أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مهلا أيها القلب















المزيد.....

قصة قصيرة: مهلا أيها القلب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:25
المحور: الادب والفن
    


في الشرفةِ صخبٌ وضجيج، تتجمعُ براكينُ الأرضِ كلِّها كي تتفجر، ومحطاتُ الانكسارِ تقفُ على حافةِ النهاية في لحظةٍ واحدة، تتقلبُ كوريقاتِ كتابٍ مهملٍ ملقى على الأرضِ في مهبِ ريح في يومِ عاصف، تتحولُ تلك الوريقاتُ مع محطاتِ الحياةِ المتغيرةِ على الدوام، ما بين عبثيةِ الطفولةِ وذلك الدلالِ الثري لأسم على مسمى دلال, فهي البنتُ الوحيدةُ ما بين العديدِ من الذكور بعد انتظارٍ طويل، وفيضُ الحنانِ الذي يولد استحالة عدم الحصول على ما ترغب إليه، ثم ومضةُ العشقِ الأولى التي كان على الحبيبِ أن يكملَ مسيرةَ عطاءِ الأسرة، الخطوبة، وانتظارٌ بفارغِ الصبرِ لحظة اللقاء، ثم ببدايةِ الانتكاسةِ الأولى بالفقدِ ووئدِ الأحلامِ الوردية، حرمانٌ من ذلك الجسدِ الثري بالشباب، عيونٌ كلونِ السماء في صباحٍ ربيعي صافي، والعمرُ يتصاعدُ على أعتابِ دربِ التيه، تيه ما بعده تيه، والوفاءُ لمن امتلكَ القلبَ وسكنَ الشغاف، الوفاءُ لمن سكنَ بين أحشاءِ التراب، الوفاءُ لمن جادَ بالنفسِ في معاركِ العصرِ العبثية، تقفُ الوريقاتُ هنا استجابةً لإرادةِ الريح، وكأن الزمنُ توقفَ كذلك، فدمُ هابيل سيتدفقُ من دونِ انقطاع، إذ توحي بأن شواطئ الأمانِ لا مكان لها على خريطةِ الأيام.
مكوناتُ دمائها لا زالتْ تنادي له في القلبِ مكان وأمان, وخلجاتُ الدواخلِ تتأهبُ استجابة لذلك النداء, تنادي.
- إياك يا سامي أن ترحل, إياك أن تقتلعَ جذوركَ من الأعماق, فهي موشّحةٌ في كلِّ خليةٍ ومسام.
تناديه بأن لا يجعلْ الوجدَ نهايةَ المطاف, ويتركها تشربُ الدموعَ في كلِّ مساء, يتركها تهيمُ في الصحراء, فرحيله يعني جنونها وسيرها في دروب التيه.
تذهبُ دلال إلى مدرستها الواقعة في شمال قريتها على بعد مسافة قليلة عن مركز القضاء، كمعلمةٍ للغةِ العربية، بعد أيامٍ من أحزانها الطويلة، تجوبُ روحُها الطرقات، تسبقها كأنها تستطلعُ المكان، الأزقة، فللروحِ عيونٌ، وأيةُ عيون، إنها تُبصر رمادَ الحروب، ذلك الرمادُ الذي يزدادُ وهجاً حينما تنطفئ الأنوار، وحينما لا ترى بعينِ الحقيقةِ آثارَ الدمار، آثارَ الألمِ والنكسات، آثارَ العتمةِ وتلاطمِ الأفكار، فالأحلامُ ما هي إلا هروباً من الضياع، من الشتات، من الوجعِ المتكرر.
تداهمها ومضةُ الحُبِ الأولى، تتسللُ إلى خلجاتِ القلب خلسة، تلك الجرعةُ الشبيهةُ بمادةٍ مخدرةٍ من دون صحوة، ثم وإذا به يداهم الروح، فتتخيلُ نفسها تسافرُ في الملكوتِ تبحثُ عن لقاءٍ مرتقبٍ بسامي حتى وإن كان في عالمِ الأطياف، ليمطرَ الفكرَ بوابلٍ من التشتتِ الذهني، أقربُ إلى حالةِ اللاوعي، إنه الجنون.
- اسرق قلبي, ماذا تنتظر؟ فلقد اتعبه الخفقان.
تتوسل بسامي ألا يتركها كالمصلوبِ في قاعِ البحر، أو ما بين أمواجه، تبحثُ عن مرسى في الشطآن، كي ينقذها من ملاحقة طيفه، إذ تستشعر بأنه يتشكلُ كالسراب، فيتركها على شرفةِ الانتظار، تحتضن أوراقَها وذكرياتها كلَّها التي نقشتها في القلبِ قبل القرطاس، تصرخُ في صورتها التي تظهر في زجاجةِ النافذة.
- لقد اضناني الهجر, من فرطِ الهوى, من فرط ِالروحِ إلى ذلك اللقاء.
تهرول خلفه, تدخل في العتمةِ مع الضباب, تمد يديها.
- لا تتركني في ظلمةِ الطرق, وظلمةِ الهواجس, فأنا في شوقٍ إلى لقياك.
الحروفُ تصمتُ بذهول، تتلونُ بلونِ الحزنِ حين الابتعاد، أو تركدُ بطنينٍ خاوٍ، لا معنى له، وتنتحبُ الأحلامُ يعتريها شرودُ الحنين، تتوه ما بين الحقيقةِ وطيفٍ يزور، فَتَهْتَزُّ العيونُ ذهولاً، وترتجفُ الروحُ خوفاً، وتمرُ الأناملُ على حبرِ الكلماتِ وما بين السطور، خوفاً، وجلاً، حنيناً، بالصبرِ تدعو، بالدمع، بالسهدِ والتنهيد، فتتناثرُ المعاني على أعقابِ الحصون، لترسمَ تيهَ القلبِ على جدارِ الصمت.
تشعرُ دلال بأنها مبعثرةٌ فوق الأرض، يداهمها سنُ اليأس في عزِّ الشباب، وقد جفتْ أشلاؤها مع تبخر حبات المطر، واللسانُ معقود، يحتاجُ إلى من يحركه كي ينطلقَ شلالُ الدموع من العيون، وطبولُ اللحنِ الحزين تعزفُ مع وقعِ الأقدام وهي تحملُ الأشلاءَ الممزقة، تتساقطُ جذوعُ الأحلام، وتحضرُ الأيامُ الحبلى بالآلامِ والأحزان، الأجراسُ تتمتم، وصحراءُ اللوعةِ أخذتْ بالتوسعِ بأطيافٍ لتتبدلَ كأنها كثبانٌ من رمال، فلقد كان لها قلباً يسكنه الحُب، واليومُ بدأ يستولي عليه الخراب، فاجعةُ الفراق، الأشباح، والمصاطبُ بلا تبادل في النظرات، والعمرُ يتمددُ على خريطةٍ صماءٍ ممزقة، فتستولي الوحشةُ على الكيانِ والوجود، تسمعُ كأنه فحيحُ في صدرها.
- ترى هل هو بداية للاختناق؟
أمضت أكثر سني العمر ما بين الانتظارِ الممتد من الهدف وإلى اللاهدف، باجترارِ الذكريات بشكلٍ يومي واستحالةِ النسيان، لا تعرفُ ما هي الخطوةَ الأولى، وكيف يكونُ المآل، وشجرةُ الأمنياتِ قد ذبلتْ أوراقها، وبدأتْ تتساقطُ لتصنعَ خشخشةً مع دواماتِ الهواء المتكررة، لذا لا شيء لديها سوى تكرارٍ لصورِ الماضي، تعيدها عسى أن تخففَ لواعجَ الفقد والفراق، والهروبُ من عالمٍ يسوده سرقةُ البسمةِ والبهجةِ ويجرحُ القلبَ والمشاعرَ، ويفتحُ عنوةً أبوابَ مارد الشر، ويوقفُ الأحلامَ على مقصلةِ خرائطِ الرماد، حتى وإن كانتْ على هيئةِ بقايا إنسان، ويستحضرُ الحكاياتِ الداميةِ كلِّها من جحيمِ الذاكرة، من جحيمِ الأيام، والسيرُ في وضحِ النهار كالعتمةِ من دون الإنصاتِ إلى صوتِ الزمنِ المهدور.
مَن الظالم؟ من المظلوم؟ من عليه أن يلبسَ الثوبَ الجنائزي، ويمشي خلفَ الضحية، من يحركْ بيادقَ الشطرنج؟ إلى الأمام، إلى الأمام، فطرفُ الضعفِ لا بدَ من أن يزال، وتوقفُ الغيومُ عن الهطول، ضحايا لا تعرفُ غيرَ الحرب، لغةٌ وأفولٌ، والأرواحُ تتوزعُ على خارطةِ الغموض، لا خضرة للأمنيات، مروجٌ تبكي التراب.
- ايتها الحالمةُ افيقي, فالكلُّ يتخبطُ في السراب.
عليها أن تستخدمَ مكنسةَ النسيان، إن أمكن، وأن تقتلعَ جذورَ الخذلان، من الجروحِ وواحاتِ الخيال، تستمعُ إلى تلك الهمساتِ اللاهبة، كي تتهيجَ المشاعرُ وتلتهبَ الحواس، فلا تقوى على الثبات، تريدُ أن تفيضَ بالوله، هياماً، كي يسرقَ طول الانتظار، تستحضرُ ذلك الطيف، تستنشق عطره، تبادله النظرات، وتقيّدُ وتصفدُ الأحزان، وتجلسُ على عرشِ مملكةِ العشق، متوجةٌ، مباركةٌ من جيوشِ العاشقين، وتنطلقُ نحو الآفاق، تعانقُ السحاب، كي تسكنَ روحاً قد اختفتْ في غفلةٍ من الزمن، يمتلكُ قلباً صوفياً، يخرجُ العشقُ من خبايا الثنايا، ويصرخُ في وجه النيران، العصيان، وقد يتبرأ في لحظةٍ من وجوده من هذا الوجود.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً


المزيد.....




- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...
- رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر- ...
- عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار ...
- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...
- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مهلا أيها القلب