أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في البحر















المزيد.....

مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في البحر


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 00:16
المحور: قضايا ثقافية
    


لقاءٌ تخيليّ: مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في البحر

مشهد الافتتاح: شاطئُ الذاكرة
المكان: شاطئٌ منسيٌّ على ساحل بورتسموث، حيث مياه القناة الإنجليزية الباردة تلتقي بتراب الذاكرة. الزمان: 25 فبراير 1960، بعد ساعات من مراسم الدفن البحري. يقف جواهر لال نهرو وحيداً، ينظر إلى الأفق حيث غابت السفينة التي حملت جثمان حبيبته. الريح تعبث بعباءته البيضاء، وفي يديه إكليلٌ من القطيفة الذهبية، آخر ما تبقّى له من هديةٍ لم تُقدّم.

جواهر (يهمس، وصوته يكاد يختفي في هدير الأمواج):
إدوينا...
هل تسمعينني؟ هل تصلُ إليكِ كلماتي من فوق هذه المياه التي ابتلعتْكِ؟ لقد وقفتُ هنا طوالَ ساعاتٍ، أنظرُ إلى السفينة التي حملتكِ، وإلى الفرقاطة الهندية التي أرسلتها لترافقكِ في رحلتكِ الأخيرة. أردتُ أن تعلمي أنّ الهند، التي أحببتِها كأبناءها، لم تترككِ وحدكِ في هذه اللحظة.
أتذكرين تلك الليلةَ البعيدة، في سنغافورة، عامَ 1946؟ كنتُ واقفاً على الشاطئ مثلي الآن، أنظرُ إلى البحر، وأشعرُ بوحدةٍ لا توصف. ثمّ جئتِ أنتِ. وقفتِ بجواري، ولم تقولي شيئاً. فقطَ نظرتِ إليَّ، وابتسمتِ. وفي تلك اللحظة، شعرتُ بأنَّ وحدةَ عمري كلِّه قد انقشعتْ.

جواهر (يمدُّ يده نحو البحر، كأنه يلمس وجهها):
كيف لي أن أتقبّلَ أنَّكِ رحلتِ؟ كيف لي أن أصدّقَ أنَّ هذه المياه الباردة هي الآن مَهْدُكِ الأبديّ؟ لقد نِمْتِ في سلامٍ في بورنيو، وأنتِ في رحلتِكِ الإنسانيةِ مع فرقةِ سانت جون للإسعاف. لكنّني لم أنمْ منذُ ذلك اليوم. كلُّ ليلةٍ أفتحُ رسائلكِ، أقرأُ كلماتِكِ، وأبكي.
أتذكرين رسالتكِ الأخيرة؟ تلك التي وصلتني قبل أيامٍ من رحيلكِ؟ كنتِ تقولين فيها: "سأعودُ يا جواهر، سأزورُ الهندَ في مارس، سأرى المستشفى في فيلور، وسأراكَ". وما زلتُ أنتظرُكِ.

جواهر (يجلس على رمال الشاطئ، يضع إكليلَ القطيفةِ بجانبه):
هذا الإكليل... كنتُ أريدُ أن أرميَه على مياهِ القبرِ بنفسي. لكنَّ المسافةَ كانت بعيدةً جداً، والفرقاطةُ الهنديةُ هي التي ألقتْه بدلاً عنّي. قطيفةٌ ذهبية، مثلَ ضحكتِكِ، مثلَ روحِكِ المشرقة. أتذكرين كيف كنتِ تضحكين؟ كان ضحكُكِ يملأُ القصرَ كلَّه، يملأُ الهندَ كلَّها. حتى في أيامِ التقسيمِ الدامية، حينَ كانَ الدمُ يَسيحُ في شوارعِ البنجاب، كنتِ تضحكين معَ الأطفالِ الجائعين، كنتِ تمسحينَ دموعَ اليتامى.
لقد أحببتِ الهندَ أكثرَ مما أحبَّها كثيرونَ من أبنائها.

جواهر (يرفعُ رأسه إلى السماء، وصوته يرتجف):
أتعلمين ما هو أغربُ شيءٍ في قصّتنا؟ أنَّ ديكي، زوجَكِ، كان يعرفُ كلَّ شيءٍ، وكانَ مع ذلكَ صديقي. كانَ يعرفُ أنَّ حبّي لكِ لم يكنْ خيانةً، بل كانَ امتداداً لحبِّنا للهند، للحرية، للجمال. كان يقولُ لي: "إدوينا تحبُّكَ، وأنا أحبُّها، وهذا يكفيني". يا له من رجلٍ عظيم! يا لها من علاقةٍ غريبةٍ جميلة!
أتذكرين عندما زرتِ الهندَ آخرَ مرّة؟ في ينايرَ الماضي. كنتِ هنا في دلهي، قضينا ساعاتٍ نتحدثُ عن كلِّ شيءٍ وعن لا شيء. كنتِ تقولين لي: "جواهر، أنتَ أكبرُ من السياسة، أنتَ روحُ الهندِ الحقيقي". وأنا كنتُ أقولُ لكِ: "وأنتِ يا إدوينا، أنتِ روحُ السلامِ التي تنسابُ بينَ الشرقِ والغرب".

