أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - البالون الذي هزم الديكتاتور














المزيد.....

البالون الذي هزم الديكتاتور


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 19:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أخطر من الطاغية سوى ذلك الذي يصدق أن العالم خُلق على مقاس قبضته. فهو لا يرى القارات إلا قطعًا صغيرة تنتظر أن يضع عليها اسمه، ولا يسمع أصوات الشعوب إلا تصفيقًا مؤجلًا لعظمته المزعومة. وبين هذا الوهم وتلك الرغبة الجامحة في الامتلاك، تتحول الأرض إلى لعبة خفيفة، لا وزن لها إلا في خياله.

في المشهد الشهير من الديكتاتور العظيم، لا يحتاج تشارلي شابلن إلى خطب ولا إلى مشاهد معارك ليكشف هشاشة الاستبداد. يكفي أن يترك الدكتاتور وحيدًا مع كرة هوائية تحمل شكل العالم، فيبدأ عرضًا راقصًا يبدو للوهلة الأولى احتفالًا بالنصر، لكنه في الحقيقة رقصة رجل يطارد سرابًا.

يتعامل مع الكرة الأرضية كما لو كانت ملكية خاصة؛ يرفعها برفق حينًا، ويقذفها في الهواء حينًا آخر، ثم يعانقها بعاطفة مفتعلة. يظن أنه يتحكم في مصيرها، بينما هي لا تستجيب إلا لقوانين الهواء. وما يبدو في عينيه مشروعًا للسيطرة، لا يعدو أن يكون لهوًا طفوليًا يخفي وراءه فراغًا سياسيًا وأخلاقيًا كبيرًا.

وتزداد السخرية عمقًا عندما تمتزج حركات الجسد بالموسيقى الهادئة، فتتحول القاعة إلى مسرح يرقص عليه الوهم بثقة لا تعرف حدودًا. تبدو الخطوات متقنة، لكنها لا تقود إلى شيء، وكأن الطغيان نفسه رقصة طويلة تتقن الاستعراض أكثر مما تتقن صناعة الواقع.

لقد أدرك شابلن أن السخرية أقدر من الخطب على فضح المستبد. فالضحكة التي يثيرها هذا المشهد مصدرها خفة الحركة، والتناقض بين ضآلة الإنسان واتساع طموحه. فكلما حاول الدكتاتور احتضان العالم، بدا العالم أكبر من أن يُختزل في نزوة حاكم أو نزق سلطة.

ثم تأتي النهاية لتمنح المشهد معناه الكامل. ينفجر البالون، فيتبدد الحلم كما تتبدد الأوهام عند أول احتكاك بالحقيقة. يقف الدكتاتور مذهولًا، وقد اختفى العالم الذي ظن أنه يملكه في لحظة واحدة، لتنكشف حقيقة السلطة القائمة على الغرور؛ فهي تبدو صلبة من بعيد، لكنها في جوهرها هشة، ويكفيها ثقب صغير لتنهار.

لهذا بقي هذا المشهد حاضرًا في الذاكرة السينمائية؛ لأنه لم يسخر من شخص واحد بقدر ما سخر من عقلية تتكرر كلما ظن حاكم أن الشعوب مجرد أرقام، وأن الأرض يمكن أن تتحول إلى لعبة بين يديه. لقد جعل شابلن الفن مرآة يرى فيها الطغاة صورتهم الحقيقية، بعيدًا عن الألقاب والهتافات؛ صورة إنسان يرقص مع وهم، ثم يكتشف متأخرًا أن الوهم لا يدوم.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا
- ركلةٌ نحو الغياب
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية


المزيد.....




- شاهد.. دهشة طيور البطريق من ورقة شجر تتراقص مع الريح في حديق ...
- لحظات مؤثرة.. حديقة حيوانات أمريكية تحتفي بميلاد صغير غوريلا ...
- كيف تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني هذا الأسبوع؟.. تفاصيل هجم ...
- إيران تستهدف مواقع حيوية بالكويت والحرس الثوري يحذر الدول ال ...
- وزيرا خارجية روسيا والإمارات يبحثان التطورات الإقليمية وتعزي ...
- الأردن: اعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية
- RT في مقر للقوات على محور كونستانتينوفكا
- انتحل صفة جراح أعصاب لسنوات والصدفة كشفته
- -كيمي كيه 3-... نموذج ذكاء اصطناعي صيني جديد يثير قلق المناف ...
- هل يشيخ مواليد التسعينيات بشكل أسرع؟ دراسة محبطة لأبناء هذا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - البالون الذي هزم الديكتاتور