أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي















المزيد.....

السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 23:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قراءة نقدية في مفهوم الإمامة وتحولات الوعي المذهبي

لم ينشأ الخلاف الإسلامي الأول بوصفه خلافًا عقديًا خالصًا، بل كان في جوهره نزاعًا سياسيًا على السلطة وشرعية الحكم بعد وفاة النبي محمد. غير أن القرون اللاحقة حولت ذلك النزاع السياسي إلى بنية لاهوتية متكاملة، خصوصًا داخل الفكر الشيعي الإمامي، حيث انتقلت الإمامة من مفهوم القيادة السياسية والأخلاقية إلى مرتبة ذات طابع قدسي، حتى غدت في كثير من الأدبيات سلطةً موازية لسلطة الوحي نفسه، أو امتدادًا فوق بشري للإرادة الإلهية.

هذه النقلة لم تكن حدثًا عابرًا، بل تشكلت عبر تراكم طويل من التأويلات والروايات والأساطير الدينية التي أحاطت الأئمة بهالة من العصمة والمعرفة المطلقة والولاية التكوينية والعلم اللدني، وهي صفات تجعل الإمام، عمليًا، فوق النقد والتاريخ معًا.

من الاحترام إلى التأليه الرمزي

ليس ثمة خلاف في أن أئمة آل البيت شخصيات محترمة في الوجدان الإسلامي العام، وقد حظوا بمكانة أخلاقية وروحية كبيرة لدى مختلف الفرق الإسلامية. غير أن الاحترام التاريخي شيء، وتحويل الشخصيات إلى كيانات فوق بشرية شيء آخر.

لقد أدى البناء العقدي الإمامي إلى نقل الأئمة من بشر الصالحين إلى كائنات تمتلك:
• علم الغيب،
• العصمة المطلقة،
• الحق الحصري في تفسير الدين،
• السلطة الروحية الكونية،
• والطاعة الواجبة بوصفها جزءًا من الإيمان.

وهنا تظهر الإشكالية الكبرى:
فحين تصبح أقوال الإمام مساوية للنص المقدس، أو حين يُجعل رضا الإمام معيارًا للحق والباطل، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج لسلطة دينية مغلقة لا تختلف كثيرًا عن النماذج الثيوقراطية التي عرفتها حضارات أخرى.

لقد تحولت الإمامة ـ في صورتها الكلامية المتأخرة من فكرة سياسية إلى ميتافيزيقا كاملة، وأصبح التاريخ يُقرأ من خلالها لا كما وقع، بل كما تريده الرواية المذهبية.

الأئمة والتاريخ السياسي: بين المثال المذهبي والواقع العملي

السردية الشيعية التقليدية تقوم على تصوير الأئمة بوصفهم معارضة ثورية دائمة للسلطات القائمة، لكن القراءة التاريخية المجردة تكشف صورة أكثر تعقيدًا وأقل رومانسية.

فجميع الأئمة تقريبًا عاشوا داخل أنظمة الحكم القائمة، وتعاملوا معها بدرجات متفاوتة من التهدئة أو المهادنة أو البيعة الضمنية والصريحة أحيانًا.

علي بن أبي طالب

شارك في الدولة الإسلامية بعد السقيفة، وعمل مستشارًا للخلفاء، ولم يؤسس حركة انفصالية عقائدية ضدهم.

الحسن بن علي

تنازل لمعاوية في صلح سياسي واضح، وهو حدث يصعب التوفيق بينه وبين التصور العقائدي الذي يجعل الإمامة حقًا إلهيًا لا يجوز التنازل عنه.

الحسين بن علي،أيضا بايع معاوية بن ابي سفيان وظل ساكتا عن نفاقه وكذبه وجرائمه وفساده لعشرين عاما تقريبا فأي معصوم هذا؟!

أما خروج الحسين بن علي على يزيد بن معاوية فهو لم يخرج بوصفه مؤسسًا لمذهب ديني مستقل، بل خرج في سياق سياسي متعلق بشرعية الحكم والرفض الأخلاقي لواقع الدولة الأموية.

علي زين العابدين بن الحسين

عاش في المدينة ، في عزلة سياسية شبه كاملة، ولم يقُد ثورة، كما تعايش مع الدولة الأموية تحت حكم يزيد الذي بايعه،رغم قتله أبيه في واقعة كربلاء المشهورة.

وهنا تظهر المفارقة:
فالسردية المذهبية المتأخرة تبني خطابًا ثوريًا مطلقًا، بينما الوقائع التاريخية تكشف أن الأئمة أنفسهم أي كل أبناء وأحفاد زين العابدين يستثنى منهم المهدي المنتظر الذي خاف على نفسه من القتل، فهم مارسوا أشكالًا من السكوت والقبول بالأمر الواقع الذي تفرضه السلطات سواء كانت أموية أو عباسية ،بينما السردية الشيعية تصورهم لاحقًا كخصوم وجوديين لها.



