائية تتشكل بين الإنسان كذات والوجود كموضوع مقابل، وإنما من حيث كونها علاقة تتشكل، ويتعلق بتشكلها الإنسان والأفعال والأشياء والأحداث فيها ومعها، وحيث هذا التشكل لا يسبق الوجود ولا يلحق به، لكنه يتشكل كله في الآن ذاته، وحيث الإنسان في هذا العصر مطالب بتقديم بديل معرفي إنساني، يمكن الادعاء بأن الفكر العربي العلائقي - وليس الذي اغترب - يمتلكه في بنيته العلائقية، والتي تختزنها جملته العربية، بين القول وزمانه وقائله ومقوله وناتجه. ثم وفي الإجابة على سؤال وجودي وإنساني، مازال قائماً ومشروعاً، يواجه فكراً يدعي العالمية، سؤال المعنى، والمترتب على الإجابة عن العلاقة بين الإنسان والوجود، لا من حيث كونها ثنائية تتشكل بين الإنسان كذات والوجود كموضوع، وإنما من حيث كونها علاقة تتشكل، ويتشكل الإنسان والأفعال والأشياء، بها وفيها ومعها وأثناءها، بحيث هذا التشكل لا يسبق ولا يلحق الوجود، لكنهما يتشكلان معاً في الآن ذاته، وحيث الإنسان في هذا العصر مطالب بتقديم بديل إنساني، يمكن الادعاء بأن الفكر العربي يمتلكه في بنيته العلائقية، لكنه معطل لكون هذا الفكر قد اكتفى بأن يكون محض ظل لفكر يعيش إشكاليته الخاصة.
ص 5 -
ولعله جدير بالإشارة هنا، أن هذا النموذج من البحث، لم يكن في أول ظهوره، وفي أولى خطواته في مقالات سبقت، ملتفتاً أو معنياً بأزمة الفكر الغربي الراهن، إنما هو على العكس من ذلك، كان قد وجه الانتباه إلى ما ألفنا من لغة، من أنها مبنية على تركيب، كشف استمرار البحث لاحقاً، أنه إنما غيبه عنا منهج الفكر الغربي.
كان المنهج الذي ظهر مخالفاً لمنطق ما اعتدنا من فكر، لكنه متوائم تماماً مع لغتنا. وارتسم حينها سؤال كبير يلح في طلب الإجابة. كان الإشكال يتبدى بين طبيعة وإمكانات اللغة، واختلافها مع منطق ما ألفنا من رؤية حديثة للأمور والأشياء والأحداث، وطريقة النظر والتفكير المتداول.
بدا السؤال إشكالياً، وظهر هذا الإشكال، في جملة قالها أحد المفكرين العرب، قبل أكثر من مئة عام، في أوج العلاقة مع مفرزات وملحقات الفكر الغربي. كان المفكر هو قاسم أمين، وقد لفت نظره، وكان محقاً، من أن المرء يقرأ الجملة الأجنبية فيفهم، بينما في الجملة العربية، يجب أن يفهم حتى يقرأ، ولعله قد قصد حينها إلى محض طرح السؤال الذي تبدى في مرمى جملتين، عربية وأجنبية- وهي تعني هنا غربية- ولعله لم يحاول البحث عن جواب، أو حاوله ربما، لكن بالفهم الغربي الثنائي، فلم يوصله إلى جواب، فاكتفى بطرح السؤال، مكتفياً بوضعه في مرمى الزمن والبحث، أو لعله اعتبر الأمر من قبيل اختلاف اللغات ليس إلا، واكتفى بعرض نمطين للغة، أثارا فضوله. لكن هذا الاختلاف، أو ما بدا على أنه يزيد على محض اختلاف، كان أول ما أثار السؤال، دعمه أن محض حركة على حرف، ضمة أو فتحة أو كسرة، في أول القول، لا تستقر على حال إلا من خلال وبالعلاقة مع امتداد القول، وكان هذا مفاجئاً ومستغرباً لدى التفكير فيه للمرة الأولى، كيف ولماذا؟ ذاك أن شدة الألفة ربما مع اللغة، كانت تحول دون التفكير في السؤال، علماً أنه استدعى سؤالاً آخر، كان قد استقر بين أسئلة مؤجلة البحث عن جواب، أمام ما يستجد من يوميات تحتاج إلى معالجة أو جواب، كانت تتسابق إلى المقدمة، مؤجلة ما سواها. ربما كان في حينه، جهلاً بأهمية السؤال المؤجل، تلك الأهمية المتوضعة في بنية اللغة ذاتها، والتي ساهمت في تغييبها طريقة التفكير الثنائية الغربية المعتادة، والتي كانت قد ترسخت منذ ما يزيد على مئتي عام.

ص 6 -
كان السؤال غير بعيد عن بنية الجملة العربية، كان قد تركز في ذهني حول سؤال قديم، لم أكن قد وجدت الإجابة عليه في حينه، وكان متعلقاً بضمير العائد، وما يفتح من أبواب قبل أن يغلق ما هو مفتوح من نوافذ. لماذا هو حمال أوجه، يفتح باب الاحتمال بينه وبين عائده ؟ هل هو قصور في اللغة العربية وعجز عن أن تعيد الضمير الظاهر أو المستتر إلى الكلمة التي يجب ان يعود إليها بدقة، كما هو الحال في اللغات الأجنبية؟ كنت ما أزال تحت سطوة الرؤية الثنائية في التفكير. لكن تجذر العربية في انتمائها إلى آلاف السنين في التاريخ حية ومتطورة، ومن ثم حضورها في الشعر العربي القديم طازجاً بعد ما يزيد على ألف وخمسمئة عام، على ما كان ، كما لو أنه خرج من فرن الزمن لتوه، ثم ما أودع القرآن من لغة اكتنزت وعمقت وأثرت كل هذا، وحفظته وحافظت عليه، خلال ألف وأربعمئة عام مفتوحة على ما لا يُحَد من زمن، وما أخرجته من حضارة اكتملت من بين طياته.

ص 7 -
كان هذا كله يزيد الأسئلة ويفتح بواباتها بدل أن يغلقها، متوجهاً إلى الفكر وعلاقته باللغة والفهم والوعي والفلسفة، بدءاً من الجملة، وكيف ينتظر أولها ليظهر على ما هو عليه بعد آخرها. لماذا يتقدم الما بعد على الما قبل؟ هل تتبع اللغة الفكر؟ أم أن الفكر يتبعها؟
وبشكل مختصر، فُتحت أسئلة على الوجود، وكلها تلح في البحث عن جواب. كان السؤال المركزي فيها بين الفكر واللغة، ما هي العلاقة بينهما؟ هل يسبق الفكر اللغة أم يتأخر عنها؟ وهل تعبر هذه اللغة عنه؟ أم أنها تنبثق منه؟ لكن تسلسل الأسئلة على هذا الشكل، كان يُلمِح إلى طريقة في التفكير ليست من طبيعة الجملة العربية، التي تنبني على نظام آخر، لا تُسَلَّم فيه الكلمات من الماقبل إلى الما بعد بشكل متسلسل، كما هو حال الجملة الأجنبية، التي تنبني على طرفي خط بين سبب- ونتيجة، وذات- وموضوع، كل مستقل بذاته في طرفه. كانت هذه طريقة التفكير في القول أو الجملة الغربية الثنائية، التي تنبني أطرافها منفصلة عن بعضها، ومتوضعة في طرف مستقل، وبدا أن الخلل في السؤال الذي يفصل، وفي المفتاح الذي يعزل، وكانت طريقة التفكير، طريقة الرؤية، بفعل اعتياد رافق العمر والتعليم، طريقة ثنائية تفصل ولا تصل، وتعزل ولا تعلق، بينما كان نظام الجملة العربية وبنيتها التي تقوم عليها ، غير تسلسلية، يندرج اكتمالها مما سبق إلى ما لحق كما هو حال الجملة الثنائية، فللجملة العربية نظام آخر علائقي بين عناصر الجملة، مهما صغرت، حتى لو كانت فقط أحرفاً، أو حركات من فتح وضم وكسر. والأسئلة المطروحة كانت ستبقى معلقة دون جواب، فمفتاح السؤال، لم يكن هو المفتاح لقفل الجملة العربية.

ص 8 -
لم يكن مفتاح الجملة العربية مصنوعاً من حدي ثنائية سبب- نتيجة، و ذات- موضوع . كان مفتاح الجملة العربية مصنوعاً من علاقة مكوناتها بعضها ببعض، واحتمالية معانيها التي تبقى مفتوحة حتى تَحَقُقِها بالكامل، واستقرار احتمالاتها على أحدها بعد اكتمال علاقاتها. لكن سؤالاً قد يبدو مشروعاً: لماذا هذه الصعوبة؟ أليس ما هو محدد وأقرب إلى الفهم أولى؟ ويأتي الجواب من نظريات العلم المعاصر، ليؤكد أن القوانين الطبيعية ذاتها- وليس فقط القوانين العلمية- ما عادت حتمية، وإنما هي احتمالية، إذ تتشكل النتائج ضمن شبكة من الشروط والعلاقات التي لا يستقيم فيها خط سبب- نتيجة، وأن نظام الوجود نظام احتمالي لا حتمي كما يتقرر في البنية الخطية، الفكرية واللغوية، إذن ، ليست المسألة مسألة صعوبة وسهولة، وإنما هي طبيعة قوانين الوجود الاحتمالية العلائقية. وإضافة أخرى قالت بها نظرية الكم، أو كما هو مصطلح على تسميتها الكوانتوم والتي تقول بأثر المراقب للنتائج على النتائج ذاتها كما أثبتت هذه النظرية، حيث تتغير النتائج بوجود الرائي أو عدم وجوده. وهنا يمكن استخلاص مسألة درجنا على استعمالها، عندما نقول سبب ذاتي وسبب موضوعي وهذا مايزال من أثر الفصل بين الذات والموضوع، بينما هما متعلقان ببعضهما دون فصل أو عزل. وعلى هذا، فإن صحة المنطق الثنائي لا يستقر الحسم بصحتها، إن لم يكن الحسم بعدم صحتها على المستوى الأعمق هو الأصوب.

ص 9 -
لكن من ناحية أخرى، كيف كان للجملة العربية أن تتواءم مع أدق اكتشافات العلم المعاصر، وهي التي تشكلت قبل آلاف السنين، ثم نمت وتطورت خلالها، حتى استقرت في تمام اكتمالها قبل ألف وأربعمئة عام، بحيث شكلت أساساً لفروع العلم والفلك والأدب والحضارة بعامة لما يزيد على ألف عام، قبل أن يلحق هذه الحضارة جمود عن العطاء، كان له من العوامل والأسباب، ما يخرج تناوله عن غاية هذا البحث. وبالعودة إلى السؤال، كيف كان لهذه اللغة التي تشكلت قبل آلاف السنين، مستمرة في النماء والعطاء، أن تكتنز وتضمر في بنيتها، ما سيجد التعبير عنه، أو الانسجام بينه وبين آخر ما تكشف عنه العلم المعاصر، وهو ثابت في نتائجه التي لا تتعلق أو تتغير بزيادة الوسائل والأدوات العلمية تقدماً، فما اكتشف كان من طبيعة الوجود الاحتمالية، بمعزل عن تطور الوسائل.
للكشف عما حصل، تبدو المسألة مغامرة في مجهول، الموقف منها قد يختلف أو ينقسم حسب مواقف ايديولوجية مسبقة، بين رؤى سماوية أو أرضية. لكن الحصاد كان هذا المذهل في رؤيته وبنيته، في الفكر العربي العلائقي الذي تقوله الجملة العربية العلائقية. لكن ما يوجب استمرار السؤال، أن الحضارات كلها عرفت الأساطير، فلماذا هذه المنطقة دون غيرها، وهذه الحضارة دون غيرها، وهذه اللغة دون غيرها، هي التي اكتنزت في بنيتها نظام الوجود، كما تشير إليه مختلف العلوم المعاصرة؟ سؤال يبقى مفتوحاً بين يدي القاريء بشكل خاص، والإنسان بشكل عام، في البحث عن جواب.

ص 10 -
قد يظهر اعتراض على تسمية الجملة بالعربية، ومن نطق بها، بالعرب، ذاك أن الاستشراق قد عمم تسمية مختلفة عن العربية هي السامية، والتي أطلقها المستشرق شلوتسر، مستنداً فيها إلى التوراة، واعتبر فيها أن من عاشوا في المنطقة العربية وتوارثوا الحضارة واللغة في أسسها كافة، هم أقوام ينتمون إلى جذر قديم، وعمت هذه التسمية وما يترتب عليها من نتائج كبيرة وخطيرة بسبب المركزية الأوروبية وسطوتها، بينما قام باحثون وعلماء آخرون بما يناقض ذلك ويثبت عروبة المنطقة ولغتها، من أهمهم المؤرخ العراقي جواد علي، الذي أكد في موسوعته (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) والمؤلفة من عشرة مجلدات، وإتقانه للغات القديمة، ودراساته اللغوية والآثارية، أكد أن مصطلح (السامية) مصطلح استشراقي، لا يستند إلى أساس علمي، وأن المصطلح الصحيح لما تم التعارف عليه ب (السامية) إنما هو يعني في الحقيقة (العربية). وهي المسألة ذاتها التي خصص لها الباحث محمد بهجت القبيسي، مؤلفاً ضخماً في أكثر من سبعمئة صفحة، فنّد فيه حجج المستشرقين، وفي أولهم شلوتسر، الذي صنف من قطن المنطقة العربية، واللغات التي وجدت، استناداً إلى التوراة، وما جاء فيها من أن أبناء نوح، هم سام وحام ويافث. الأمر الذي يحيلنا إلى بحث الاستشراق، وإدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) والذي هدَّ فيه الطروحات الاستشراقية، من خلال ربطها بالمركزية الأوروبية.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم ( 2 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود ( 10 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود ( 9 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود (8)
- المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- في إيران والعراق.. محطات بارزة في مراسم تشييع علي خامنئي
- رابطة الجالية العراقية في المجر تشارك في زيارة رسمية إلى جام ...
- الرئيس الإيراني وكبار المسؤولين يشاركون في مراسم وداع علي خا ...
- قبيل مراسم جنازة خامنئي.. طهران تنصب تمثالا لقبضة كتب عليها: ...
- المئات يحيون ذكرى مرور ألف يوم على حرب غزة بمسيرة صامتة في ب ...
- الهيئة الفيدرالية الروسية لحماية حقوق المستهلك: حمى الضنك قد ...
- عودة حرائق الغابات إلى المتوسط.. كيف تستعد الدول المغاربية و ...
- من طرابلس الليبية إلى نشيد المارينز... قصة أول حرب أمريكية خ ...
- ساطور وفأس في إدنبرة.. هجمات دامية تجدد مخاوف المسلمين في اس ...
- اللجنة العليا اللبنانية السورية.. إطار مؤسسي للتنسيق بين الب ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - من الجملة إلى الوجود - 1 -