أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - أقدام وأفواه














المزيد.....

أقدام وأفواه


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 19:48
المحور: الادب والفن
    


يتسربون من القرى والمدن عشرات الآلاف، وربما أكثر، في رحلة لا تحتاج إلى إعلان رسمي ولا إلى دعوات شخصية؛ يكفي أن يأتي الموعد حتى تبدأ الطرقات باستقبال موجة بشرية طويلة لا تعرف أين يبدأ أولها ولا أين ينتهي آخرها.
صغار وكبار، رجال ونساء، يمشون ليلًا ونهارًا، يرفعون رايات حمراء وصفراء وخضراء وسوداء، حتى يبدو الطريق كأنه معرض متنقل للألوان والشعارات. بعض الرايات تحمل عبارات التمجيد، وبعضها يحمل صورًا ورموزًا، وبعضها يرفرف فقط لأن صاحبه يريد أن يكون جزءًا من المشهد، فليس كل شيء في الحشود يحتاج إلى تفسير عميق؛ أحيانًا يكفي أن تمسك الراية وتمشي.
يمشي هؤلاء بلا حاجة إلى خرائط حديثة أو أجهزة توجيه، فالطريق محفوظ في الذاكرة الجماعية. القدم تعرف ما لا يعرفه الهاتف، والساق تؤدي دور البوصلة، وكأن آلاف الأقدام اتفقت سرًا على الاتجاه نفسه.
النشيط منهم قد يصل خلال عشرة أيام، أما من دخل في مفاوضات طويلة مع جسده فقد يحتاج إلى خمسة عشر يومًا. هناك من يمشي بسرعة كأنه يخشى أن يسبقه أحد إلى النهاية، وهناك من يمشي ببطء كأنه يريد أن يترك لكل خطوة فرصة لتسجيل حضورها.
في الطريق تظهر شخصيات لا تحتاج إلى تعريف: ذلك الذي يحمل حقيبة صغيرة تبدو أكبر من محتوياتها، وكأنها تحتوي على نصف البيت. وذلك الذي يمسك هاتفه طوال الطريق، يصور التعب ليحفظ ذكرى التعب. وآخر يمشي بحذاء أعلن منذ اليوم الثالث أنه غير مستعد لتحمل هذه المغامرة، لكنه مستمر رغم احتجاجاته الصامتة.
الملابس أيضًا لها حكاياتها. بعضها خرج من الخزانة قبل الرحلة بساعات، وبعضها فقد أناقته بعد أيام من الغبار والشمس. القميص الذي كان جديدًا أصبح يحمل خبرة الطريق، والحذاء الذي كان مجرد حذاء تحول إلى شريك في الرحلة له حقوقه وشكاواه.
أغلب المشاركين من الفقراء والمهمشين والمرضى والمعاقين، أولئك الذين قد لا يجدون مساحة كافية في الحياة اليومية ليُسمع صوتهم، لكنهم هنا يصبحون مشهدًا لا يمكن تجاهله. وفي أي تجمع ضخم، لا بد أن يظهر أيضًا أصحاب المواهب الخاصة: من يبحث عن مصلحة، أو من يعرف كيف يستفيد من الزحام، فحتى أكثر الرحلات قداسة لا تخلو من بشر بطبائع مختلفة.
وتتحول الطرق إلى مدينة مؤقتة؛ سرادق في كل مكان، طعام وشراب ومبيت مجاني. تتحول المسافات الطويلة إلى مطاعم مفتوحة بلا قوائم أسعار، حيث السؤال الوحيد: ماذا يوجد اليوم؟ والجواب غالبًا: كل شيء متاح، فالمعدة أيضًا تريد أن تشارك في الرحلة الروحية.
تأكل الأفواه، وتمشي الأقدام، وتعمل الأيدي، وكأن الجسد كله دخل في مشروع جماعي كبير: القدم تذهب، اليد تحمل، والفم يعلن نجاح المهمة بعد كل وجبة.
أما الفرش والأغطية فهي قصة أخرى؛ فهي تنتقل من شخص إلى آخر حتى تكاد تصبح من أقدم المشاركين في الزيارة. ربما تعرف الطريق أكثر من بعض الزوار، وربما لديها خبرة أكبر في الرحلات الطويلة. لا تسأل كثيرًا عن الماضي، فالمهم أنها موجودة عند الحاجة.
في هذا المشهد تختلط الأقدام بالأفواه، والدموع بالضجيج، والدعاء بالتعب. يصل الناس إلى نهاية الرحلة وهم يحملون حزنهم على الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قتل في معركة كربلاء، وهي حادثة بقيت حاضرة بقوة في الذاكرة الشيعية.
فالذكرى عند كثير من الشيعة ليست مجرد صفحة تاريخية قديمة، بل تجربة تتجدد كل عام، ويصبح المشي جزءًا من التعبير عنها.
لكن المشهد يحمل مفارقات كثيرة؛ فالذين يقطعون مئات الكيلومترات بأقدامهم، والذين ينامون على الطريق، والذين يحملون التعب على ظهورهم، هم غالبًا الأشخاص العاديون الذين لا يملكون إلا قدرتهم على التحمل.
أما بعض الذين يشرحون فضائل الصبر والتعب والثواب، فقد يكتفون بشرح الطريق من نهايته، من أماكن أكثر هدوءًا وأقل غبارًا، حيث يكون الميكروفون أخف وزنًا من حقيبة المسافر.
فالمشّاء يحمل الماء والطعام والمتاع والتعب، بينما الخطيب يحمل الكلمات فقط.
ويبقى السؤال الساخر حاضرًا: إذا كان الطريق بهذه العظمة، وإذا كان المشي بهذا القدر من القيمة، فلماذا لا يشارك الجميع في الطريق نفسه ولو مرة واحدة؟
فربما هناك فرق بين من يعرف الطريق من خلال القدم... ومن يعرفه فقط من خلال الكلام.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير
- كوخ أنابيري
- دولة اللصوص
- شاي فتفت
- الوجود مع الآخر


المزيد.....




- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...
- مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا ...
- -البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد ...
- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - أقدام وأفواه