أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - ركلةٌ نحو الغياب














المزيد.....

ركلةٌ نحو الغياب


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


خرج من الباب بخطواتٍ تحمل الفرح،
كأن النهار قد فتح له ذراعيه،
وكأن الأرض، رغم ما مرّ بها،
ما زالت تمنح طفلًا
فسحةً صغيرةً للعب.

لم يحمل معه سوى قلبٍ يسبق قدميه،
وابتسامةٍ لا تعرف الحساب،
ولم يكن معه
إلا شغفٌ قديم
اسمه الركض خلف الكرة.

كان يريد أن يعيش تلك اللحظة فقط،
أن يكون طفلًا مثل بقية الأطفال،
أن يركض في الملعب،
وأن يضحك مع أصدقائه،
وأن يعود إلى البيت
حاملًا تفاصيل يومٍ عادي.

كان يظن أن العالم،
ولو لدقائق،
سيترك للأطفال ملعبهم،
وأن الهواء سيصفّق للركلات،
وأن الغبار لن يكون
إلا أثرًا من آثار اللعب،
يمضي بعد انتهاء المباراة.

كان يركض،
والكرة تركض أمامه،
والأصدقاء يملؤون المكان
بنداءاتٍ صغيرة،
تملأ الساحة بالحياة.

لم يكن يعرف
أن لحظةً واحدة
قد تغيّر شكل الأيام،
وأن الطريق الذي خرج فيه للعب
لن يكون هو الطريق نفسه
حين يعود.

جاء الانفجار
دون موعد،
وتغيّر المكان خلال ثوانٍ.
توقفت خطوات الأطفال،
وانتهت المباراة قبل أن تنتهي،
وأصبح الجميع يبحثون
عن الأمان بدل اللعب.

أصيب عادل بشظايا في وجهه،
وكانت إصابته قاسية.
فقد إحدى عينيه،
وفقد السمع في أذنه اليسرى،
وصارت حياته تحتاج
إلى وقتٍ طويل للتأقلم
مع ما حدث.

وحين فتح عينه،
أدرك أن أيامه لن تعود
كما كانت قبل تلك اللحظة.
أصبح عليه أن يتعلم
طريقة جديدة لرؤية الأشياء،
وأن يتعامل مع أصواتٍ
لم تعد تصل إليه كما كانت.

لم يعد يرى العالم
بالطريقة التي اعتادها،
وصار يعتمد أكثر
على عينه الباقية،
وعلى انتباهه لكل ما حوله.

وبأذنٍ واحدة،
تنصت إلى الحياة.

يحاول أن يسمع من خلالها
ما تبقى من الأصوات،
وأن يواصل حديثه مع من حوله،
وأن يعتاد على تفاصيل جديدة
لم يخترها بنفسه.

لم يكن يسأل كثيرًا
عن سبب ما حدث،
لكنه كان يشعر أحيانًا
بالفارق بين الأمس واليوم.

كان يتذكر الملعب،
وأصدقاءه،
والكرة التي كان يركض خلفها،
ويتذكر كيف كانت لحظات اللعب
تمنحه فرحًا بسيطًا.

ثم ينظر إلى حاضره،
ويحاول أن يجد طريقه فيه،
أن يكمل دراسته،
وأن يعود إلى تفاصيل حياته،
وأن يعيش مثل بقية الأطفال.

كان يحلم
أن يكبر وهو يلاحق الكرة،
فأصبح يلاحق مواعيد العلاج،
ويتعلّم الصبر،
ويعرف أشياء لم يكن يتوقع
أن يعرفها في هذا العمر.

ومع ذلك،
لم يترك حلمه.

ما زال يريد أن يتعلم،
وأن يلتقي بأصدقائه،
وأن يجد مكانه بين الأطفال،
وأن تكون الإصابة جزءًا من قصته
لا كل قصته.

يجلس مع جدته في مخيم البريج،
يحاول أن يتأقلم مع واقعه الجديد،
ويعيش يومه خطوةً بعد خطوة.

لكن داخله ما زال يحمل
رغبة الطفل نفسه،
الطفل الذي خرج ذات يوم
ليشارك في مباراة صغيرة،
ولم يكن يعرف
أن تلك المباراة ستبقى في ذاكرته طويلًا.

يتذكر الركضة الأولى،
وصوت أصدقائه،
واللحظة التي كانت فيها الكرة
مجرد لعبة لا أكثر.

ويتمنى أن يعود يومٌ
يكون فيه أكبر همّ الأطفال
أيُّ فريقٍ سيفوز،
ومن سيسجل الهدف،
لا أيُّ طفلٍ
سيحمل أثر إصابةٍ دائمة.

يا عادل...

يا طفلًا خرج يبحث
عن ساعةٍ من اللعب،
فعاد يحمل تجربةً
لم يكن مستعدًا لها.

قد تغيّر الطريق،
وقد أصبحت الأيام مختلفة،
لكن الحلم لا ينتهي
بإصابة.

فالإنسان لا يُقاس فقط
بما فقده،
بل بما يحاول أن يبنيه
بعد الفقد.

وها أنت،
بعينٍ واحدة،
ترى الأمل.

وبأذنٍ واحدة،
تنصت إلى الحياة.

وستبقى قصتك
أكثر من خبر،
لأنها قصة طفل
كان يريد فقط أن يلعب،
ثم وجد نفسه مضطرًا
إلى أن يتعلم كيف يبدأ من جديد.

ستبقى الأيام تحمل ذكراك،
ليس بسبب ما فقدته فقط،
بل بسبب قدرتك على الاستمرار،
وعلى البحث عن طريقٍ جديد
نحو الحياة.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء


المزيد.....




- ماريا بالاندينا تتولى إدارة متحف موسكو خلفا لآنا ترابكوفا
- توم كروز كما لم ترونه من قبل في الفيلم المرتقب -DIGGER-
- فرد حجاية: أم كلثوم في بغداد.. حكاية الزيارة الثانية بعد نصف ...
- فرد حجاية: الجانب المنسي من حياة الشاعر الكبير معروف الرصافي ...
- في عيدها الخمسين.. بوتين يشيد بمسيرة راقصة الباليه ديانا فيش ...
- الإقبال على موسيقى البوب الروسية يقفز سبعة أضعاف في ثلاثة أش ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - ركلةٌ نحو الغياب