أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - النهر الذي نسيه الماء














المزيد.....

النهر الذي نسيه الماء


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 20:17
المحور: الادب والفن
    


في النهر الصغير الذي جفّت مياهه،
لم يبقَ من الجريان سوى ذاكرة
عالقة في الطين المفلوق،
كأن الماء مرّ من هنا ذات زمن
ثم نسي طريق العودة.
يمتد السلم العتيق نحو الفراغ،
لا يقود إلى ضفة،
ولا إلى زورق،
ولا إلى أقدام تنزل في الصباح
لتغسل وجوهها وتملأ الجرار.
خشبه القديم متآكل الحواف،
مفلوق الأطراف،
تتخلل أليافه أخاديد صغيرة
حفرتها الشمس والبرد.
كل درجة فيه تحمل أثر يدٍ رحلت،
وأثر قدمٍ لم تعد.
يصدر صمتًا يشبه الخشب حين يشيخ،
وحين يصبح أقرب إلى التراب
من قربه إلى الشجرة التي جاء منها.
حول السلم
تمتد الأعشاب الجافة
بلون القمح المنسي.
سيقان هشة
تنكسر من مجرد مرور الريح،
وتصدر همسات قصيرة
كأنها تتحدث فيما بينها
عن مواسم لم تعد تأتي.
في قاع النهر المكشوف
بقيت عظام السمك.
أقواس بيضاء صغيرة
تلمع أحيانًا تحت الضوء.
وهناك عمود فقري كامل
ممدد فوق التراب،
كأنه خط دقيق رسمته الحياة
ثم غادرته فجأة.
لا ماء حوله،
ولا ظل سمكة،
ولا دوائر تتسع على السطح،
فالسطح نفسه اختفى.
تنتشر آثار الماشية
على امتداد المجرى الجاف.
حوافر غاصت يومًا في الطين الرطب
ثم تصلبت في مكانها.
إلى جوارها
آثار أقدام كبيرة وصغيرة،
أقدام رجال ونساء وأطفال،
تقاطعت فوق الأرض
ثم انقطعت جميعها عند جهة واحدة،
كأن القرية بأكملها
سارت في صباح بعيد
ولم تلتفت خلفها.
هنا حفرة صغيرة،
وهناك أخرى،
تجمع في أعماقها قليلًا من الغبار
وبعض الأوراق اليابسة.
كانت ربما تمتلئ بالماء
بعد المطر،
أما الآن
فهي تشبه عيونًا
خاوية من اللمعان
تنظر إلى السماء دون انتظار.
بقايا القصب ما تزال قائمة.
عيدان مكسورة
تميل فوق بعضها،
وقد بهت لونها.
كانت تهتز مع الماء
وتغني حين يمر النسيم،
أما الآن
فهي ساكنة
كأنها نسيت الحركة.
من بعيد
تأتي أصوات طيور صغيرة.
أصوات خفيفة،
متقطعة،
تكاد تضيع في الفراغ الواسع.
تقف فوق الأغصان اليابسة
ثم تطير فجأة،
فتترك وراءها رجفة قصيرة في الهواء،
وسكونًا أكبر مما كان.
بيوت الطين مصطفة عند طرف القرية.
جدرانها ما زالت واقفة
بشيء من الكبرياء القديم.
لكن الأبواب خُلعت،
وتركت فتحاتها فارغة.
مداخل مفتوحة للريح،
وغرف تستقبل الغبار بدل الناس.
على الجدران
بقيت ظلال أماكن كانت تُعلّق فيها الأشياء،
وبقيت الزوايا تحتفظ بصمتها الثقيل.
أمام أحد البيوت
تستقر فردة حذاء طفل.
صغيرة جدًا،
باهتة اللون،
وقد امتلأت بالتراب.
لا أحد يعرف متى سقطت،
ولا إن كان قد مضى دون أن يشعر بفقدها.
تبدو كأنها آخر ما تركته الطفولة
حين غادرت القرية.
وفي ظل حائط طيني كبير وسميك
تستلقي مجموعة من الكلاب.
لا تنبح،
ولا تتحرك كثيرًا.
تبحث عن بقعة باردة
وسط النهار الطويل.
الحائط ما زال يحتفظ بقوته،
متماسكًا رغم الأعوام.
شقوقه قليلة،
وطينه القديم يقاوم السقوط
كما لو أنه يرفض الاعتراف
بأن القرية أصبحت خالية.
تمر الريح أحيانًا
فتحمل شيئًا من الغبار،
وتدور بين البيوت،
وتهبط إلى النهر الجاف،
ثم تمضي وحدها.
لا أحد يرد عليها.
لا صوت لراعٍ،
ولا ضحكة طفل،
ولا نداء امرأة من باب بيتها.
كل شيء هنا
ما يزال في مكانه،
كأن الرحيل مرّ به
وتركه كما هو.
السلم العتيق ينتظر،
والقصب ينتظر،
وعظام السمك تنتظر،
وآثار الأقدام ما تزال تشير إلى الطريق البعيد.
أما النهر الصغير
فممدد في مكانه،
هادئًا إلى حد الأسى،
كأنه يحتفظ في أعماقه الجافة
بآخر خفقة للماء،
وبآخر صورة للقرية
قبل أن يرحل أهلها جميعًا،
ويتركوا للأرض
آثارهم القليلة،
لتتذكرهم وحدها.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر
- مكرفون وكلمات
- شجرة تسقط الإنسان


المزيد.....




- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما
- بمشاركة نجوم الأوبرا والمواهب الشابة.. انطلاق فعاليات مهرجان ...
- بمشاركة كبرى المتاحف.. تمديد معرض -العائلة - روح روسيا- في ت ...
- باكستان تكشف موعد استئناف المحادثات الفنية بين أميركا وإيران ...
- مصور عراقي يحول رمال الصحراء في ليوا بأبوظبي إلى لوحات فنية ...
- الخارجية الباكستانية: استئناف المحادثات الفنية بين أمريكا وإ ...
- تضارب الروايات بين طهران وواشنطن حول تفاهمات الأموال المجمدة ...
- كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - النهر الذي نسيه الماء