أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - خرافة العلم الإلهي للأئمة: أين آثار المعرفة في سجل التاريخ؟














المزيد.....

خرافة العلم الإلهي للأئمة: أين آثار المعرفة في سجل التاريخ؟


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 14:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ قرون تُتداول دعوى أن أئمة أهل البيت لم يكونوا مجرد علماء وفقهاء، بل أصحاب علم خاص لا يحده اجتهاد البشر، وأنهم امتلكوا معرفة مصدرها إلهي. لكن أمام هذه الدعوى سؤال واحد لا يمكن تجاوزه:
أين هذا العلم؟
ليس السؤال عن مكانة آل البيت، ولا عن احترام شخصياتهم، فذلك موضوع آخر. السؤال هنا عن أثر المعرفة التي يُقال إنها كانت فوق مستوى البشر. فأي علم حقيقي يترك أثرًا، وأي معرفة استثنائية تظهر في مؤلفات، ومدارس، واكتشافات، وتأثير يغير مسار التاريخ.
فإذا كان الأئمة يحملون علمًا إلهيًا خاصًا، فإن أول ما يجب أن يبحث عنه التاريخ ليس الروايات التي تمجدهم، بل الآثار التي تثبت هذا التفوق المعرفي.
فالدعوى التي ترفع الإنسان فوق حدود البشر لا يكفي لإثباتها كثرة التكرار، بل تحتاج إلى دليل بحجمها. وكلما ارتفع الادعاء، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
أين سجل هذا العلم الذي يُقال إنه لم يكن موجودًا عند غيرهم؟
العلم لا يثبت بالألقاب، ولا بكثرة الترديد، ولا بمجرد الروايات التي تؤكدها المدرسة نفسها، بل بما يتركه صاحبه من آثار واضحة: مؤلفات، اكتشافات، مدارس علمية، نظريات، وتأثير معرفي يمكن تتبعه عبر التاريخ.
وعندما نضع دعوى العلم الإلهي للأئمة أمام هذا المعيار، يظهر سؤال لا يمكن تجاوزه:
أين آثار هذا العلم في تاريخ المعرفة؟
إذا كان الإمام يمتلك علمًا استثنائيًا يفوق علماء الأمة، فمن الطبيعي أن يظهر ذلك في إنتاج معرفي واضح. لكن سجل التاريخ لا يقدم للأئمة إنتاجًا علميًا في المجالات التي صنعت حضارات الأمم: لا في الرياضيات، ولا في الطب، ولا في الفلك، ولا في العلوم الطبيعية، ولا في تأسيس مناهج علمية جديدة.
إن أعظم علماء الحضارة الإسلامية عُرفوا بما قدموه، لا بما قيل عنهم. فالخوارزمي عُرف بإسهاماته في الرياضيات، وابن الهيثم بأبحاثه في البصريات، والرازي والزهراوي في الطب. بقي أثرهم لأن أعمالهم قابلة للدرس والمراجعة.
أما دعوى العلم الإلهي للأئمة، فتعتمد أساسًا على روايات دينية وتفسيرات عقدية، بينما يغيب الأثر العلمي الذي يتناسب مع حجم الدعوى.
يُذكر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وله مكانة في التاريخ الإسلامي، وتُنسب إليه خطب وحكم وأقوال في البلاغة والقضاء والسياسة، لكن هذه المكانة لا تعني وجود علوم خاصة أو اكتشافات معرفية جعلته مؤسسًا لعلوم جديدة.
وكذلك محمد الباقر وجعفر الصادق لهما حضور في الرواية والفقه، وخاصة جعفر الصادق الذي ارتبط اسمه بكثرة النقل عنه في التراث الإمامي. لكن الفارق كبير بين عالم في الفقه والحديث، وبين صاحب علم إلهي شامل يُفترض أنه المرجع المعرفي الأعلى للبشر بعد النبي.
فلو كانت الإمامة منصبًا إلهيًا، وكان الإمام يحمل علمًا خاصًا، لكان المتوقع أن يظهر ذلك في صورة مشروع معرفي واضح: كتب مؤسسة، علوم جديدة، مدارس واسعة، وتأثير يتجاوز المجال المذهبي.
لكن التاريخ يقدم صورة مختلفة: علماء مسلمون كثيرون كان لهم أثر علمي أكبر في مجالات متعددة، بينما بقيت معظم المنسوبات العلمية للأئمة في إطار الرواية الدينية والتفسير العقدي.
