أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - ما يبقى من الإنسان بعد اسمه














المزيد.....

ما يبقى من الإنسان بعد اسمه


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 16:01
المحور: الادب والفن
    


كبرت السجون
حتى خرجت من الخرائط.
لم تعد أبنيةً
تحيط بها الأسلاك،
ولا أبواباً
تُغلق في المساء.
صارت زمناً
يُقاس بما يفقده الإنسان
من نفسه.
منذ السابع من أكتوبر
دخل آلاف الفلسطينيين
إلى جهةٍ أخرى من العالم،
جهةٍ لا يصلها الصباح كاملاً،
ولا تغادرها الرائحة
التي يتركها الجلد
بعد أن يُترك وحده.
هناك
لا يبدأ النهار
حين يطلع الضوء.
يبدأ
حين يفتح السجّان الباب.
ولا ينتهي
حين يحلّ الليل.
ينتهي
حين يتعب الجسد
من احتمال الجسد.
كم يحتاج الإنسان
ليصير هيكلاً واهناً
يتوكأ على نبضه،
ويعدّ قلبه
كلما خفق،
كأنه يتأكد
أن ما زال هناك شيءٌ يعمل.
في الزنزانة
للجدار
ذاكرةٌ من اللحم.
كل طبقةٍ من طلاءٍ قديم
لا تخفي صرخةً
بل تُراكمها.
الأرض
باردةٌ
كأنها لم تُولد تحت شمس.
الرطوبة
لا تغادرها.
الهواء
لا يكفي
ليتسع صدرٌ واحد
للشهيق.
ولا أحد
يعرف
كم مرة
يمكن للرئتين
أن تغفرا هذا النقص.
لا يُنادى أحد باسمه.
الاسم
آخر ما يربط الإنسان
بحياته السابقة.
ولهذا
يبدأ المحو منه.
ثم يُستدعى الجسد.
الظهر.
المعصمان.
العينان.
الفم.
كل عضو
يدخل التحقيق
منفرداً.
وكل أثر
يعود
وقد تعلّم
اسماً جديداً.
ثم يأتون
بذلك الصندوق.
ليس رمزاً.
ولا استعارة.
إنه صندوق
صُنع
ليكون أضيق
من الحاجة إلى الهواء.
يُقاس الجسد مرةً واحدة.
ثم لا يعود
يملك حق الحركة.
يُترك ثقبٌ صغير.
ليس للنجاة.
بل لكي يبقى القلب
قادراً
على استقبال
يومٍ آخر
من العذاب.
خمسة عشر يوماً.
وربما أكثر.
لا يعود الزمن
يقيس نفسه
بالساعات.
يصير
بين شهيقٍ لا يكتمل،
وشهيقٍ آخر
يصل متأخراً.
هناك
يكتشف الإنسان
أن الظلام
ليس غياب الضوء.
إنه مادة.
له ثقل.
وله رائحة.
وله يدٌ
تستقر على الصدر
ولا ترفعه.
في الخارج
كانت غزة
تُهدم.
وفي الداخل
كان رجل
يحاول
أن يحرّك ساقيه.
لم يكن يريد الحرية.
كان يريد
أن يعرف
أن ساقيه
ما زالتا موجودتين.
وفي تلك اللحظة
كانت الأمنية
أكبر
من العالم.
هناك
يصل الجسد
حدَّه الأخير
من الاحتمال.
لا يعود عضواً في الحياة،
بل موضعاً مفتوحاً للألم
من دون حمايةٍ من الداخل.
وحين يشتدّ الوعي
حتى يصير عبئاً على نفسه،
لا يفكّر الأسير بالموت،
بل بانفصالٍ بطيء
لا يُرى ولا يُسمع.
أن ينسحب منه
كما ينسحب الضوء
من سطحٍ لم يعد يعكسه.
أن يخفّ وجوده
درجةً بعد أخرى،
من الجلد،
إلى العظم،
إلى ذلك الخيط الدقيق
الذي يربط الاسم بصاحبه.
يريد أن يقف خارج هذا القرب القاسي
بينه وبين جسده.
أن يصير أبعد منه،
من دون أن يغادره علناً.
أن يتوقف عن كونه مكاناً
يُمارَس فيه الألم.
أن ينجو لا من النهاية،
بل من شكل البقاء هذا.
في تلك المعتقلات
لا تقع الأمراض.
تُترك
حتى تكبر.
ولا يجوع الإنسان
مصادفةً.
ولا يعطش
مصادفةً.
ولا تتأخر
اليد الطبية
مصادفةً.
كل شيء
يسير
بدقةٍ كاملة.
كأن القسوة
مؤسسة.
وكأن الألم
وظيفةٌ يومية
لها دوامها،
وسجلاتها،
وموظفوها.
ثم يخرج بعضهم.
هكذا يقال،
لكن الحقيقة
أن الأبواب
هي التي تبتعد عنهم.
أما السجن
فيبقى.
في المشية.
في النوم.
في ارتجافة اليد
كلما دار مفتاح
داخل قفل.
في التردد
قبل الجلوس
على كرسي.
في الخوف
من الأماكن الضيقة.
وفي ذلك الصندوق
الذي لم يعد من خشب،
بل صار
جزءاً من الصدر.
كلما امتلأت الرئتان بالهواء
ضاق.
وكلما ضاق
عاد الليل
بأصواته كلها.
هذه ليست
حكاية أسرى.
هذه الصفحة
التي سيقرأها التاريخ
كلما أراد
أن يعرف
إلى أي حدّ
يستطيع الإنسان
أن يذهب
حين يقرر
أن يجرّد إنساناً آخر
من كل شيء
إلا الألم.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير
- أعلى ما فيهم من البقاء
- ابن رشد والعقل: درس في التفكير المستقل
- كل شيء يتغير إلا قانون التغيير


المزيد.....




- خطوات بالانجليزي لإنتاج فيلم Fantastic Four: First Steps وإي ...
- مهرجان تطوان الـ31 يختتم أعماله.. الجائزة الكبرى لـفيلم -اغت ...
- فيلم -Crazy Rich Asians- يتحول لمسلسل بمشاركة نجومه الأصليين ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يستعين بمنظمة الفنون القتالية لتدري ...
- أندرو محسن للجزيرة نت: فلسطين حاضرة في الجونة وسينما محمد خا ...
- حمى البحر المتوسط: دليل شامل للأمراض والفيلم المرتبط بهذا ال ...
- المتحف الزراعي ومعرض “زهور مصر” يواصلان استقبال الزوار بالكر ...
- رئيس وزراء ماليزيا: الشارع في بلادنا يعرف مكانة مصر والأزهر ...
- ترجمة الأفلام: الفن الخفي لإعادة إبداع السينما
- رئيس الحكومة اللبنانية: النهضة الفكرية تتطلب استعادة سيادة ا ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - ما يبقى من الإنسان بعد اسمه