أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - فريد بوكاس - القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال المغاربة الذين يصلون إلى سبتة؟















المزيد.....


القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال المغاربة الذين يصلون إلى سبتة؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 17:39
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

خرج وزير العدل المغربي مؤخراً إلى وسائل الإعلام الدولية، وعلى رأسها قناة DW الألمانية الناطقة بالعربية، متحدثاً عن ملف القاصرين المغاربة الذين دخلوا مدينة سبتة، ومحمّلاً الدولة الإسبانية مسؤولية عدم إعادتهم إلى المغرب. ولم يتوقف الخطاب عند انتقاد الموقف الإسباني، بل ذهب إلى اتهام إسبانيا بتسييس القضاء، بل وصل إلى طرح موقف شديد الدلالة حين قال، بحسب التصريح المنقول: «إذا كان الإسبان يريدون التفرقة بين القاصرين وعائلاتهم، فليُلحِقوا بهم أسرهم».

هذا التصريح يفتح باباً واسعاً للنقاش، ليس فقط حول العلاقات المغربية الإسبانية أو ملف الهجرة، وإنما حول سؤال أكثر جوهرية: هل القاصر، بمجرد أن يعبر الحدود، يتحول إلى موضوع تفاوض بين دولتين، أم يظل أولاً وقبل كل شيء طفلاً يتمتع بحماية قانونية خاصة؟

السؤال ليس بسيطاً، لأن القانون الإسباني لا يتعامل مع القاصر الأجنبي غير المصحوب باعتباره مجرد مهاجر مخالف لقواعد الدخول، بل باعتباره شخصاً قاصراً يوجد في وضعية تستوجب الحماية. وهذه النقطة هي التي تجعل المقارنة بين الخطاب السياسي والقواعد القانونية أمراً ضرورياً.

أولاً: القاصر غير المصحوب ليس مجرد مهاجر

ينص الإطار القانوني الإسباني على نظام خاص بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين. وتنص المادة 35 من القانون العضوي 4/2000 المتعلق بحقوق وحريات الأجانب واندماجهم الاجتماعي على جملة من الضمانات الخاصة بهذه الفئة، من بينها توفير الرعاية الفورية للقاصر عند تحديد صفته، وإحالته إلى خدمات حماية القاصرين، مع تدخل النيابة العامة في إجراءات تحديد السن والحماية.

كما أن المادة 35 تجعل مسألة الإعادة مرتبطة بمبدأ لمّ شمل القاصر وبمصلحة الطفل الفضلى، ولا تجعل الجنسية المغربية أو رغبة الدولة الأصلية وحدهما سبباً كافياً لإعادة القاصر.

وهنا تظهر أهمية التفريق بين مفهومين كثيراً ما يختلطان في الخطاب السياسي: حق الدولة في استعادة مواطنيها، وحق القاصر في الحماية.

لا خلاف من حيث المبدأ على أن الدولة المغربية تملك مسؤولية تجاه مواطنيها وأطفالها، لكن هذه المسؤولية لا تعني أن الدولة الأخرى التي يوجد القاصر على أراضيها تستطيع أن تتخلى عن التزاماتها القانونية بمجرد أن تطلب دولة الأصل استعادته.

وبالمقابل، فإن وجود القاصر في إسبانيا لا يعني تلقائياً أن له حقاً مطلقاً في البقاء فيها إلى أجل غير مسمى. القانون الإسباني نفسه يفتح الباب أمام الإعادة، ولكنها إعادة مشروطة بإجراءات وضمانات وبثبوت أن مصلحة القاصر الفضلى تتحقق بها. وهذه هي النقطة المركزية التي ينبغي أن ينطلق منها النقاش.

ثانياً: ماذا تقول الإجراءات الإسبانية فعلياً؟

في اللائحة التنفيذية السابقة للقانون الإسباني، كان تنظيم إجراءات إعادة القاصر غير المصحوب وارداً، على وجه الخصوص، في المادتين 191 و192. وكانت المادة 192 تربط بدء إجراء الإعادة بتوافر معطيات تسمح بالقول إن المصلحة العليا للقاصر تتحقق من خلال إعادة لمّ شمله مع أسرته أو وضعه تحت رعاية خدمات حماية القاصرين في بلده الأصلي.

لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه اللائحة استُبدلت بلائحة جديدة بموجب المرسوم الملكي 1155/2024، وأصبحت الإجراءات المنظمة حالياً للقاصرين غير المصحوبين موزعة أساساً على المواد 167 إلى 171.
وتؤكد القواعد الجديدة أن إعادة القاصر ليست قراراً آلياً يصدر بمجرد تحديد جنسيته.

فالسلطة الحكومية المختصة تبدأ إجراءً إدارياً، وتُخطر القاصر والنيابة العامة والجهة التي تتولى حمايته، ويجب أن تكون هناك معلومات مرتبطة بوضعه في بلد الأصل، كما يجب أن يحدد القرار ما إذا كانت الإعادة ستتم عن طريق لمّ الشمل مع الأسرة أم من خلال وضع القاصر تحت رعاية خدمات حماية الطفل في بلده.

بل إن القرار نفسه يجب أن يبلّغ إلى القاصر أو ممثله، مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى المساعدة القضائية المجانية من أجل الطعن فيه.

وهذا يعني أن الصورة القانونية أكثر تعقيداً من المعادلة السياسية البسيطة: المغرب يريد استعادة أطفاله، وإسبانيا ترفض إعادتهم.

فالواقع القانوني يقول شيئاً أكثر تعقيداً: المغرب يمكنه المطالبة بإعادة القاصرين، وإسبانيا يمكنها تنفيذ الإعادة، لكن تنفيذها يجب أن يمر عبر آلية قانونية تراعي مصلحة كل قاصر وظروفه.


ثالثاً: هل يملك القاصر حق اتخاذ القرار؟

هنا أيضاً تحتاج المسألة إلى قدر من الدقة. القول إن «القاصرين ليس من حقهم اتخاذ القرار» صحيح فقط إذا كان المقصود أن القاصر لا يملك، بمجرد إرادته الشخصية، أن يحسم وحده مسألة إقامته الدولية أو عودته إلى بلده.
لكن العكس أيضاً صحيح: القاصر ليس شخصاً بلا صوت.

القواعد الإسبانية تعطي أهمية لسماع القاصر الذي يملك قدراً كافياً من الفهم والنضج، وتربط القرار بمصلحته الفضلى. وبالتالي فإن القاصر لا يملك بالضرورة «حق الفيتو» على قرار الإعادة، لكنه في المقابل ليس مجرد رقم في قائمة إدارية ، وهذا فارق جوهري. فالدولة لا تسأل فقط: هل هذا الطفل مغربي؟ بل يجب أن تسأل أيضاً: من أسرته؟ أين توجد؟ هل هي قادرة على رعايته؟ ما ظروفه؟ هل توجد جهة حماية مؤهلة لاستقباله؟ وهل ستكون عودته في مصلحته؟ إنها أسئلة قانونية، وليست أسئلة سياسية.

رابعاً: الدستور الإسباني لا يسمح بتحويل القاصر إلى مجرد ملف هجرة

يحمي الدستور الإسباني الحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية في المادة 15، كما تضمن المادة 24 الحق في الحماية القضائية الفعالة وعدم التعرض لحالة من انعدام الدفاع. كما أن المادة 10 تلزم بتفسير الحقوق الأساسية في ضوء الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها إسبانيا.

أما المادة 96 من الدستور، فتنص على أن المعاهدات الدولية المبرمة بصورة صحيحة، وبعد نشرها رسمياً في إسبانيا، تصبح جزءاً من النظام القانوني الداخلي.

لكن ينبغي الحذر من اختزال هذه النصوص في عبارة تقول إن «الاتفاقيات الدولية تعلو مطلقاً على كل الإجراءات الإدارية المحلية». الأدق قانونياً هو أن المعاهدات المنشورة جزء من النظام القانوني الإسباني، وأن الحقوق الدستورية تُفسر في ضوء التزامات إسبانيا الدولية. وهذا التفصيل مهم، لأنه يحول النقاش من خطاب سياسي عام إلى نقاش قانوني قابل للفحص.

خامساً: اتفاقية حقوق الطفل ومبدأ المصلحة الفضلى

المادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل تضع مبدأ «مصلحة الطفل الفضلى» في صدارة الاعتبارات في القرارات المتعلقة بالأطفال.

