أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا














المزيد.....

حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 15:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أغرب ما يمكن أن يحدث في تاريخ الأفكار أن تتحول بعض القضايا التي تمس كرامة الإنسان إلى نقاشات نظرية منفصلة عن الألم الحقيقي للبشر. فحين تصبح معاناة المرأة أو الطفلة مادة للتأويلات الطويلة، وحين تختزل كرامة الإنسان في عبارات وشروط وصيغ، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: أين يقف الإنسان وسط كل هذه الاجتهادات؟
لقد عرف التاريخ الفقهي، بمختلف مدارسه واتجاهاته، آراء واجتهادات أثارت اعتراضات واسعة، لأنها اصطدمت بتطور الوعي الإنساني ومفاهيم الكرامة والعدالة. ومن أكثر القضايا التي أثارت الجدل تلك المتعلقة بالمرأة والطفولة، ومنها بعض الآراء حول زواج القاصرات، وما ورد في بعض كتب الفقه من فتاوى تناولت مفاخذة الرضيعة، وهي فتاوى نُسبت إلى عدد من الفقهاء في مدارس سنية ووهابية وشيعية مختلفة، ويرى منتقدوها أنها تتعارض مع مبادئ حماية الطفلة والحفاظ على كرامتها وإنسانيتها.
المشكلة ليست في دراسة التراث أو فهم النصوص التاريخية، فكل حضارة تحتاج إلى قراءة ماضيها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول آراء بشرية مرتبطة بظروف زمنية معينة إلى أحكام نهائية لا يجوز مراجعتها، وكأن المجتمعات لا تتغير، وكأن المعرفة الإنسانية لا تتقدم، وكأن تجارب البشر في حماية المرأة والطفلة لا تستحق أن تُسمع.
هناك فرق كبير بين احترام الدين وبين منح البشر صفة لا يملكونها. فالفتوى في النهاية اجتهاد بشري، وصاحبها إنسان يصيب ويخطئ، ويحتاج إلى النقد والمراجعة مثل غيره. أما تحويل كل رأي صادر من رجل دين إلى حقيقة مطلقة، فهو إلغاء للعقل قبل أن يكون دفاعًا عن الدين.
واللافت أن بعض الخطابات التي تتحدث كثيرًا عن الأخلاق قد تجد نفسها أمام أسئلة أخلاقية صعبة عندما تتعلق المسألة بحقوق المرأة أو الطفولة. فالأخلاق ليست كلمات تُقال، بل مواقف تظهر عند التعامل مع الأضعف. والإنسان الذي لا يستطيع الدفاع عن كرامة من لا يملك القوة للدفاع عن نفسه، لم يفهم جوهر الأخلاق مهما أكثر من الحديث عنها.
تشبه هذه الذهنية أسطورة بروكرست؛ الرجل الذي كان يملك سريرًا واحدًا ويريد من الجميع أن يطابقوا مقاسه. فإذا جاء شخص أطول من السرير قطع منه ما يزيد، وإذا جاء شخص أقصر منه مدّه حتى يتوافق معه. لم يكن يراجع السرير، بل كان يجبر الناس على الخضوع له.
وهكذا تفعل بعض القراءات عندما تواجه تغير المجتمع وتطور الوعي؛ بدل أن تسأل هل ما نملكه من أفكار ما زال يحقق العدل والرحمة، تحاول إجبار الواقع على العودة إلى قوالب قديمة. يصبح الإنسان مطالبًا بالتكيف مع الفكرة، بدل أن تُراجع الفكرة أثرها على الإنسان.
ومن المفارقات أن بعض من يرفعون شعار الحفاظ على الأخلاق ينشغلون أحيانًا بتفاصيل تزيد المسافة بين الخطاب الديني والضمير الإنساني. فبدل أن يكون السؤال: كيف نحمي المرأة من الظلم؟ وكيف نحفظ للطفلة طفولتها؟ يتحول النقاش إلى محاولة الدفاع عن أقوال أثارت رفضًا واسعًا لأنها تمس أكثر الفئات حاجة إلى الرعاية.
إن المرأة ليست موضوعًا للمزايدات الفقهية، وليست جسدًا تتنافس حوله الآراء، كما أن الطفلة ليست مساحة لاختبار التأويلات. الإنسان هو الغاية، وكل فكرة أو اجتهاد يفقد هذه الحقيقة يحتاج إلى وقفة صريحة.
والأخطر من وجود رأي مثير للجدل هو وجود عقلية ترفض مناقشته. فالمجتمع الذي يمنع السؤال يعطل المراجعة والتصحيح، والمجتمع الذي يسمح بالنقد يملك فرصة التصحيح. لا يوجد احترام حقيقي لفكرة لا تستطيع الصمود أمام الحوار، ولا توجد قداسة لخطأ بشري لمجرد أنه ارتبط باسم أو مؤسسة.
إن التاريخ لا يتقدم لأن البشر يكررون كل ما ورثوه، بل لأنهم يملكون الشجاعة لتمييز ما يبقى من الماضي وما يحتاج إلى مراجعة. فالتراث قيمة عندما يكون مصدر معرفة، لكنه يصبح عبئًا عندما يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من رؤية الواقع.
وفي النهاية، فإن معيار أي خطاب ديني أو فكري ليس كثرة أتباعه ولا قدمه، بل مقدار ما يزرعه من رحمة وعدل واحترام للإنسان. فالكلمة التي تحمي كرامة الضعيف أقرب إلى الأخلاق من خطاب طويل يبرر ما يرفضه الضمير.
وحين يصبح الابتذال رأيًا لا يُناقش، وحين يصبح السؤال تهمة، وحين يُطلب من الإنسان أن يتنازل عن إحساسه بالعدل حتى يوافق تفسيرًا معينًا، فإن المشكلة لا تكون في الكلمات وحدها، بل في الذهنية التي جعلت من الاجتهاد البشري نهاية الطريق بدل أن يكون بداية للتفكير.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ركلةٌ نحو الغياب
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي
- خيانة على المنبر
- تمثال العامل في أمّ البروم
- ما لا يُقال للصغار
- هل التاريخ سجل مغلق؟
- خصخصة الانسان العراقي: بداية النهاية
- توبيخ العقل الشرقي: قراءة في أزمة التفكير والتغيير


المزيد.....




- العميد محمد أكرمي نيا: لا توجد أي مواجهة بين إيران ودول الجو ...
- تعاون مع الموساد ودخل المسجد.. من سلسلة اعترافات خطيرة لضابط ...
- خدعة بصرية في مقبرة إسلامية بطلها ضابط استخبارات أوكراني
- منهج اختياري عن الإسلام والعرب يثير عاصفة يمينية بأمريكا.. م ...
- الجيش الإيراني: لحقت أضرار جسيمة بهذه القاعدة، التي تضم أيضا ...
- حرس الثورة الاسلامية: على العدو ألا يظن أنه قادر على جعل الح ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية: يجب ألا يعتقد العدو أنه ي ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية: العمليات الإيرانية تركز ح ...
- حرس الثورة الاسلامية: الأصوات التي سُمعت في -باكدشت- ناجمة ح ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا رادار الإنذار المبكر لمنظومة الد ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي جاسم ياسين - حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا