أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أصالة الأمس إلى مكابرة اليوم .















المزيد.....

مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أصالة الأمس إلى مكابرة اليوم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


بمجرد أن نسمع كلمة (( لحن )) يتبادر إلى الأذهان الموسيقا والنغم , ولكننا نسمع أحدهم يقول : (( فلانٌ يلحنُ في كلامه )) , وربما نقرأ عن (( اللحن )) في كلام أحد رجال اللغة أو الأعراب , ومثل هذا كثير في المعاجم وكتب اللغة عامة , فما معنى هذا الكلام ؟ وماذا تقول فيه المعاجم اللغوية ؟ وهل ثمة علاقة بين لحن القول ولحن الموسيقا ؟ (( اللحنُ )) في المعاجم هو إمالة الكلام عن جهته الصحيحة في العربية , أو بكلمات ابن الأثير: (( هو الميل عن جهة الاستقامة )) , ويقال : رجل لاحنٌ ولحّان ولحّانة ولُحَنَة أي رجل يخطئ , أو كثير اللحن , والتلحين : التخطئة , وألحنَ في كلامه أي أخطأ , ومن هنا نفهم معنى الخطأ في (( اللحن )) , ولا بد أن نشير إلى أن المعاجم تذكر أن (( اللحن )) أمرٌ محدَث , ولم يكن في العرب العاربة , وكان هؤلاء قد تكلموا بطباعهم السليمة.

أما (( اللحن )) الموسيقي , فهو من الأصوات المصوغة الموضوعة , وجمعه ألحانٌ ولحون , ولحّنَ في قراءته إذا غرّد وطرّب فيها بألحان , وإذا قلنا (( هو ألحنُ الناس )) عنينا أنه أحسنهم قراءة أو غناء , إذًا , اللحن هو: الخطأ , والصوت المطرب أو الغناء وترجيع الصوت والتطريب , وفي الحالتين يتبين أن العلاقة اللغوية هي الميل عن الصواب أو الوضع المتعارَف عليه , فالأصل في الكلام نطقه وكتابته بطريقة سليمة , والأصل فيه كذلك قوله دون إنشاد.

مكانة الفصاحة ونشأة اللحن : لا يختلف اثنان من أصحاب العقول السوية في أن اللغة العربية كانت في العصر الجاهلي قد بلغت أعلى قمتها , وأوج قوتها , فكانوا أهل الفصاحة والبيان , يتأثرون بالبيت من الشعر الوجيز أكثر من تأثرهم بموت الحبيب العزيز , وكان الشاعر مقدمًا على كل أديب , ومعظمًا قبل كل خطيب , وكانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر جدّوا وعَظُموا , إلا أن الشاعر مهما بلغ من المكانة العالية فإنه يظل في أسفل سافلين حتى تشهد له قريش وما جاورها من القبائل بنبوغه , فحينها يُعدّ من فحول الشعراء , ولذلك أقاموا أسواقًا لعرض أشعارالشعراء على الفحول , كسوق عكاظ وهو أشهرها , وذو المجاز , ومجنّة.

وبقدر ما كانت العرب تمجد البليغ الفصيح , كانت تستعظم اللحن وتعده أقبح القبيح , ولم يكن اللحن معروفاً في عصر العرب الأولين (( الجاهلية وصدر الإسلام )) إذ كانوا ينطقون على سجيتهم السليمة , ولكنه ظهر وفشا بعد اختلاط العرب بالأعاجم والدخول في الإسلام أفواجاً , ثم حدث التخفيف في العصر المتأخر , مع مرور الزمن وتغير الألسنة , فاضطر بعض العلماء والناس إلى التساهل وغفران اللحن في مخاطبات الكلام الدارج بين العامة , مع التشديد المطلق على وجوب حفظ الإعراب والسلامة اللغوية في القرآن , والأحاديث النبوية , والكتابات الرسمية.

نظر العرب الأقدمين إلى اللحن ((الخطأ في الإعراب أو اللغة )) بنفور شديد , فعدّوه عيباً اجتماعياً قبيحاً ونقصاً في مروءة الإنسان وشرفه , بل ووصل الأمر ببعضهم إلى اعتباره ذنباً يُستغفر منه , وكان اللحن يسقط من قيمة الرجل الشريف ومكانته في أعين الآخرين , حتى قيل إن اللحن في الكلام أقبح من العيب الظاهر في الجسم , وكان السلف والعلماء شديدي الحرص على سلامة ألسنة أولادهم , لدرجة أن بعض الصحابة كعبد الله بن عمر كان يضرب أولاده على اللحن والخطأ في الإعراب , وكان القدماء يجتنبون الخطأ اللغوي في كتبهم ورسائلهم كما يجتنبون بعض الذنوب.

