أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت















المزيد.....

إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 18:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعض الشخصيات لا تحتاج إلى معرفة مباشرة حتى تترك أثراً. أحياناً تكفي لحظة أمام شاشة، أو حوار طويل في برنامج تلفزيوني، أو طريقة معينة في ترتيب الكلمات، حتى يتكون لدى المشاهد انطباع عن طبيعة الإنسان الذي يقف خلف ذلك الصوت. وهكذا بدأ التعرف إلى الدكتور إبراهيم فريحات بالنسبة لكثير من متابعيه؛ من خلال ظهوره في برنامج نقاش الساعة، ومن خلال المساحة التي منحها للحوار والتحليل، لا من خلال صورة رسمية أو تعريف عابر.

فالشخصيات الفكرية لا تُعرف دائماً من قرب المسافة، بل أحياناً من طبيعة الأفكار التي تحملها، ومن الطريقة التي تقدم بها رؤيتها للعالم. هناك فرق بين من يظهر ليمرّ في المشهد، ومن يظهر لأنه يحمل مشروعاً فكرياً تراكم عبر سنوات من الدراسة والبحث والتدريس.

وفي حالة إبراهيم فريحات، فإن حضوره العام لا ينفصل عن مساره كباحث في مجال النزاعات الدولية؛ مجال لا يسمح بالنظرة السريعة ولا يقبل الأحكام السهلة. فالنزاعات ليست مجرد أخبار عاجلة أو مواقف سياسية متقابلة، بل هي طبقات متراكمة من التاريخ والمصالح والذاكرة والخوف والطموحات الإنسانية. ومن يعمل طويلاً في هذا الحقل يتعلم أن خلف كل أزمة قصة أطول مما يظهر في العنوان الأول.

في زمن أصبحت فيه اللقاءات الإعلامية كثيرة، وأصبح الظهور أحياناً أقرب إلى المنافسة على لفت الانتباه، يبرز بعض الأشخاص بطريقة مختلفة؛ لا لأنهم يبحثون عن الاختلاف، بل لأن أسلوبهم يكشف عن مسار طويل سبق لحظة الظهور. فبعض الناس تحملهم الكاميرا إلى الجمهور، وبعض الناس يحملون معهم إلى الكاميرا عالماً كاملاً من المعرفة والتجربة.

وعندما يظهر الدكتور إبراهيم فريحات، فإن أول ما يلفت النظر ليس الحركة، بل الاستقرار. هناك هدوء في جلسته، وفي تعابيره، وفي الطريقة التي يستقبل بها السؤال قبل أن يجيب عنه. يبدو كأنه لا يدخل الحوار باعتباره ساحة لإثبات الغلبة، بل مساحة لفهم قضية تحتاج إلى أكثر من رأي سريع.

في حضوره ما يكشف عن أثر السنوات التي قضاها بين البحث والجامعة؛ ذلك النوع من الحضور الذي لا تصنعه المنابر، بل تصنعه علاقة طويلة مع المعرفة والأسئلة التي لا تمنح نفسها لإجابة سريعة. فالباحث الحقيقي لا يعيش فقط مع النتائج، بل مع المراجعة والتحليل وإعادة النظر.

ولهذا تظهر في طريقته تلك المسافة بين الانفعال والتحليل. لا يتقدم الحدث عنده على الفهم، ولا تتحول اللحظة السياسية إلى حكم نهائي. هناك دائماً محاولة للعودة إلى الأسباب التي صنعت الحدث، والظروف التي سمحت بظهوره، والعوامل التي قد تحدد مساره.

أما أناقته فهي جزء من هذا الحضور العام. ليست أناقة مصنوعة لتلفت النظر، ولا مظهراً منفصلاً عن طبيعة الرجل، بل أناقة أكاديمية هادئة. بدلة مرتبة، ألوان متزنة، ومظهر منظم ينسجم مع شخصية باحث اعتاد الدقة في عمله.

وخلفه تقف المكتبة.

وقد تبدو المكتبة في المشهد التلفزيوني مجرد خلفية، لكنها بالنسبة لباحث مثل فريحات تحمل معنى مختلفاً. فهي ليست مجرد صفوف من الكتب تظهر خلفه، بل تذكير بعالم كامل لا يراه المشاهد: عالم القراءة والبحث والكتابة والمراجعة.

فالكتاب عند الباحث ليس قطعة من المكان، بل جزء من طريقة التفكير. كل دراسة يقرأها، وكل فكرة يراجعها، وكل تجربة سياسية يحللها، تترك أثراً في طريقته بالنظر إلى العالم.

