أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.














المزيد.....

اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 22:06
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك لحظات يعجز فيها العقل عن تفسير ما يحدث، وتعجز اللغة عن حمل ثقل الألم، ويقف القلم حائرًا بين أن يكتب أو أن ينكسر. ليست كل المآسي قابلة للوصف، فبعضها يخرج من حدود الكلمات، ويصبح أكبر من الأبجدية، وأعمق من الدموع، وأثقل من قدرة الإنسان على الاحتمال. ومن بين تلك المآسي، أن يُثار الحديث عن تعرض سجينة لاعتداء جنسي على يد من أوكل إليه القانون حراسة الإنسان قبل حراسة الجدران، إذا ثبت ذلك وفق القضاء. عندها لا يكون السؤال عن امرأة واحدة، بل عن ضمير مجتمع، وعن معنى الدولة، وعن القيمة الحقيقية للعدالة.ما أقسى أن تصبح الزنزانة التي يفترض أن تكون مكانًا لتنفيذ حكم القانون، مكانًا يخاف فيه الإنسان ممن يحمل شارة القانون. وما أشد مرارة أن يتحول المفتاح الذي يفتح باب الزنزانة إلى رمز للرعب، وأن تتحول السلطة التي يفترض أنها درع للضعفاء إلى سكين يجرح آخر ما تبقى في الإنسان من كرامة.إن السجن لم يُبنَ ليكسر الإنسان، بل ليطبق حكمًا قضائيًا وفق القانون. أما الكرامة، فهي ليست جزءًا من العقوبة، وليست بندًا يمكن مصادرته. فالإنسان، مهما أخطأ، يبقى إنسانًا، وجسده ليس عقوبة إضافية، وروحه ليست ساحة ينتقم فيها أحد من سلطته أو نزواته. ولهذا فإن أي انتهاك لكرامة السجين، إن ثبت وقوعه، لا يمثل سقوط فرد واحد، بل يمثل انهيارًا أخلاقيًا للمؤسسة التي كان يفترض أن تحميه.إن أكثر ما يؤلم في مثل هذه القضايا ليس حجم الألم الجسدي وحده، بل الإحساس القاتل بأن العالم كله قد أغلق أبوابه. فالضحية لا تخاف من الجدران، بل من اليقين بأن صوتها قد لا يصل، وأن استغاثتها قد تضيع بين الأوامر والرتب، وأن دمعتها قد تُدفن في ملف لا يفتحه أحد. تلك ليست مأساة امرأة فقط، بل مأساة العدالة عندما تفقد أذنيها، ومأساة الإنسانية عندما تعجز عن رؤية الجرح.لقد قال الفلاسفة إن الحضارات لا تُقاس بارتفاع أبراجها، ولا بعدد قوانينها، بل بالطريقة التي تعامل بها أضعف إنسان فيها. فإذا كان الضعيف لا يجد من يحميه، فما قيمة النصوص؟ وإذا كان القانون يُساء استخدامه، فما قيمة الشعارات؟ وإذا كان صاحب السلطة ينسى أن سلطته تكليف لا امتياز، فما الذي يبقى من هيبة الدولة سوى الخوف؟
إن أخطر ما في السلطة أنها قد تمنح بعض النفوس الوهمية شعورًا بأنها فوق المحاسبة. وعندما يتسلل هذا الوهم إلى الإنسان، يبدأ انهياره الحقيقي. فالسلطة التي لا يضبطها الضمير تتحول إلى طغيان، والطغيان لا يحتاج إلى جيوش بقدر ما يحتاج إلى صمت. لذلك فإن كل صمت عن الظلم يضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الظلم نفسه.ليست القضية قضية جسد، فالجسد قد يحمل جراحه سنوات ثم يلتئم، أما الروح فإذا انكسرت بقي صوت كسرها يتردد في ذاكرة العمر كله. هناك جروح لا يراها الأطباء، ولا تكشفها الأجهزة، لكنها تسكن القلب، وتغير نظرة الإنسان إلى الحياة، وتجعله يشك في كل يد تمتد إليه، وفي كل باب يُفتح أمامه، وفي كل كلمة تطمئنه.