المشكلة هنا ليست في احترام آل البيت أو الاعتراف بمكانتهم، فهذا أمر مختلف عن إثبات دعوى علمية. فالمكانة الدينية شيء، وامتلاك علم إلهي خاص شيء آخر يحتاج إلى دليل مستقل.
لا يكفي أن يقال إن شخصًا كان عالمًا، ثم تُرفع مكانته تدريجيًا حتى يصبح صاحب معرفة لا يخطئ فيها ولا تحدها المجالات. فكل انتقال من المكانة إلى العصمة، ومن الفضيلة إلى العلم المطلق، يحتاج إلى برهان.
إن أخطر ما في هذه الدعوى ليس مجرد المبالغة في وصف مكانة الأئمة، بل تحويل الروايات المذهبية إلى حقائق تاريخية غير قابلة للنقاش. فالعلم لا يثبت بأن يُقال إن شخصًا كان يعلم كل شيء، وإنما يثبت بما تركه من آثار يمكن فحصها ومقارنتها بآثار غيره من العلماء.
وكلما ارتفع الادعاء من عالم فقيه إلى صاحب علم إلهي شامل، ارتفع معه مستوى الدليل المطلوب. فالدعوى الاستثنائية لا تثبت بغياب الدليل، ولا بتحويل عدم وجود الأثر إلى دليل على وجود علم مخفي.
إن جعل غياب الآثار دليلًا على خفاء العلم، وجعل نقص الوثائق دليلًا على وجود معرفة لا يراها الناس، يحول الدعوى إلى فكرة لا يمكن اختبارها تاريخيًا. فالتاريخ لا يحاكم الألقاب، بل يحاكم الآثار.
ولا يسأل التاريخ: كم مرة تكررت الدعوى؟ بل يسأل: ماذا تركت هذه الدعوى في الواقع؟
ولهذا يبقى السؤال قائمًا:
إذا كان للأئمة علم إلهي خاص يتجاوز علم البشر، فأين آثاره التي غيرت تاريخ المعرفة؟ وأين العلوم التي قامت عليه؟ وأين الإنتاج الذي يجعلهم في مصاف كبار علماء الحضارة؟
فالدعاوى الكبرى تحتاج إلى أدلة كبرى، والتاريخ لا يحفظ إلا ما ترك أثرًا.
في النهاية، لا يكفي أن تُرفع منزلة شخص عبر الروايات إلى مرتبة استثنائية، فالتاريخ لا يحكم بالألقاب، بل بالآثار. وكلما كانت الدعوى أعظم، كان الدليل المطلوب أعظم. والعلم الذي يغيّر مسار البشرية لا يبقى أثره غائبًا عن سجل التاريخ.
فالمكانة الدينية شيء، والدعوى العلمية شيء آخر. والاحترام التاريخي لا يحتاج إلى اختراع آثار غير موجودة، كما أن النقد العلمي لا يعني إنكار فضل الأشخاص، بل يعني وضع كل دعوى أمام ميزان الدليل.
ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه التمجيد ولا التكرار:
أين آثار المعرفة التي يُقال إنها كانت فوق حدود البشر؟ وأين سجلها الذي يثبتها التاريخ؟
فالدعاوى الكبرى لا تثبت بقوة الخطاب، وإنما بقوة البرهان.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأب واثنان من الأبناء والحفيد في إشكالية العصمة والبيعة وال ...
- الدين والسياسة... بداية الانقسام والصراع
- البالون الذي هزم الديكتاتور
- حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا
- ركلةٌ نحو الغياب
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم


المزيد.....




- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل
- المقاومة الإسلامية في العراق تتوعد الولايات المتحدة والسعودي ...
- -المقاومة الإسلامية في العراق- تمنح الحكومة مهلة للرد على ال ...
- 149 مستوطناً يقتحمون المسجد الأقصى وسط حماية أمنية مشددة
- اليهود والمسلمون في البوسنة ـ مثال للتعايش الديني والثقافي
- رفضت بيع غرفتها ليهود.. فلسطينية مغربية تتمسك برباطها على مش ...
- الرحلة التاريخية لفكرة الجامعة الإسلامية
- متظاهرة وحيدة تحتج بمفردها أمام كاتدرائية واشنطن خلال جنازة ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - خرافة العلم الإلهي للأئمة: أين آثار المعرفة في سجل التاريخ؟