وهذا المبدأ لا يعني أن كل طفل أجنبي له حق تلقائي في اختيار الدولة التي يعيش فيها، كما لا يعني أن إسبانيا ملزمة باحتضان جميع القاصرين المغاربة إلى أجل غير محدد. لكنه يعني أن القرار المتعلق بالقاصر يجب ألا يكون مجرد نتيجة لاتفاق سياسي بين دولتين. فالطفل ليس «حزمة تفاوضية» في العلاقات المغربية الإسبانية.
وإذا كان لمّ شمله مع أسرته آمناً وممكناً ويحقق مصلحته، فإن الإعادة قد تكون هي الحل القانوني والإنساني الأفضل.

أما إذا كان هناك خطر حقيقي على القاصر، أو لم تكن هناك أسرة قادرة على استقباله، أو لم تكن خدمات حماية الطفل في بلد الأصل قادرة على توفير الحماية اللازمة، فإن مجرد القول إن «المغرب دولة وله الحق في حماية أطفاله» لا يكفي وحده لحسم المسألة.

سادساً: ماذا عن حظر الإبعاد الجماعي؟

المادة الرابعة من البروتوكول الرابع للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحظر الإبعاد الجماعي للأجانب.
لكن من الضروري أيضاً عدم تقديم هذا النص بصورة مبسطة أكثر من اللازم ، فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ربطت الطابع الجماعي للإبعاد، من بين أمور أخرى، بغياب فحص معقول وموضوعي للحالة الفردية لكل شخص، كما طورت المحكمة في قضية N.D. and N.T. v. Spain وغيرها معايير خاصة في سياق العبور غير النظامي للحدود البرية. لذلك، فإن إعادة مجموعة من القاصرين بقرار جماعي لا يراعي أوضاعهم الفردية قد تثير بالفعل إشكالات جدية بموجب القانون الأوروبي ، لكن القول إنها «جريمة قانونية» يحتاج إلى تصحيح؛ فالمسألة في الأصل تتعلق بمخالفة التزامات حقوق الإنسان والحماية القضائية، وليس بوصف جنائي تلقائي لكل عملية إعادة.

سابعاً: أين تبدأ مسؤولية المغرب؟

هنا يصل النقاش إلى الجانب الأكثر حساسية ، إذا كان الخطاب الرسمي المغربي يقول إن المغرب دولة، وإن الدولة المغربية هي صاحبة الحق في حماية أطفالها، فإن هذا الكلام يطرح سؤالاً مشروعاً: أين تبدأ هذه الحماية؟
هل تبدأ عند الحدود الإسبانية فقط؟ أم تبدأ في المدرسة المغربية؟ وفي الأسرة؟ وفي الأحياء الفقيرة؟ وفي مراكز حماية الطفولة؟ وفي معالجة ظاهرة الأطفال الذين يعيشون في الشوارع؟ وفي منع الطفل من الوصول أصلاً إلى مرحلة التفكير في عبور البحر أو اجتياز الحدود؟

هذه الأسئلة لا تعني تحميل المغرب وحده مسؤولية ظاهرة الهجرة غير النظامية، فالفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي وشبكات التهريب وجاذبية أوروبا وعوامل أسرية واجتماعية متعددة تتداخل في صناعة الظاهرة.
لكنها تعني أن الدفاع عن حق المغرب في حماية أطفاله يجب أن ينعكس أيضاً على سياساته الداخلية تجاه الأطفال الأكثر هشاشة.

ثامناً: الأرقام المتداولة حول الأطفال في وضعية هشاشة في المغرب

عند الحديث عن أعداد الأطفال الذين يعيشون في أوضاع هشة، من الضروري التأكيد منذ البداية أن الأرقام التالية تتعلق بالوضع داخل المغرب، ولا علاقة لها بعدد القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا أو بمدينة سبتة. كما أن هذه الأرقام صادرة عن مصادر وتصنيفات مختلفة، ولذلك لا يمكن جمعها أو مقارنتها باعتبارها مؤشرات تقيس الظاهرة نفسها.

1. التقديرات غير الرسمية المتعلقة بالأطفال في وضعية هشاشة داخل المغرب

تتداول جمعيات ومنظمات غير حكومية مغربية أرقاماً تتراوح بين 30,000 و50,000 طفل في سياقات مرتبطة بالأطفال في وضعيات هشاشة والتشرد والعيش في الشارع داخل المغرب. ويُعد هذا الرقم من أكثر التقديرات تداولاً لدى بعض الجمعيات المغربية العاملة في مجال حماية الطفولة.

لكن يجب التنبيه إلى أن هذه الأرقام غير رسمية، ولا تمثل بالضرورة تعداداً وطنياً موحداً للأطفال الذين يعيشون في الشارع، كما أن تعريف «الطفل في وضعية هشاشة» قد يختلف من منظمة إلى أخرى. وفي السياق نفسه، كشفت تقارير لمنظمة الهجرة الدولية (IOM) عن وجود أطفال شوارع وقاصرين غير مصحوبين داخل المغرب ينحدرون من 27 جنسية مختلفة، ولا سيما من دول جنوب الصحراء وبعض البلدان الآسيوية، ويعيشون في أوضاع اجتماعية وإنسانية هشة في الشارع.

وهذا المعطى مهم في سياق النقاش، لأنه يوضح أن ظاهرة الأطفال الذين يعيشون في أوضاع هشة ليست مرتبطة فقط بالقاصرين المغاربة، وإنما تشمل أيضاً أطفالاً أجانب موجودين داخل الأراضي المغربية.

2. الأرقام الرسمية المتوفرة داخل المغرب

أما المؤسسات الرسمية المغربية، فتستخدم تصنيفات ومعايير مختلفة، وهو ما يفسر التباين الكبير بين الأرقام المتداولة. فخلال حملات الإيواء الموسمية في شتاء 2024-2025، أعلنت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المغربية أن عمليات رعاية الأشخاص في وضعية تشرد أحصت 13,150 شخصاً في وضعية تشرد كاملة في شوارع المملكة.

وكان الأطفال القاصرون يمثلون نسبة من هذه الفئة التي تم ضبطها وإيواؤها داخل مراكز الرعاية الرسمية خلال موجات البرد. كما وثقت الوزارة في إحصاءات سابقة وجود حوالي 250 طفلاً يعيشون بشكل دائم ومكشوف تماماً في الشارع، تم التكفل ببعضهم من خلال مؤسسات وبرامج الرعاية.

أما رقم 400,000 طفل المتداول في بعض المعطيات، فيرتبط بفئات أوسع من مجرد أطفال الشوارع، إذ يمكن أن يشمل الأطفال المتخلى عنهم، والأطفال الذين لا تتوفر لديهم هوية أبوية واضحة، والأطفال المسجلين في دور الرعاية الاجتماعية والمراكز الخيرية، إضافة إلى فئات أخرى تعتبر في وضعيات اجتماعية قد تجعلها عرضة للتشرد.

ومن هنا ينبغي عدم تقديم رقم 400,000 على أنه يعني وجود أربعمائة ألف طفل مغربي يعيشون في الشوارع؛ فهذا استنتاج غير دقيق، لأن الفئات التي يشملها الرقم أوسع من مفهوم «أطفال الشوارع».

3. لماذا يهم هذا التفريق في قضية القاصرين المغاربة في سبتة؟

تكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تعيد النقاش إلى أصل المشكلة: حماية الطفل لا تبدأ عندما يصل إلى الأراضي الإسبانية، وإنما تبدأ داخل بلده الأصلي. فإذا كانت الدولة المغربية تؤكد أن القاصرين المغاربة الذين يصلون إلى سبتة هم أطفال مغاربة، وأن المغرب هو الدولة التي تتحمل مسؤولية حمايتهم، فمن المشروع طرح سؤال موازٍ: ما حجم الحماية والرعاية التي يحصل عليها الأطفال المغاربة الذين يعيشون أصلاً في أوضاع هشة داخل المغرب؟

هذا السؤال لا يعني أن وجود أطفال في وضعية هشاشة داخل المغرب يبرر إعادة أي قاصر من إسبانيا بصورة آلية، ولا يعني أن وجود مشكلة اجتماعية داخل المغرب يسقط الالتزامات القانونية عن إسبانيا. لكنه يطرح تناقضاً يستحق النقاش: إذا كانت حماية الطفل مبدأً ثابتاً، فلماذا لا يكون الطفل المغربي داخل المغرب بالقدر نفسه من الاهتمام السياسي والإعلامي الذي يحظى به عندما يصبح موضوعاً في نزاع بين دولتين؟

وفي النهاية، يجب الفصل بين ملفين مختلفين: مسؤولية إسبانيا القانونية عن القاصر الموجود على أراضيها، ومسؤولية المغرب الاجتماعية والقانونية عن حماية أطفاله داخل أراضيه. فالقول بمسؤولية إحداهما لا يلغي مسؤولية الأخرى.