هناك فرق بين من يتحدث عن السياسة لأنه يتابع الأخبار، ومن يتحدث عنها لأنه درس بنيتها. الفرق لا يظهر دائماً في كمية المعلومات، بل في القدرة على رؤية الروابط. الباحث لا يرى الحدث وحده، بل يرى ما قبله وما بعده.

وهذا ما يظهر في طريقة فريحات في الحوار. فهو لا يتعامل مع الأسئلة كأنها منفصلة عن بعضها. عندما يناقش أزمة أو صراعاً، لا يكتفي باللحظة الحالية، بل يحاول وضعها داخل سياقها، والبحث عن القوى التي صنعتها، والظروف التي ساهمت في ظهورها.

وهذه ليست مجرد طريقة للحديث، بل انعكاس لطبيعة عمله الأكاديمي. فالباحث في النزاعات لا يستطيع أن يعتمد على رد الفعل، لأن موضوعه نفسه قائم على التعقيد. عليه أن يفهم الصورة كاملة، وأن ينظر إلى المسألة من أكثر من زاوية.

أما النزاهة، فهي من الصفات التي لا تُقاس بالشعارات، بل تظهر من خلال طريقة التعامل مع الأفكار. ومن خلال حضوره في النقاشات العامة، يرى كثير من متابعيه أن من السمات الواضحة في طريقته محاولة الحفاظ على مسافة نقدية من الاستقطابات الجاهزة.

تظهر هذه الصورة في تجنب الشخصنة، وفي التركيز على تحليل المواقف بدلاً من مهاجمة الأشخاص، وفي التعامل مع القضايا باعتبارها مسائل تحتاج إلى فهم لا إلى تبسيط.

النزاهة الفكرية لا تعني غياب الموقف، بل تعني أن يكون الموقف مبنياً على معرفة وتحليل. وهذا ما يبحث عنه المتابع في الباحث: أن يشعر بأن الكلام نابع من دراسة لا من رد فعل.

في المجال السياسي تحديداً، هذه ليست مهمة سهلة. فالإعلام يميل إلى السرعة، بينما يحتاج التحليل إلى وقت. والجمهور قد يفضل الإجابة القصيرة، بينما تحتاج بعض القضايا إلى شرح طويل.

ولعل ما يمنح فريحات احتراماً لدى كثير من متابعيه أنه لا يقدم نفسه بوصفه صاحب الإجابة النهائية. هناك في حديثه مساحة للتفكير، ومساحة للاجتهاد، ومساحة للاعتراف بأن القضايا الكبرى أكثر تعقيداً من أن تختصر في جملة واحدة.

لقد عمل فريحات في منطقة تحتاج إلى توازن: بين الجامعة والإعلام، بين البحث والجمهور، بين التفاصيل العلمية والحاجة إلى الوضوح.

إن صورته التي تتشكل من سيرته وكتاباته وظهوره العام ليست صورة رجل صنعته الشاشة، بل صورة باحث حمل جزءاً من عالمه العلمي إلى المجال العام.

وعندما ينتهي الحوار، لا تبقى فقط ملامح الرجل أو تفاصيل المكان، بل يبقى الأسلوب: طريقة في التفكير، وطريقة في بناء الحجة، وطريقة في احترام عقل المتلقي.

وربما يكون هذا هو الأثر الحقيقي لبعض الشخصيات الفكرية: أنها لا تطلب من الناس أن يتفقوا معها دائماً، لكنها تجعلهم يتوقفون أمام الفكرة، ويعيدون النظر في الطريقة التي يفهمون بها العالم.

ففي زمن تكثر فيه الأصوات، تبقى قيمة بعض الأصوات في أنها لا تضيف ضجيجاً جديداً، بل تضيف مساحة للتفكير.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر
- مكرفون وكلمات


المزيد.....




- رئيس وزراء قطر: الاحتفال الحقيقي سيكون بالتوصل إلى اتفاق نها ...
- فانس من سويسرا: مستعدون لـ-تحول جذري- في العلاقات مع إيران.. ...
- نائب ترامب: تقدم ملحوظ في ملف لبنان.. وملتزمون بوقف إطلاق نا ...
- -حزب الله- يصدر بيانا عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل: ندين ...
- هيئة بريطانية: ناقلة تتعرض لمحاولة اختطاف قبالة سواحل اليمن ...
- وزير الخارجية التركي: إسرائيل تترقب فرصة لتقويض مفاوضات الول ...
- بتوجيهات من أردوغان.. تركيا تستأنف محادثات إعادة فتح معهد -ه ...
- ترامب يعلق على استقالة ستارمر المرتقبة: فشل فشلا ذريعا في ال ...
- تحرك مصري جديد في ليبيا.. مباحثات رفيعة المستوى مع حكومة الد ...
- متى عيد الأب ولماذا نحتفل به؟


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي جاسم ياسين - إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت