أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟














المزيد.....

ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 18:58
المحور: الادب والفن
    


هذه الطبيعة ليست بسيطة كما نظن، بل هي متاهة شديدة التعقيد؛ كلما ظن العلماء أنهم فككوا لغزًا من ألغازها، ظهر لهم ما هو أعمق وأشد استعصاءً على الفهم. وبدون سابق إنذار، تبقى هناك مناطق غامضة تقف عند حدود المعرفة، وكأن الإنسان مهما تقدم، سيظل عاجزًا عن فتح بعض الأبواب.

لسنا هنا في مقام الخوض في كنه الروح أو تفكيك أسرارها المطلقة؛ فتلك مساحة تتداخل فيها الفلسفة بالعقيدة، ويقف أمامها النص المقدس بوقاره وهيبته.

لكنني أقف هنا أمام تجارب شخصية عشتها وعايشتها بنفسي، تجارب جعلتني أتساءل طويلًا عن الإنسان: هل يمكن أن يتغير المرء إلى درجة يصبح معها شخصًا آخر، مع احتفاظه بالجسد نفسه والملامح نفسها؟

دعوني أحكي لكم عن أرام.

أرام… حين تشرق الريشة من عتمة الصدمة

كان أرام شابًا أرمنيًا بسيطًا، التقيته في بداية هجرتي إلى أرمينيا، حين كنت أقيم مع عائلته لأتعلم لغتهم. كان والده محاميًا، ووالدته معلمة. تشاركنا تفاصيل الأيام، وكنا نتسامر طويلًا، نتنقل بعفوية بين الأرمنية والروسية والإنجليزية.

وذات يوم، أخذني أرام إلى عالمه الخاص.

غرفة يعيش فيها وحده، تتقاسم جدرانها المساحات الصامتة مع عشرات اللوحات.

نظرت إليه وسألته:

هل أنت رسام؟

أجابني: نعم.

ثم جاءت المفاجأة:

لم يتعلم الرسم يومًا.

كان ذلك ما أخبرني به أرام، وما أكده لي والداه وأشخاص آخرون عرفوا قصته.

قالوا إنه سافر إلى فرنسا للعمل، وهناك تعرض لحادثة غامضة لم يكن يحب الحديث عنها. وبعدها، حدث شيء لم يجدوا له تفسيرًا واضحًا.

نام أرام، ثم استيقظ.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ يرسم.

بحسب روايته، لم يكن قد أمسك ريشة من قبل، ولم يدرس الفن، ولم يتدرب على الرسم. ومع ذلك، اشترى فرشاته وألوانه، وبدأ يرسم بطريقة بدت لي، وأنا أقف أمام لوحاته، بعيدة كل البعد عن محاولات شخص يخطو خطواته الأولى.

لم تكن المسألة بالنسبة إليّ مجرد لوحات جميلة.

كان السؤال أكبر من ذلك:

من أين جاءت هذه القدرة؟

هل كان شيء ما موجودًا في داخله ولم يجد طريقه إلى الخارج إلا بعد الصدمة؟

هل يستطيع الدماغ، تحت ظروف استثنائية، أن يفتح أبوابًا كانت مغلقة طوال سنوات؟

أم أن الإنسان يحمل في داخله طبقات لا يعرف عنها شيئًا، ثم تأتي لحظة قاسية فتزيح الستار عنها؟

لا أعرف.

ولا أملك إجابة.

وكل ما أملكه هو تلك القصة التي رأيتها وسمعتها بنفسي.

الموت والولادة في جسد واحد

منذ ذلك الوقت، بدأت أنظر إلى البشر بطريقة مختلفة.

كم مرة يموت الإنسان، وهو لا يزال يمشي بيننا؟

كم واحد منا كان شخصًا، ثم أصبح شخصًا آخر بعد حادثة، أو صدمة، أو خسارة، أو حب، أو خيانة، أو نجاح، أو سقوط؟

كم شخصًا تغير إلى الأفضل؟

وكم شخصًا تغيّر إلى الأسوأ؟

ربما لا يموت الإنسان دائمًا بجسده.

ربما تموت منه نسخة كاملة، وتولد نسخة أخرى مكانها.

الطبيب الذي كان بارعًا ثم انهار.

الابن الذي كان بارًا ثم انقلب عاقًا.

الفقير الذي امتلك المال فتغيرت ملامحه من الداخل.

والجاهل الذي مرّ بتجربة جعلته ينطق بحكمة لم تكن فيه من قبل.

نحن نسمي ذلك «تغيرًا».

لكن أحيانًا يبدو الأمر أكبر من مجرد تغير.

كأن شخصًا قديمًا غادر بصمت، وترك مكانه شخصًا جديدًا يسكن الجسد نفسه.

ولهذا، حين يتغير عليك صديق قديم، أو قريب، أو أخ، لا تسارع دائمًا إلى لعن النسخة الجديدة منه.

ربما لا تعرف المعركة التي خاضها.

وربما الشخص الذي كنت تعرفه لم يعد موجودًا أصلًا.

وربما هو نفسه لا يعرف متى غادره ذلك الإنسان القديم.

أما أنا…

فكلما نظرت إلى الوراء، أدركت أنني أنا الآخر لم أبقَ الشخص نفسه.

أشعر أنني متُّ أكثر من مرة في هذه الحياة.

وفي كل مرة، بقي الجسد نفسه…

لكن شخصًا آخر كان يستيقظ في داخلي.

ومع ذلك…

لا أزال هنا.

أكتب لكم.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد
- فنزويلا، الردع النووي، وانهيار وهم القيادة العالمية
- حين تتحول القرى إلى أحياء سكنية والاقتصاد إلى “واجهة بلا آلة ...
- كندا ضد أمريكا: من يبتلع من؟
- لم أرَ طفلًا قتلته يقطينة
- مارك كارني… الرجل الذي قد يُسقط إمبراطورية الدولار
- مصر… المدرسة التي لا تغلق أبوابها


المزيد.....




- عمرو دياب يدخل موسوعة غينيس من جديد
- لماذا تُعرف قلعة شليسلبورغ باسم -باستيل روسيا-؟
- -داركوينغ داك- يعود إلى الشاشات بعد أكثر من 30 عاما
- من هو الفنان السوري الذي ظهر للمرة الأولى في أسبوع الموضة بم ...
- -دبلة- شيرين عبد الوهاب تثير الجدل (فيديو)
- عبد الله إبراهيم.. السردية العربية جديرة بالاستنطاق.. و-المط ...
- جراحة فتق تحولت إلى كابوس.. القتل الرحيم ينهي معاناة الفنان ...
- سفارة دولة فلسطين تستضيف الثقافة البوسنية وتفتح أبوابها للمج ...
- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم ضمره - ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