شواهد وأقوال من التراث في استعظام اللحن : في (( الخصائص )) لابن جني : زعموا أن رجلاً لحن أمام النبي , فقال : ((أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل )) , وذكر ابن الأنباري في (( الأضداد )) عن أبي بكر أنه كان يقول : (( لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن )) , وعن عمر أنه مرّ على قوم يسيئون الرمي فقرّعهم , فقالوا : إنّا قوم متعلّمين , فأعرض مغضباً وقال : لخطأكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم , إني سمعت رسول الله يقول : (( رحم الله امرأً أصلح من لسانه )) , وقال ابن شُبْرُمة : إذا سرك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيراً , ويصغر في عينك من كان في عينك عظيماً فتعلم العربية , فإنها تجريك على المنطق وتدنيك من السلطان , وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها , وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن , ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيُعرب , فأجيبه إليها التذاذاً لما أسمع من كلامه , وذكر عنه أنه قال : أكاد أضرس إذا سمعت اللحن .

وفي شواهد أخرى : قال مسلمة بن عبد الملك : اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه , وقول عبد الملك : اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس , وكانوا يقولون : ليس للاحنٍ حرمة , وقد سمع أعرابي إماماً يقرأ : وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا - بفتح تاء تنكحوا - فقال: سبحان الله , هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده , فقيل له : إنه لحَنَ , والقراءة: وَلَا تُنْكِحُوا , فقال : قبّحه الله , لا تجعلوه بعدها إماماً فإنه يُحلّ ما حرّم الله , وكان أخوف شيء على أمراء بني أمية هو الوقوع في اللحن , حتى قيل لعبد الملك : لقد أسرع إليك الشيب؟ فقال: شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن.

نشر احدهم مواقف طريفة من واقعنا المعاصرعن عزة الآثمين : ورد في أسئلة زميل لي في اللغة العربية حديث العهد بالتدريس قوله : (( أجب عن اثنان )) , فلما صوّبتُ له وهو الجدير بالفصاحة والصواب أبرق وأرعد وصال تيهاً وعربد , وكان لي جار مهندس بناء يكرر دائماً كلمة (( أنقاذ )) ويقصد بها (( الأنقاض )) , فلما نبهته هاج وماج وأثار النقع والعجاج , ونشر أحدهم يقول : (( أنا على اليمين )) , فلما استفهمت منه : يمينه أم يمين الصورة ؟ أسرع إلى حظري مباشرة , وكنت أحكي هذه الابتلاءات لصاحب مكتب الحاسوب وأنا أجلس عنده لتنضيد ملزمتي الأخيرة وأشكو له فجاجة وعنجهية الناس في رفض التصويب والتقويم والإصلاح , وهو أثمن ما يهديه المرء لأخيه وقد قيل : رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي , وسألتُ صاحبي وهو منشغل عني بالضرب على آلته : أليست عقول بعض الناس اليوم محتاجة إلى (( ثرمتة ))؟ ضحك مني الرجل وقال : فرمتة يا أستاذ فرمتة لا ثرمتة , فلم أجدني إلا أن أقف غاضباً وأقول له : أرجوك , ما أسمح لك , احترم نفسك .

وهكذا يتبين لنا كيف تنقلت كلمة (( اللحن )) بين شجو الموسيقا الذي يُطرب الآذان , وجناية اللسان التي تُمجّها الطباع , إذ كانت العرب تعُدّ الخطأ اللغوي وصمة عار وكسراً للمروءة , وتستعظمه أكثر من عيوب الأبدان , حتى شيبت مخافته رؤوس الخلفاء على المنابر , وما أبعد الشؤو اليوم بين حرص الأوائل على سلامة ألسنتهم وصبرهم على التقويم , وبين نكوص معاصرينا ومكابرتهم حين يطال الإصلاح خطأهم , ليغدو اللحن في زماننا ليس مجرد انحرافٍ عن الاستقامة اللغوية فحسب , بل مرآةً لعزةٍ بالإثم ترفض النصيحة , حتى وإن جاءت ممن يُفترض فيهم حماية حياض العربية وصونها .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...


المزيد.....




- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-
- فقيه في زمن الجباية.. حين تحدى التاج السبكي سلطة المماليك ود ...
- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...
- مهرجان -أورالتيرا جاز- يجمع موسيقيي الجاز من موسكو ويكاترينب ...
- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...
- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أصالة الأمس إلى مكابرة اليوم .