أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقهر” إلى دولة تبحث عن الزجاج المحطم














المزيد.....

32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقهر” إلى دولة تبحث عن الزجاج المحطم


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الشرق الأوسط، حيث اعتادت الحروب أن تُكتب بالنار والحديد، وحيث المدن تعرف جيدًا معنى الدخان والركام وصفارات الموت، كانت إسرائيل تقدم نفسها دائمًا باعتبارها القلعة التي لا تسقط، والدولة التي لا تهتز مهما اشتعلت المنطقة من حولها. لعقود طويلة، صُنعت صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتكررت الحكاية ذاتها في الإعلام والسياسة، حتى بدا وكأن السماء نفسها لا تستطيع أن تجرؤ على الاقتراب من تلك الدولة المحاطة بالحديد والنار والتكنولوجيا.
لكن شيئًا ما تغير هذه المرة.
فجأة، أصبحت الشوارع التي كانت تتحدث دائمًا عن الأمن المطلق، تتحدث عن التعويضات. وأصبحت النوافذ المحطمة حدثًا قوميًا، وتحولت صفارات الإنذار إلى كابوس يومي لسكان كانوا يظنون أن الحرب لا تصل إليهم أبدًا، بل تبقى دائمًا بعيدة، خلف الحدود، أو فوق رؤوس الآخرين فقط.
أكثر من 32 ألف طلب تعويض قُدمت خلال أيام قليلة فقط، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا إلى أكثر من 41 ألف طلب، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه انهيار نفسي أكثر منه انهيارًا ماديًا. صواريخ إيران لم تسقط فقط على المباني، بل سقطت أيضًا على صورة الدولة التي طالما قيل إنها لا تنحني، فإذا بها تبحث وسط الركام عن شركات التأمين وصناديق التعويضات.
في تل أبيب، المدينة التي كانت تُقدم دائمًا باعتبارها القلب النابض للحياة الحديثة، تغير المشهد فجأة. الشوارع التي امتلأت يومًا بالموسيقى والمقاهي والوجوه الواثقة، أصبحت مليئة بأشخاص يرفعون رؤوسهم نحو السماء بخوف واضح، يراقبون أصوات الانفجارات البعيدة وكأنهم يسمعون لأول مرة صوت الحرب الحقيقي.
وفي حيفا وعسقلان وبئر السبع، كان المشهد أكثر غرابة؛ سيارات محترقة، واجهات زجاجية متناثرة، وشقق خالية بعدما غادرها أصحابها إلى الفنادق أو مراكز الإيواء المؤقتة، وكأن البلاد تستعد لشتاء طويل من القلق والخوف.
المفارقة التي بدت لافتة للكثيرين أن إسرائيل، التي لطالما تحدثت عن “القبة الحديدية” باعتبارها درعًا أسطوريًا لا يسمح للصواريخ حتى بالاقتراب، وجدت نفسها أمام واقع مختلف. بعض الصواريخ عبرت، وبعضها سقط، وبعضها ترك خلفه شوارع مدمرة وأحياء مرتبكة وسكانًا يهرعون نحو الملاجئ كلما دوّت صفارات الإنذار.
وهنا بدأت الأسطورة القديمة بالتصدع.
فالدولة التي كانت تبدو كأنها محصنة ضد الخوف، اكتشفت أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى دمار شامل، بل يكفي أحيانًا أن يهتز الزجاج في منتصف الليل حتى يشعر الناس أن العالم ينهار فوق رؤوسهم.
وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت عن “أضرار هائلة”، بينما رأى كثيرون في المنطقة أن حجم الهلع كان أكبر من حجم الدمار نفسه. فبعض طلبات التعويض جاءت بسبب أضرار طفيفة نسبيًا: نوافذ تحطمت، سيارات تضررت، أو جدران أصابتها الشظايا. لكن داخل إسرائيل، بدا الأمر وكأنه زلزال تاريخي غير مسبوق.
هنا ظهر المشهد الأكثر سخرية: دولة تمتلك واحدة من أقوى الترسانات العسكرية في المنطقة، لكنها تدخل في حالة استنفار وطني بسبب زجاج متناثر وصفارات إنذار لم تتوقف.
الاقتصاد الإسرائيلي بدوره لم يكن بعيدًا عن الضربة.
شركات أغلقت أبوابها، مطارات تعطلت، الأسواق تراجعت، والسياحة أصيبت بالشلل المؤقت. حتى الحياة اليومية العادية أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكثر تكرارًا: “أين أقرب ملجأ؟”.
ولأن إسرائيل تعرف جيدًا كيف تحول كل أزمة إلى ملف مالي ضخم، سارعت الحكومة إلى فتح أبواب التعويضات على نطاق واسع، وكأنها تحاول شراء الطمأنينة بالأموال.
لكن الحقيقة التي ظهرت بوضوح أن المال لا يستطيع دائمًا إصلاح صورة اهتزت أمام العالم.
وفي المستشفيات ومراكز الدعم النفسي، كانت هناك قصة أخرى تُكتب بعيدًا عن الصواريخ نفسها. آلاف الاتصالات من أشخاص يعانون من القلق والخوف والصدمة. أطفال يستيقظون على أصوات الانفجارات، وعائلات تقضي الليل في الملاجئ، وسكان لم يعتادوا أن يشعروا بأن الحرب قد تدخل غرف نومهم في أي لحظة.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا أن الإسرائيلي العادي يعيش جزءًا بسيطًا من ذلك الخوف الذي عاشته شعوب كثيرة في المنطقة لعقود كاملة.
أما المشهد الأكثر رمزية، فكان ذلك التدافع الكبير نحو طلبات التعويض.
ففي كل زاوية تقريبًا، كان هناك شخص يحاول تسجيل خسارته: نافذة، سيارة، باب منزل، متجر صغير، أو حتى أضرار نفسية. وكأن البلاد بأكملها تحولت إلى طابور طويل أمام صندوق مالي ضخم يحمل عنوانًا واحدًا: “نريد تعويضًا عن الخوف”.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى في الحكاية كلها.
إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها كقوة لا تعرف الارتباك، ظهرت هذه المرة كدولة مذهولة من مجرد وصول الحرب إلى داخل مدنها. الدولة التي اعتادت أن ترى الدمار عبر شاشات الأخبار في أماكن أخرى، وجدت نفسها فجأة تتحدث عن إعادة الإعمار وترميم المباني وإيواء السكان وتعويض المتضررين.
وفي المقابل، كانت إيران ترى في الهجمات رسالة واضحة: أن السماء التي اعتادت إسرائيل أن تتحرك فيها بحرية لم تعد هادئة كما كانت. أما إسرائيل، فكانت تحاول أن توازن بين خطاب القوة من جهة، وحجم القلق الداخلي من جهة أخرى.
لكن الأرقام كانت تتحدث بوضوح أكبر من أي خطاب سياسي.
عشرات آلاف طلبات التعويض، مليارات الشواكل من الخسائر، وحالة خوف جماعي لم تستطع القبة الحديدية ولا التصريحات العسكرية أن تخفيها بالكامل.
في النهاية، لم تكن القصة مجرد صواريخ سقطت هنا أو هناك، بل كانت لحظة اصطدمت فيها الأسطورة بالواقع.
فالقلعة التي قيل يومًا إنها لا تهتز، اهتزت.
والدولة التي صدّقت طويلًا أنها بعيدة عن نيران المنطقة، اكتشفت أن النار حين تقترب، لا تسأل عن الشعارات ولا عن الأساطير، بل تترك الجميع أمام الحقيقة نفسها: لا أحد يبقى فوق الحرب إلى الأبد.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر
- مكرفون وكلمات
- شجرة تسقط الإنسان
- مثل صيني: -ضفدعة في قاع البئر-
- عالم بلا ميزان


المزيد.....




- موسكو تحذر: سنرد بحزم لحماية مواطنينا في بريدنيستروفيه إذا ت ...
- -إن بي سي نيوز-: هيغسيث يخطط لقلب الطاولة على الجميع.. يدرس ...
- -نيويورك تايمز-: قاض عسكري أمريكي يستبعد اعترافا رئيسيا في ق ...
- تقدم روسي ورفض للهدن في النزاع الأوكراني
- الخارجية الأمريكية: نحذر مواطنينا في أوكرانيا من مخاطر اضطرا ...
- سوريا.. اشتباكات مسلحة في السويداء تلحق أضرارا بمنازل وتثير ...
- -سبيس إكس- تنتشل مركبة -ستارشيب- من المحيط الهندي بعد شهر من ...
- رئيس الوزراء الأوكراني يكشف تفاصيل الحرائق والانفجارات المتت ...
- السودان.. المسيَّرات تلاحق المدنيين وتخلق واقعا إنسانيا صعبا ...
- النازحون يعيشون أوضاعا صعبة في مخيم قوز السلام بالسودان


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقهر” إلى دولة تبحث عن الزجاج المحطم