أي ألم يمكن أن تشعر به امرأة تجد نفسها محاطة بجدران عالية، وأبواب مغلقة، ووجوه يفترض أنها عنوان للأمان؟ وأي خوف يسكن روحها إذا شعرت أن المكان الذي لا تستطيع الهرب منه قد تحول إلى مكان لا تستطيع أن تحمي نفسها فيه؟ إنها لحظة لا يحتاج الإنسان فيها إلى وصف الجريمة بقدر ما يحتاج إلى الصمت احترامًا لهولها.ولذلك فإن المجتمعات لا تنهار عندما تقع فيها الجريمة، فالجريمة موجودة منذ بدأ الإنسان يعرف الخير والشر، لكنها تنهار عندما تصبح الجريمة ممكنة داخل المؤسسات التي وجدت لمنعها، أو عندما يظن الناس أن المنصب يحمي صاحبه من الحساب. فالمساواة أمام القانون ليست شعارًا يُرفع، بل ميزان يُختبر في أصعب اللحظات، حين يكون المتهم صاحب نفوذ، أو صاحب رتبة، أو صاحب سلطة.إن العدالة ليست مبنى شامخًا، ولا منصة قاضٍ، ولا نصوصًا مكتوبة في الدساتير. العدالة شعور ينام في قلب المواطن عندما يؤمن أن حقه لن يضيع، وأن الضعيف لن يُترك وحيدًا، وأن القوي لن ينجو بقوته إذا أخطأ. فإذا ضاع هذا الشعور، أصبحت المؤسسات جدرانًا بلا روح، وأصبح القانون حبرًا لا يداوي جرحًا.التاريخ لا ينسى. إنه قد يغفر للأمم أخطاءها إذا واجهتها بشجاعة، لكنه لا يغفر لها أن تخفي الحقيقة أو تساوم عليها. فكم من إمبراطوريات عظيمة لم تسقط بسبب الحروب، بل بسبب فساد الضمير. وكم من دول فقدت احترام شعوبها لأنها فضلت حماية المسيء على إنصاف المظلوم.
إن المرأة ليست مجرد رقم في ملف، ولا اسمًا في سجل، ولا متهمة تنتظر حكمًا. إنها إنسان كامل الكرامة، لها أم بكت عليها، وأب حملها يومًا بين ذراعيه، وأحلام ربما لم تكتمل، وطفولة مرت، وذكريات لا يعلمها إلا الله. ولذلك فإن أي اعتداء على إنسانيتها، إذا ثبت، هو اعتداء على ذاكرة الحياة كلها، لا على شخص واحد.وليس من العدالة أن نستبدل الغضب بالانتقام، ولا أن نحاكم الناس بالشائعات، وإنما أن تُكشف الحقيقة كاملة، وأن تُحاسب كل يد تثبت مسؤوليتها وفق القانون، بلا تمييز، وبلا حصانة، وبلا خوف من اسم أو رتبة أو نفوذ. فالقانون الذي يعجز عن محاسبة القوي لا يستطيع حماية الضعيف.ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني: ماذا يبقى من الوطن إذا فقد الإنسان ثقته بمن يحرسه؟ وماذا يبقى من العدالة إذا احتاجت هي نفسها إلى من ينقذها؟ وماذا يبقى من السلطة إذا نسيت أن أول واجباتها حماية كرامة الإنسان؟
إن الأمم تُبنى بالحقيقة، لا بالصمت، وبالمحاسبة، لا بالتبرير، وبصيانة الكرامة، لا بانتهاكها. وستظل كرامة الإنسان هي آخر القلاع التي إذا سقطت، لم يبق بعد ذلك ما يستحق أن يسمى عدالة أو دولة أو حضارة. فالأوطان لا يحفظها السلاح وحده، ولا القوانين وحدها، وإنما يحفظها الضمير الحي الذي يرى في الإنسان قيمةً لا يجوز أن تُمس، مهما كان اسمه، ومهما كانت تهمته، ومهما كان موقعه خلف القضبان.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.


المزيد.....




- إسرائيل تعلق بعد إصابة 5 أفراد من الجيش اللبناني إثر انفجار ...
- سفن راسية في مضيق هرمز وسط نفي إيراني لاتفاق إعادة فتح الممر ...
- صناعة المحتوى: هل تصير العُزلة أسلوب حياة يُطمح إليه؟
- إيران تقترب من اتفاق مع عُمان بشأن مسار الملاحة عبر هرمز
- بسبب البيانات المنشورة.. هل كتبت المعاناة على ضحايا إبستين؟ ...
- وكالة -إفي-: أكثر من ألف مهاجر يتجمعون أمام مركز إيواء في سب ...
- هل أخفى فاوتشي ما كان يعرفه؟.. مقال يثير تساؤلات جديدة حول ج ...
- الخارجية الإيرانية: اتصالات من إنجلترا وبلغاريا وأوكرانيا تؤ ...
- قيادي في -حماس-: إسرائيل غير معنية باتفاق وطالبنا الوسطاء با ...
- وزارة الدفاع الإيطالية: تفتيش ناقلة نفط ترفع علم الكاميرون ب ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.