تاسعاً: هل أصبح الطفل ورقة سياسية؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية. هل تستخدم الدولة المغربية القاصرين كوسيلة ضغط على إسبانيا؟
لا يمكن الجزم بذلك من مجرد التصريحات السياسية أو من وجود خلاف دبلوماسي، لأن إثبات استخدام القاصرين كأداة سياسية يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود سياسة أو توجيه رسمي بهذا المعنى ، لكن يمكن القول إن الهجرة أصبحت بالفعل إحدى أوراق العلاقات المغربية الإسبانية، وأن قضية القاصرين تقع داخل هذا السياق السياسي الأوسع.

والخطير هنا هو أن الطفل قد يتحول، من حيث النتيجة، إلى أداة في صراع أكبر منه: المغرب يقول: هؤلاء أطفالنا. وإسبانيا تقول: هؤلاء قاصرون يوجدون على أراضينا وتحمينا قوانيننا والتزاماتنا الدولية. والطفل نفسه يبقى في المنتصف ، وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي: ما الذي يخدم مصلحة الطفل، وليس ما الذي يخدم مصلحة الدولة؟

عاشراً: إسبانيا ليست فوق القانون، والمغرب ليس فوق المسؤولية

ليس من الموضوعية القول إن كل ما تقوم به إسبانيا في ملف القاصرين صحيح لمجرد أن لديها قوانين متقدمة لحماية الطفل ، فالدولة الإسبانية ملزمة باحترام قانونها الداخلي، ودستورها، والتزاماتها الأوروبية والدولية. وأي إعادة لا تحترم الإجراءات والضمانات أو لا تراعي مصلحة القاصر يمكن أن تكون موضع طعن ومراجعة قضائية، لكن في المقابل، ليس من الموضوعية أيضاً تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية وضع نشأ في جزء منه داخل المغرب.

إذا كان القاصر مغربياً، فإن الدولة المغربية تتحمل مسؤولية جوهرية في توفير بيئة تمنع وصوله إلى وضعية التشرد أو الهجرة غير النظامية وإذا كان من الممكن لمّ شمله مع أسرته في المغرب في ظروف آمنة، فإن رفض الإعادة لمجرد الرفض لن يكون بالضرورة في مصلحة الطفل. وهكذا لا يكون السؤال: هل المغرب على حق أم إسبانيا على خطأ؟ بل: هل اتخذت كل دولة القرار الذي يخدم مصلحة هذا الطفل تحديداً؟

الحادي عشر: بين سيادة الدولة وحقوق الطفل

الدول تملك حدوداً. والدول تملك قوانين للهجرة. والدول تملك حق تنظيم الدخول والإقامة والإعادة. لكن القاصر ليس مجرد مهاجر بالغ مصغر. والمصلحة الفضلى للطفل تفرض على الدولة التي يوجد على أراضيها أن تنظر إلى وضعه من زاوية الحماية، لا من زاوية مراقبة الحدود فقط ، وفي الوقت نفسه، لا تعني حماية الطفل إلغاء سيادة الدولة أو تحويل الحدود إلى مجرد خطوط بلا معنى.

التوازن المطلوب هو أن تقوم الدولة الإسبانية بإجراءات فردية وقانونية، وأن تقوم الدولة المغربية في المقابل بمسؤولياتها في حماية أطفالها داخل أراضيها، وأن يتم التعاون بين الدولتين على أساس مصلحة الطفل لا على أساس المساومة السياسية.

الثاني عشر: الطفل ليس ملفاً دبلوماسياً

المشكلة الحقيقية في هذا الجدل أن الطفل مهدد بأن يتحول إلى «رقم» في الإحصاءات، أو «ورقة» في المفاوضات، أو «موضوع» في التصريحات الإعلامية ، لكن الطفل ليس رقماً وليس ورقة ضغط وليس ملكاً للدولة بالمعنى الذي يسمح لها باتخاذ القرار بشأنه دون مراعاة حقوقه ومصلحته. كما أنه ليس ملكاً للدولة التي يوجد على أراضيها ، إنه إنسان قاصر، وتأتي حمايته قبل الحسابات السياسية.

ولهذا، فإن تصريح المسؤول المغربي بأن المغرب دولة ولها الحق في حماية أطفالها يجب ألا ينتهي عند المطالبة بإعادتهم من إسبانيا. بل ينبغي أن يقود إلى سؤال أكبر: ماذا تفعل الدولة المغربية لحماية هؤلاء الأطفال قبل أن يصلوا إلى سبتة؟

وفي الجهة المقابلة، فإن مسؤولية إسبانيا لا تنتهي بالقول إن القانون يمنع الإعادة الفورية. بل عليها أن تضمن أن كل قرار بشأن كل قاصر يستند إلى فحص فردي، وإلى مصلحة الطفل الفضلى، وإلى الضمانات القانونية والقضائية التي يفرضها نظامها القانوني والتزاماتها الدولية.

أما السؤال الذي يبدو في ظاهره بسيطاً: «فهل دولة إسبانيا هي التي لا تحترم حقوق الطفل أم دولة المغرب؟»، فربما تكون الإجابة الأكثر دقة هي أن طرحه بهذه الثنائية وحدها يختزل المشكلة. فحقوق الطفل لا تقاس بعدد التصريحات التي تصدر للدفاع عنه، وإنما بمدى قدرة الدولة على حمايته قبل الهجرة، وحمايته أثناء وجوده في الخارج، وضمان عودته الآمنة إذا كانت العودة في مصلحته، وضمان بقائه إذا كانت العودة تعرضه للخطر.
وعندما يصبح هذا هو المعيار، لن يكون مهماً أي دولة ربحت المعركة الإعلامية أو الدبلوماسية ، المهم أن يكون الطفل هو الطرف الذي لم يخسر.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة... عندما تبدأ الأسئلة وتن ...
- المغرب : بعد خطاب عيد العرش ... أي استقرار نتحدث عنه؟
- المغرب : خطاب العرش... إنجازات على الورق وواقع يطرح الأسئلة
- على هامشِ الذِّكرياتِ
- عيد العرش في المغرب... بين طقوس الولاء وأسئلة الشرعية والعدا ...
- أزمة الحكم في المغرب: سلطة بلا محاسبة وأحزاب بلا سياسة
- الصحفي المغربي علي المرابط.. اعتقال عبثي وإفراج تحت الضغط؟
- علي المرابط… الصحافي المغربي الذي رفض الترويض فعاد إلى قبضة ...
- المغرب بين نشوة الانتصارات ومرارة الأزمات
- الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع ...
- بين انتخابات المغرب ورئاسة الجزائر... هل أصبحت كرة القدم ستا ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون جماهيري… وسياسة تُدير ظهرها لمطالب ...
- المخزن في المغرب: الدولة التي تحكم ولا تُحاسَب
- المغرب بين مطرقة الفقر وسندان الاستبداد
- السابع عالميًا في كرة القدم... وال120 في التنمية: من يبتلع ث ...
- التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة ...
- مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات
- المغرب بين الثروة المهدورة والسلطة المطلقة… أسئلة شعب مؤجلة
- حين يُختزل المغرب في 12 قرنًا: قراءة في التاريخ المنسي والشر ...
- بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها ...


المزيد.....




- وزارة العدل السورية ترد على انتقادات العفو الدولية بخصوص أحك ...
- الأمم المتحدة: ارتفاع حاد في أعداد وفيات المهاجرين من إفريقي ...
- البرلمان اللبناني يقرّ قانون العفو العام للمرة الأولى منذ إق ...
- ماليزيا: تصاعد خطاب الكراهية يهدد اللاجئين الروهينغا
- لانتراتوفا: روسيا عرضت على كييف 3 قوائم لتبادل الأسرى وأوكرا ...
- جونسون يقر بوجود مشكلات تتعلق بحرية التعبير في بريطانيا
- دمشق ترد على -العفو الدولية-: أحكام الإعدام بحق الأسد ورموزه ...
- سوريا تقدم رسالة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ترفض فيها اعتراف ...
- انقطاع واسع للكهرباء والأمم المتحدة تدعو لمحاسبة المسئولين ع ...
- اعتقال صحفي فلسطيني يرفع الحصيلة في سجون إسرائيل إلى 40


المزيد.....

- نحو استراتيجية للاستثمار في حقل تعليم الطفولة المبكرة / اسراء حميد عبد الشهيد
- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - فريد بوكاس - القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال المغاربة الذين يصلون إلى سبتة؟