أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .














المزيد.....

مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:28
المحور: الادب والفن
    


هناك حكاية من الأدب الروسي الساخر تقول : (( سألوا رجلاً روسيّاً عجوزاً لماذا اعتقلتك الحكومة ثلاث مرات ؟ فقال العجوز : كنت شاباً حين انضممتُ إلى الحزب وكنتُ أرافِق مفوض الحزب وهو يشرح تاريخ الحزب ومبادئه وعند مرورنا أمام الكرملين قال لي إن سور الكرملين عالٍ , فسألته : لماذا هو عالٍ ؟ قال لي : كي لا يقفز الحمير من فوقه , قلت له : من الخارج للداخل أم من الداخل للخارج ؟ فأعتقلوني ولم يفرجوا عني حتى مات ستالين , وحين أفرجوا عني فَرِحتُ ووضعتُ صورة خروتشوف بجانب صورة ستالين فجاءني مفوض الحزب وسألني هل لازلتَ تضع صورة هذا الحمار ؟ فسألته : أي منهما ؟ فأعادوني إلى السجن ولم يفرجوا عني حتى مات خروتشوف , وفي المرة الأخيرة كنتُ أحتفل بعيد ميلاد أحد أحفادي , فأتصل بي مفوض الحزب وقال لي لماذا لم تأتِ إلى اجتماع الحزب الأخير؟ قلت له : لو علمتُ أنه الأخير لكنت جئت مع كل عائلتي واحتفلنا فاعتقلوني للمرة الثالثة )) .

تُعدّ هذه الحكاية نموذجاً فريداً لما يُعرف في التاريخ بـ (( النكتة السياسية الروسية )) أو أدب السخرية السوداء , وهو نوع من الأدب الشفهي الذي نشأ في ظل الأنظمة الشمولية والصارمة معبرا عن فلسفة السخرية في وجه الاستبداد , المبنية على براءة السؤال وشجاعة الإيحاء , حيث يعتمد البطل في القصة على تكتيك (( الغفلة الذكية )) أو التغابي , فهو لا يوجه تهمة مباشرة للسلطة , بل يطرح أسئلة منطقية وبسيطة , لكنها تحمل في جوهرها تفكيكاً لهيبة النظام , إن سؤال (( من الداخل أم من الخارج؟ )) يقلب المعنى تماماً , ويجعل من الكرملين سجناً للسلطة نفسها لا حصناً حامياً لها.

تعكس حادثة التفتيش وصور القادة (( ستالين وخروتشوف )) حالة التخبط والتحولات السريعة في الخطاب السياسي للأنظمة الديكتاتورية , حيث يتحول (( الرمز المقدّس )) بالأمس إلى (( خائن أو حمار )) اليوم بمجرد تغير القيادة , والسؤال البسيط (( أي منهما؟ )) يكشف نفاق التبعية الحزبية ويكسر قدسية الحاكم , وفي الموقف الثالث هناك تلاعب بالمعاني (( التورية )) , يلعب العجوز على التناقض اللغوي لكلمة (( الأخير )) فبينما يقصد المفوض الاجتماع (( السابق/أحدث اجتماع )) , يتناولها المواطن بمعناها المجرد أي (( نهاية وانقضاء الحزب )) , مما يعكس رغبة شعبية كبتها الخوف وشهدت عليها السخرية.

لو تسائلنا عن الخلاصة والدروس المستفادة من هذه الحكاية , لوجدنا انها تبدأ بالسخرية كدرع نفسي , في أوقات القمع الشديد , تُصبح الكلمة الساخرة هي المتنفس الوحيد للشعوب للحفاظ على عقلانيتها وكرامتها الإنسانية , ثم انها تعبرعن وهن السلطة أمام البساطة, حين تظهر النكتة السياسية أن أقوى الأنظمة الشمولية قد تهتز أمام سؤال بسيط أو دعابة عابرة , لأن الاستبداد يتغذى على الخوف والجدية المفرطة , والمأساة في القصة ليست في حبس العجوز ثلاث مرات , بل في أن الحقيقة كانت أسرع في الوصول إلى ذهن المواطن البسيط مقارنة بمن يُديرون المشهد السياسي.

كما ان هذه الحكاية الروسية المشبعة بالسواد والفكاهة تتضمن أبعاداً فلسفية واجتماعية أعمق يمكن استخلاصها بتلك الدروس الإضافية من عمق الحكاية الساخرة , اولها زيف التملق وديناميكية (( المخبر الحزبي )) , فالملاحظ في الحكاية أن السقوط لم يكن بسبب عدو خارجي , بل على يد (( مفوض الحزب )) نفسه , الشخص الذي يُفترض أنه الموجه والراعي , ليعكس هذا كيف تحول المجتمع في ظل الاستبداد إلى بيئة من التوجس , حيث يصبح التعبير العادي محفوفاً بالمخاطر , ويغدو المتملق هو الحكم الحاسم في مصائر الناس بناءً على تأويلاته الشخصية.

الأمر الثاني هو مفارقة (( موت الحاكم )) كرزنامة للحرية , العجوز لا يخرج من السجن بعفو قضائي أو بانقضاء عقوبة قانونية , بل (( بموت الحاكم )) ستالين , ثم خروتشوف , هنا درس بالغ القسوة في الأنظمة الشمولية , يتوقف القانون وتغيب المؤسسات , وتصبح حياة الأفراد وحرياتهم مرهونة بالمدى الزمني لحياة الشخص المهيمن , وكأن التاريخ لا يتحرك إلا بقبور الطغاة.

اما ثالثا , فهي سيكولوجية (( التغابي )) كأداة للمقاومة , عندما استخدم الشاب (( ثم العجوز )) أسلوب المحافظة على البراءة الظاهرية , فهو لم يعترض ولم يرفع شعاراً سياسياً , بل اكتفى بـ (( الاستفسار المنطقي )) , هذا الأسلوب يكشف أن الحقيقة حادة لدرجة أن مجرد طرح السؤال العادي يُعد جريمة في نظر السلطة التي تقتضيك أن تلغي عقلك بالكامل لا أن تفكر ولو لبشرية بسيطة.

ثم نأتي الى رابعا , تحول الخوف إلى لا أبالية (( الكوميديا السوداء )) , ففي المرة الثالثة كان الرجل احتفل بعيد ميلاد حفيده ولم يعد يبالي , بل مازح المفوض بتلقائية عن (( الاجتماع الأخير )) , هذا يوضح مرحلة يتجاوز فيها الإنسان حاجز الخوف بعد كثرة الصدمات والقمع , فيتحول الخوف إلى (( سخرية لا أبالية )) , وتصبح اللامبالاة هي الفتح الأخير للروح في وجه القهر.

ختاما , إن القوة الحقيقية لهذه الحكاية ليست فقط في انتزاع الضحكة , بل في كونها شهادة تاريخية على قدرة العقل البشري على تعرية الزيف بأبسط الكلمات , حتى لو كان الثمن سنوات تُقتطع من العمر خلف الأسوار.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.


المزيد.....




- الخارجية الروسية: الرواية الألمانية لتفجير -السيل الشمالي- ت ...
- ترامب ينقذ طفلا من السقوط على المسرح ويحول الموقف إلى نكتة ع ...
- خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية
- كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض ...
- فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا ...
- كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في ...
- إطلاق حراك فني فلسفي عالمي من بغداد (مدرسة الأنطولوجيا الحيو ...
- مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
- تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
- -ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .