أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - الأب واثنان من الأبناء والحفيد في إشكالية العصمة والبيعة والتاريخ















المزيد.....

الأب واثنان من الأبناء والحفيد في إشكالية العصمة والبيعة والتاريخ


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 00:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليست القضية في هذه المقالة محبة آل البيت أو إنكار مكانتهم عند اتباعهم الشيعة، وإنما تتعلق بمفهوم عقائدي ظهر بصورته المعروفة في الفكر الإمامي، وهو مفهوم عصمة الأئمة. فإذا كان الإمام معصومًا، لا يخطئ في الدين ولا في الهداية ولا في الموقف الذي يقتدي به الناس، فإن كل تصرف سياسي يصدر عنه يصبح جزءًا من العقيدة، لا مجرد حادثة تاريخية.
فالإنسان غير المعصوم قد يجتهد، وقد ينجح أو يخطئ، وقد يغيّر موقفه تبعًا للظروف. أما إذا قيل إن الإمام معصوم، فإن أفعاله لا تعود اجتهادات بشرية، بل تصبح معيارًا للحق، ولهذا تتحول مواقفه من الخلفاء والحكام إلى قضية عقدية قبل أن تكون قضية تاريخية.
ومن هنا تبدأ الأسئلة مع علي بن أبي طالب، ثم ابنيه الحسن والحسين، ثم حفيده علي بن الحسين، لأن هؤلاء الأربعة عاشوا في خضم الصراع على الخلافة، وكانت مواقفهم السياسية جزءًا من أحداث صنعت التاريخ الإسلامي.
علي بن أبي طالب والخلفاء الثلاثة
علي بن أبي طالب هو الإمام الأول عند الإمامية الاثني عشرية. وقد عاش بعد وفاة النبي في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ثم تولى الخلافة بعد مقتل عثمان.
وتذكر المصادر الإسلامية أن عليًا تعامل مع الخلفاء الذين سبقوه، بينما يرى الفكر الإمامي أنه كان صاحب الحق في الإمامة منذ وفاة النبي.
وهنا يبدأ الإشكال.
إذا كان عليٌّ إمامًا معصومًا ومنصوصًا على إمامته من الله، فكيف تُفهم مبايعته للخلفاء الثلاثة وصلاته خلفهم، مع أن الفكر الإمامي يرى أنهم لم يكونوا أصحاب الحق في الخلافة؟
وإذا كانت الإمامة أصلًا من أصول الدين، وليست قضية سياسية عابرة، فإن البيعة لا تصبح تصرفًا إداريًا أو اجتماعيًا، بل موقفًا دينيًا صادرًا عن إمام معصوم.
ولو كان الأمر يتعلق برجل من عامة المسلمين، لما كان في ذلك إشكال، أما إذا كان يتعلق بمن يفترض أنه حجة الله على خلقه، فإن السؤال يصبح مشروعًا: كيف يبايع الإمام المعصوم من لا يملك شرعية الحكم بحسب العقيدة نفسها؟
الحسن بن علي والصلح مع معاوية
ثم يأتي الحسن بن علي، إذ يثير موقفه مع معاوية أحد أهم الإشكالات المتعلقة بمفهوم العصمة.
بعد مقتل علي، آلت الخلافة إلى الحسن، ثم انتهى الأمر بالصلح مع معاوية بن أبي سفيان وانتقال الحكم إليه.
وهنا يظهر الإشكال بصورة أوضح.
فالخطاب السائد عند الشيعة الإمامية يرى أن الانحراف عن الإمامة بدأ منذ انتقال الخلافة إلى أبي بكر، وأن عمر وعثمان سارا في هذا المسار، ثم يعد معاوية ويزيد امتدادًا لذلك الانحراف، مع تحميل كل واحد منهم مسؤولياته التاريخية بحسب الرواية الإمامية.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف ينسجم انتقال السلطة إليه عن طريق الصلح مع إمام معصوم؟
إن السؤال لا يتعلق بأسباب الصلح، ولا بظروف الحرب، وإنما يتعلق بالنظرية نفسها.
فإذا كان الإمام معصومًا، فهل يجوز أن تنتهي الخلافة التي هي حق إلهي ـ بحسب هذا التصور ـ إلى شخص يقال إنه اغتصب ذلك الحق؟
كل محاولة للإجابة تعيد طرح السؤال نفسه بصورة أخرى: هل كانت العصمة تحكم القرار السياسي، أم أن القرار السياسي كان خاضعًا لضرورات الواقع؟
الحسين بن علي ورفض يزيد
أما الحسين بن علي، فقد كان موقفه مختلفًا.
فقد رفض مبايعة يزيد بن معاوية، واشتهرت عنه العبارة:
«مثلي لا يبايع مثله.»
وأصبحت هذه العبارة من أشهر الشعارات التي يستدل بها على رفض الحسين منح يزيد شرعية الحكم.
وهنا يبرز سؤال يحتاج إلى تفسير وفق مفهوم العصمة.
فالحسن انتهى إلى الصلح مع معاوية، بينما الحسين رفض بيعة يزيد.
وإذا كان الاثنان إمامين معصومين، فكيف يختلف الموقف من السلطة الأموية بين الأخوين؟
هل كان معيار الحق ثابتًا، أم أن الظروف السياسية أصبحت هي التي تحدد طبيعة الموقف؟
زين العابدين والبيعة ليزيد
ثم يأتي علي بن الحسين زين العابدين.
وهنا تبلغ الأسئلة ذروتها.
فالحسين أعلن رفضه ليزيد بقوله: «مثلي لا يبايع مثله.»
ثم تذكر روايات في عدد من المصادر التراثية، ومنها ما أورده اليعقوبي وغيره، أن زين العابدين بايع يزيد بعد واقعة كربلاء.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه.
كيف يرفض الأب البيعة رفضًا قاطعًا، ثم يبايع الابن الحاكم نفسه؟
إذا كانت العصمة تمنع الخطأ، وكان الحسين قد رفض يزيد لأنه لا يراه أهلًا للحكم، فكيف يصبح الابن في موقف مختلف؟
إن هذه المسألة ليست نقاشًا في شخصية زين العابدين، وإنما هي سؤال موجه إلى نظرية العصمة نفسها.
فالإنسان غير المعصوم قد يغير موقفه تبعًا للظروف، أما المعصوم فلا يكون اختلاف مواقفه معصومًا إلا إذا أصبح كل اختلاف يحتاج إلى تأويل جديد.
وعندئذ لا يعود التاريخ هو الذي يفسر العقيدة، بل تصبح العقيدة هي التي تعيد تفسير التاريخ.
الأئمة الثمانية بعد زين العابدين
بعد زين العابدين انتقلت الإمامة إلى ثمانية أئمة آخرين.
لكن هؤلاء لم يعيشوا المرحلة التي كان الصراع فيها يدور حول أصل الخلافة كما حدث مع علي والحسن والحسين وزين العابدين.
فمحمد الباقر لم يكن طرفًا في صراع على الحكم.
وجعفر الصادق لم يقدم مشروعًا سياسيًا لاستعادة الخلافة.
ثم جاء موسى الكاظم، الذي ارتبط اسمه بعلاقته مع الخليفة هارون الرشيد وما نُقل عن سجنه.
ثم جاء علي الرضا الذي قبل ولاية العهد من الخليفة المأمون.
ثم محمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، ثم محمد المهدي بحسب الاعتقاد الإمامي.
ولذلك فإن الأئمة الثمانية لا يمثلون محور الإشكال نفسه الذي يمثله الأب واثنان من الأبناء والحفيد؛ لأن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالبيعة والخلافة تدور أساسًا حول هؤلاء الأربعة الذين عاشوا بدايات الانقسام السياسي في الدولة الإسلامية.
الخاتمة
إن جوهر هذا النقاش ليس مكانة آل البيت، وإنما سلامة النظرية التي بُنيت حولهم.
فالقرآن لم يقدم البشر بوصفهم معصومين بعد الأنبياء، ولم يجعل العصمة أصلًا من أصول الدين يتعلق بأشخاص يتوارثون الإمامة.
ولهذا يبقى السؤال قائمًا:
إذا كانت العصمة حقيقة ثابتة، فلماذا تكشف أحداث التاريخ عن مواقف سياسية مختلفة ومتباينة تجاه القضية نفسها؟
ولماذا احتاجت تلك المواقف، عبر القرون، إلى شروح وتأويلات متتابعة حتى تنسجم مع نظرية العصمة؟
إن القراءة التاريخية ترى رجالًا عاشوا ظروفًا سياسية معقدة، واتخذوا مواقف مختلفة بحسب ما فرضه واقع زمانهم.
أما نظرية العصمة، فتجد نفسها مطالبة بتفسير كل موقف، وكل بيعة، وكل صلح، وكل سكوت، بحيث يبقى الإمام معصومًا مهما اختلفت الوقائع.
وهنا يفرض السؤال الأساسي نفسه:
هل جاءت العقيدة من قراءة التاريخ، أم أُعيدت قراءة التاريخ حتى يوافق العقيدة؟



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين والسياسة... بداية الانقسام والصراع
- البالون الذي هزم الديكتاتور
- حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا
- ركلةٌ نحو الغياب
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار


المزيد.....




- شيخ الأزهر يعلق على سلوك -غريب- للأسر المصرية
- من مكالمة شيخ الأزهر إلى ممر الورود.. كيف احتفى المصريون بال ...
- الضفة.. مستوطنون يقيمون بؤرة استيطانية جديدة شرق سلفيت
- بعد جدل واسع.. بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك تكشف حقيقة ...
- عشرات المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون المسجد الأقصى
- في ذكرى معمودية روسيا.. كيف انتقلت الدولة الروسية القديمة إل ...
- القرم تخطط لوضع لوحات تذكارية في مواقع الكنائس المدمرة من ال ...
- -المقاومة الإسلامية في العراق- تنفي استهدافها منشآت نفطية في ...
- -مرحلة أكثر خطورة-.. تحذيرات من مخطط إسرائيلي للاستحواذ على ...
- رئيس حزب إسرائيلي معارض: حكومة نتنياهو تتبع -سياسة متهورة- و ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - الأب واثنان من الأبناء والحفيد في إشكالية العصمة والبيعة والتاريخ