المأساة الشيعية وصناعة الوعي الجمعي

اعتمد التشيع الإمامي، عبر القرون، على مركزية المظلومية بوصفها العنصر المؤسس للهوية.
فكربلاء لم تبق حادثة تاريخية، بل تحولت إلى بنية نفسية وثقافية متكررة تعيد إنتاج الشعور بالاضطهاد والانفصال عن الأمة المنحرفة.

ومن هنا نشأت ثقافة:
• اللطم،
• البكاء الطقوسي،
• استدعاء المأساة،
• وتقديس الحزن التاريخي.

وقد أدى ذلك إلى تحويل الوعي الديني من مشروع حضاري منتج إلى ذاكرة جرح مفتوح تعيش على إعادة تمثيل الماضي بدل تجاوزه.

أين الأثر الحضاري للأئمة؟

حين تُقاس الشخصيات التاريخية بمدى أثرها الحضاري والمعرفي، فإن السؤال يصبح مشروعًا:
ما المشروع العلمي أو الفلسفي أو الحضاري الذي تركه الأئمة بوصفهم قادة معصومين للبشرية؟

لا توجد مؤلفات مباشرة للأئمة، كما لا نجد مدارس علمية كبرى أسسوها بمعنى حضاري شامل، مقارنةً بما تركه فلاسفة أو علماء أو مؤسسو مذاهب فكرية كبرى في التاريخ الإسلامي.

صحيح أن التراث الشيعي ينسب إليهم أقوالًا وحِكمًا وروايات فقهية، لكن أغلب هذا التراث جُمِع بعدهم بقرون، ودخلته إضافات مذهبية واسعة، شأنه شأن بقية التراث الإسلامي.

أما منجز الحضارة الإسلامية الحقيقي فقد صنعته حركة عقلية واسعة شارك فيها:
• المعتزلة،
• الفقهاء،
• الفلاسفة،
• الأطباء،
• علماء الرياضيات والفلك،
• والمترجمون.

ولم يكن نتاجًا لنظرية الإمامة

التشيع بوصفه سلطة دينية مغلقة

أحد أخطر نتائج البناء الإمامي أنه خلق طبقة دينية تحتكر فهم الحقيقة.
فما دام الإمام معصومًا، وما دام الفقيه نائبًا عن الإمام الغائب، فإن السلطة الدينية تصبح فوق المجتمع وفوق النقد.

ومن هنا نشأت مفاهيم:
• ولاية الفقيه،
• المرجعية المطلقة،
• الطاعة العقائدية،
• والاحتكار الديني للحقيقة.

وهكذا يتحول الدين من فضاء أخلاقي مفتوح إلى مؤسسة سلطوية تفرض التأويل الواحد وتجرّم الاختلاف.

بين التقديس والتاريخ

المشكلة الأساسية ليست في حب آل البيت، فمحبتهم جزء من الوجدان الإسلامي العام، وإنما في تحويل تلك المحبة إلى عقيدة سياسية مغلقة تُعيد تشكيل الدين والتاريخ معًا.

إن القراءة النقدية النزيهة تقتضي التمييز بين:
• الاحترام الإنساني للأئمة،
• وبين صناعة الأسطورة حولهم.

فالأئمة كانوا شخصيات محترمة، لكنهم ظلوا بشرًا عاشوا ظروف عصرهم، ولم يكونوا كائنات فوق التاريخ أو شركاء لله في التشريع والتقديس.

وحين يتحول البشر إلى مرجعيات معصومة، يبدأ العقل بالتراجع، ويبدأ التاريخ بالتحول إلى سردية مغلقة لا تسمح بالمراجعة.

الخلاصة:

إن السردية الشيعية الإمامية لم تُبنَ فقط على الوقائع التاريخية، بل على إعادة تأويلها عبر قرون من الجدل المذهبي والصراع السياسي. ومع الزمن، صار الإمام رمزًا مقدسًا تتجمع فيه صفات السلطة الدينية والمعرفة المطلقة والشرعية الإلهية.

لكن القراءة التاريخية الهادئة تكشف أن الواقع كان أكثر بشرية وتعقيدًا مما تصوره الروايات الطائفية.
فالأئمة لم يؤسسوا دولة بديلة، ولم يقودوا مشروعًا حضاريًا عالميًا، ولم يمنعوا أنفسهم من التعايش السياسي مع السلطات القائمة، كما أن كثيرًا من صورتهم الحالية هو نتاج الخيال العقدي المتأخر لا التاريخ المباشر.

ويبقى الفرق شاسعًا بين احترام الرموز الدينية بوصفهم شخصيات فاضلة، وبين تحويلهم إلى مركز كوني للحقيقة والنجاة والتشريع.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر
- مكرفون وكلمات
- شجرة تسقط الإنسان
- مثل صيني: -ضفدعة في قاع البئر-
- عالم بلا ميزان
- تصفية شاملة… مع استثناءات
- نهايةُ التاريخ
- علي خامنئي: سيرة قائد في زمن التحولات الكبرى


المزيد.....




- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...
- وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ ...
- إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران ...
- أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس ...
- قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز ...
- فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر ...
- حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي