أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - متحف الشمع














المزيد.....

متحف الشمع


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:07
المحور: الادب والفن
    


في مدينةٍ قيل لنا
إن ترابها أقدس من الأسئلة،
وإن هواءها مشبعٌ باليقين،
وإن كل حجرٍ فيها
يحرسه التاريخ والقداسة والوعظ الطويل،
افتتحوا متحفًا للشمع.
ثمانيةٌ وستون تمثالًا.
ليس واحدًا،
ولا اثنين،
ولا تمثالًا ضل طريقه إلى النجف بالخطأ.
ثمانيةٌ وستون تمثالًا كاملةً،
تقف في هدوء،
كأنها لجنة تحقيق
في ذاكرة التحريم.
تأملتُ المشهد طويلًا.
هذه هي المدينة نفسها
التي سمع فيها الناس عشرات الخطب
عن أخطار التجسيد،
وعن الملامح المنحوتة،
وعن الأشكال التي كانت تُعامل
كأنها جيوشٌ جرارة
تستعد لاجتياح العقيدة.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم تسقط السماء.
ولم تهتز الأرض.
ولم تغادر الملائكة المدينة.
بل وقف الشمع مطمئنًا،
والزوار يلتقطون الصور،
والأبواب مفتوحة،
والكهرباء تعمل بصورة طبيعية.
ثمانيةٌ وستون دليلًا
على أن المشكلة لم تكن في الشمع.
فالشمع هو الشمع.
والوجوه هي الوجوه.
والأيدي والأعين والملامح
لم تتغير.
الذي تغير فقط
هو مكان الوقوف.
أمس كان التمثال متهمًا،
واليوم أصبح ضيف شرف.
أمس كان خطرًا،
واليوم صار مشروعًا ثقافيًا.
أمس كان بابًا للضلال،
واليوم صار معلمًا من معالم الاحتفال.
يا للمسكين... ذلك التمثال.
أمضى عمره مطاردًا بالفتاوى،
ثم استيقظ ذات صباح
ليجد نفسه مدعوًا رسميًا
إلى قلب المدينة.
ثمانيةٌ وستون تمثالًا
تسأل السؤال نفسه:
إذا كان التجسيد خطأً،
فلماذا هذا المتحف؟
وإذا كان صحيحًا،
فلماذا كل ذلك الصراخ القديم؟
لكن التماثيل لا تتكلم.
ولهذا بقي السؤال قائمًا:
من الذي تغيّر،
الشمع أم الأحكام؟
في القاعة
وقف الشمع أكثر انسجامًا مع نفسه
من كثيرٍ من الخطب.
لم يغيّر رأيه.
لم يصدر بيانًا.
لم يبحث عن تأويلٍ جديد.
وقف فقط.
وكان ذلك كافيًا
ليحرج التناقض.
ولو وُجِّهت الموارد لما يحتاجه الناس،
لما تحولت إلى شمعٍ وقاعاتٍ واحتفالات.
فالجوع لا يقرأ اللوحات،
ولا يصفق لحفل الافتتاح،
ولا يجد في التماثيل ما يؤخر قسوته ساعةً واحدة.
أيُّ ذاكرةٍ هذه
التي تُكرَّم فيها الأحجار
ويُؤجل فيها الإنسان؟
وأيُّ وفاءٍ للماضي
يبدأ بتبديد ما يحتاجه الحاضر؟
كأن الأموات صاروا أكثر استحقاقًا للإنفاق
من الأحياء،
وكأن الشمع أصبح أقدس
من صبرٍ طويلٍ لا يراه أحد.
ثمانيةٌ وستون تمثالًا
في مدينةٍ قيل إن إيمانها صامد.
ومع ذلك،
لم تكشف التماثيل شيئًا عن الشمع،
بل كشفت الكثير
عن البشر.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر
- مكرفون وكلمات
- شجرة تسقط الإنسان
- مثل صيني: -ضفدعة في قاع البئر-


المزيد.....




- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن
- حب وصداقة وشغف بالثقافة .. لماذا يتعلّم الألمان اللغة الكردي ...
- لماذا توارت السينما الإيرانية وراء عيون الأطفال؟
- فيلم يحكي عن عائلة ثرية ومهووسة بالموضة.. كيف تحولت أزياؤها ...
- سوريا تودّع الأديب مازن المبارك.. 7 عقود في خدمة اللغة العرب ...
- متحف رويريخ في موسكو يفتتح معرضا جديدا يضم 250 قطعة فنية
- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - متحف الشمع