جواهر (يمسح عينيه بكمِّ عباءته):
عندما وصلني خبرُ رحيلِكِ، كنتُ في الهند. أخبرتني راجكوماري أمريت كور، صديقتُنا المشتركة. لم أصدّق. ظللتُ أكرّرُ: "لا، هذا غيرُ ممكن، لقد كنتُ معها قبلَ أيامٍ". لكنَّ الخبرَ كانَ حقيقيّاً، قاسياً كموجةٍ جارفة.
أرسلتُ الفرقاطةَ الهنديةَ "آي إن إس تريشول" لترافقَ نعشَكِ في رحلتِه الأخيرة. أردتُ أن تعلمَ بريطانيا، والعالمُ كلُّه، أنّ الهندَ تُودِّعُ ابنةً لها. لقد منحْتِنا أكثرَ ممّا منحْنا لكِ. كنتِ آخرَ نائبةٍ للملكِ في الهند، لكنّكِ كنتِ أوّلَ محبّةٍ حقيقيّةٍ للهندِ في قلبي.

جواهر (ينظر إلى إكليل القطيفة، يلمسه برفق):
هذه الزهورُ الذهبية... كانتْ تُذكّرُني بكِ كلَّ مرّةٍ أراهَا. في حدائقِ تين مورتاي، كنتُ أزرعُها لأجلِكِ. كنتُ أتمنّى لو أنّكِ تأتينَ لتريها. والآنَ، سأرميها في البحرِ بنفسي، هنا، حيثُ جثمانُكِ يرقدُ في أعماقِ المياهِ الباردة.
(يقف، يتقدّم نحو الماء، يرفع إكليل القطيفة):
إدوينا... أنتِ الآنَ جزءٌ من هذا البحرِ الواسع. ستسافرينَ معَ الأمواجِ إلى كلِّ شواطئِ العالم. إلى الهندِ أيضاً. كلَّما نظرتُ إلى البحرِ، سأراكِ. كلَّما سمعتُ هديرَ الأمواجِ، سأسمعُ ضحكتَكِ. أنتِ لم تَرْحَلي، أنتِ فقطِ تحوّلتِ إلى ماءٍ ونورٍ وريح.

جواهر (يرمي الإكليل في الماء، ويبقى واقفاً ينظر إليه وهو يطفو بعيداً):
في رسالتي الأخيرةِ إليكِ، التي كتبتُها قبلَ أيامٍ من رحيلِكِ، قلتُ لكِ: "الحبُّ الحقيقيُّ لا يموتُ. إنّه يتحوّلُ إلى نجمٍ يُضيءُ في سماءِ الروح". كنتُ أظنُّ أنَّني أتحدّثُ بلغةِ الشعراء. لكنّني الآنَ أؤمنُ بذلكَ حقّاً.
أنتِ ذلكَ النجمُ، يا إدوينا. نجمٌ يضيءُ في سمائي، في سماءِ الهندِ التي أحبَبْتِها. كلَّما نظرتُ إلى الأعلى، سأراكِ. كلَّما شعرتُ بالوحدةِ، سأتذكّرُ أنّكِ هناكَ، ترقبينَني، وتبتسمينَ.

جواهر (يعود إلى الوراء، يجلس على الرمال، وصوته يخفت):
سأواصلُ الطريقَ يا إدوينا. سأعملُ من أجلِ الهندِ كما وعدْتُكِ. سأحافظُ على حلمِنا المشتركِ: هندٌ حرّةٌ، موحّدةٌ، عادلةٌ. هذا هو إرثُكِ، وهذا هو إرثي.
لقد علّمْتِني أنَّ الحبَّ لا يعرفُ الحدودَ. علّمْتِني أنَّ الروحَ يمكنُ أنْ تلتقيَ، حتّى لو كانتِ الأجسادُ بعيدةً. علّمْتِني أنَّ الحياةَ قصيرةٌ، لكنَّ الحبَّ أبديٌّ.
شكراً لكِ يا إدوينا. على كلِّ لحظةٍ قضيناها معاً. على كلِّ رسالةٍ تبادلناها. على كلِّ نظرةٍ، وكلِّ ابتسامةٍ، وكلِّ صمتٍ جميلٍ جمعنا.

جواهر (يهمس بصوتٍ لا يكاد يُسمع):
سأعودُ إلى الهندِ غداً. سأقفُ على شرفةِ تين مورتاي، وأنظرُ إلى الشرقِ حيثُ تشرقُ الشمسُ. وفي قلبي، سيكونُ هناكَ دائمًا مكانٌ لكِ. مكانٌ لا تملؤه السياسةُ، ولا تنساهُ السنون.
وداعاً يا حبيبتي. وداعاً يا إدوينا.
أو ربّما... إلى اللقاءِ في سماءِ الروح.

خاتمة: في محراب الذاكرة
يقف جواهر طويلاً على الشاطئ، ينظر إلى الأفق حيث غاب إكليل القطيفة الذهبية. الريح تعبث بشعره الأبيض، والموج يهمس بأغنيةٍ قديمة. ثم، ببطء، يستدير ويمشي بعيداً، تاركاً وراءه البحرَ وحبيبته، وحكايةَ حبٍّ لا تموت.
في تلك اللحظة، في مكانٍ ما بين السماء والماء، تبتسم إدوينا. ويهمس صوتها مع الريح:
"وداعاً يا جواهر. سأكونُ معكَ دائماً. في كلِّ زهرةٍ قطيفةٍ تزهرُ في حدائقِ الهند، وفي كلِّ موجةٍ تصلُ إلى شواطئها."

ملاحظة تاريخية
استند هذا الحوار إلى وقائع تاريخية موثقة:
• توفيت إدوينا مونتباتن في 21 فبراير 1960 أثناء نومها في جيسلتون، بورنيو الشمالية البريطانية، عن عمر 58 عاماً.
• دُفنت في البحر قبالة ساحل بورتسموث من على متن السفينة "إتش إم إس ويكفول" في 25 فبراير 1960، بحضور رئيس أساقفة كانتربري.
• أرسل نهرو الفرقاطة الهندية "آي إن إس تريشول" لمرافقة السفينة وإلقاء إكليل من الزهور.
• كانت علاقتهما العاطفية العميقة قد بدأت عام 1946 واستمرت حتى وفاتها، وأقرّ نهرو نفسه في رسالةٍ له بأنّ "قوةً لا يمكن السيطرة عليها" كانت تجذبه إليها.
• كان من المقرر أن تزور إدوينا الهند في مارس 1960، وكان نهرو قد رتّب برنامج زيارتها.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار افتراضي مع وليم شكسبير
- حوار افتراضي مع جورج جاك دانتون
- حوار افتراضي مع الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري( حكيم المع ...
- حوار افتراضي مع تشي غيفارا
- حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا
- استغلال المخابرات البريطانية للدين عبر التاريخ
- قراءة في قصيدة -التمثال- للشاعر علي محمود طه
- إيران إلى أين في ظل الحرب المستمرة؟
- الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني
- خطوط نقل النفط في منطقة الشرق الأوسط وأسباب توقف كل خط عن ال ...
- ابنة الفجر لإيليا أبو ماضي: دراسة تحليلية
- الإغتراب في أدب الشاعر خير الدين الزركلي
- ضعف الغرب في أوكرانيا يعني خسارة تايوان: بحث أكاديمي في التر ...
- ليندسي غراهام: سيرة سياسي أميركي مثير للجدل
- قراءة في قصيدة -الشاعر في السماء- لإيليا أبو ماضي
- أدب المقاومة في شعر خير الدين الزركلي
- الفطام الإرادي: كيف تخطط إسرائيل لفطام نفسها عن الولايات الم ...
- تاريخ التشارك المخابراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة عبر ا ...
- كم يضيق الأفق عندما نقيس الأمور من منظور طائفي!
- أمريكا تقول -أنا أنفذ المطلوب مني في إيران-: قراءة في أحادية ...


المزيد.....




- فيديو منسوب إلى حرائق الغابات في فرنسا وإسبانيا.. هذه حقيقته ...
- النيران خلفهم والبحر أمامهم.. إنقاذ مئات السياح في إيطاليا م ...
- إصابة تسعة أشخاص في صاعقة برق بمطار أرتورو ميشيلينا الدولي ب ...
- راقصات مولان روج يستقبلن ختام طواف فرنسا في باريس
- مشيعون يضعون الزهور والشموع بعد هجوم قاتل قرب مهرجان -برايد- ...
- غوتيريش يدعو إلى رفع فوري للعقوبات في ختام زيارته الى سوريا ...
- الخارجية الفلسطينية تدين إحراق مسجدين
- تفاصيل اتفاقية التعاون الدفاعي الشامل بين الكويت وباكستان
- انقسام داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية
- بوشيلين: مقتل مدنيين وإصابة 14 آخرين جراء قصف مسيرات جوية أو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في البحر