احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:53
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الملخص
في الثالث من يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق في العاصمة الفنزويلية كراكاس، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما قسراً إلى نيويورك لمواجهة تهم جنائية أمريكية. تلا ذلك مباشرة سيطرة واشنطن على عائدات تصدير النفط الفنزويلي، التي تشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه الأفعال في ضوء القانون الدولي، ودراسة الآليات التي تم بها الاستيلاء على عائدات النفط، وتقييم التداعيات الإنسانية على الشعب الفنزويلي في ظل كارثة الزلزال المدمر التي أعقبت ذلك. توصلت الدراسة إلى أن عملية الاعتقال تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة وحصانة رؤسائها بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وأن إدارة عائدات النفط تمت في ظل غياب تام للشفافية والرقابة، مما فاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً في فنزويلا.
الكلمات المفتاحية: مادورو، فنزويلا، القانون الدولي، السيادة، عائدات النفط، العقوبات، الأزمة الإنسانية.
أولاً: المقدمة
شكل صباح الثالث من يناير 2026 نقطة تحول دراماتيكية في العلاقات الدولية، عندما شنت القوات الأمريكية عملية عسكرية واسعة النطاق في العاصمة الفنزويلية كراكاس، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية، مؤكداً أن الولايات المتحدة "ستدير البلاد" حتى يتم انتقال آمن للسلطة.
لم تقتصر العملية على الاعتقال، بل امتدت لتشمل السيطرة الكاملة على قطاع النفط الفنزويلي. فبحسب تقديرات مستقلة، جمعت الإدارة الأمريكية أكثر من 13 مليار دولار من عائدات النفط الفنزويلي منذ يناير 2026. غير أن مصير هذه الأموال ظل غامضاً، وسط تناقضات في التصريحات الرسمية الأمريكية.
تتناول هذه الورقة الإشكالية القانونية التالية: هل يشكل اعتقال رئيس دولة منتخب والاستيلاء على ثرواتها الوطنية انتهاكات للقانون الدولي؟ وما هي التداعيات الإنسانية لهذه الإجراءات على الشعب الفنزويلي؟
ثانياً: العملية العسكرية – "العزم المطلق" في ميزان القانون الدولي
2.1 وقائع العملية
في فجر 3 يناير 2026، نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، شملت غارات جوية على أهداف عسكرية في شمال فنزويلا واقتحاماً برياً لمسكن الرئيس مادورو في كراكاس. نقل مادورو وزوجته إلى السفينة الحربية "يو إس إس إيو جيما"، ثم إلى نيويورك حيث وُجها بتهم تتعلق بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات". وأكدت السلطات الفنزويلية مقتل جزء كبير من الفريق الأمني لمادورو، كما أعلنت الحكومة الكوبية مقتل 32 كوبياً كانوا يؤدون مهام عسكرية في فنزويلا.
2.2 انتهاك مبدأ سيادة الدول وحصانة رؤسائها
يجمع خبراء القانون الدولي على أن العملية تشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ سيادة الدول، وهو أحد الركائز الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة. فقد وصف معهد تشاتام هاوس (Chatham House) العملية بأنها "انتهاك كبير لسيادة فنزويلا وميثاق الأمم المتحدة"، مشيراً إلى أنه "من الصعب تصور مبررات قانونية محتملة لنقل مادورو إلى الولايات المتحدة".
وقد أكدت ورقة بحثية صادرة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني أن "علماء القانون والسياسيين تساءلوا عما إذا كانت العملية قانونية بموجب القانون الدولي". وأشارت إلى غياب أي تفويض من مجلس الأمن، وعدم وجود حالة دفاع عن النفس تبرر استخدام القوة.
من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الصينية العملية بأنها "انتهاك واضح للقانون الدولي، والمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، ومقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة". وأكد المتحدث باسم الوزارة أن "الولايات المتحدة استخدمت القوة ضد دولة ذات سيادة وسيطرت قسراً على رئيس البلاد، وهي أعمال تخويف تخرق القانون الدولي بشكل جسيم وتنتهك سيادة فنزويلا". ودعت الصين الولايات المتحدة إلى "الإفراج فوراً عن مادورو وزوجته، والكف عن محاولة قلب نظام الحكم في فنزويلا، وحل القضايا عبر الحوار والمفاوضات".
أما روسيا، فقد أدانت العملية بشدة، ووصفها أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو بأنها "عمل عدواني". وأكد رئيس اتحاد المحامين الروس سيرغي ستيباشين أن روسيا "تصّر على عدم شرعية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الأميركيين". ووصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف اختطاف مادورو بأنه "زلزال جيوسياسي كبير" ويشكل "انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي".
2.3 تناقض التبريرات الأمريكية
أثار تناقض التصريحات الأمريكية تساؤلات حول مشروعية الإجراء. فبينما وُصفت العملية تارة بأنها "مهمة استخلاص قضائية"، أعلن ترامب في مؤتمره الصحفي أن الولايات المتحدة "ستدير البلاد". وقد لفت معهد تشاتام هاوس إلى أن "هناك عزيمة على استخدام التهديد بالقوة لاستخلاص الأموال والموارد تعويضاً عن أصول وممتلكات أمريكية يُزعم أنها سُرقت أو أُدمجت".
وقد حذّرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أن "سجل انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة في عهد حكومة مادورو لا يبرر تدخلاً عسكرياً أمريكياً يخرق القانون الدولي".
ثالثاً: الاستيلاء على عائدات النفط – "الصندوق الأسود"
3.1 حجم العائدات المجمعة
تشير تقديرات مستقلة، استندت إلى بيانات شركتي "كيبلر" و"أرغوس ميديا" لأسعار النفط، إلى أن إدارة ترامب جمعت أكثر من 13 مليار دولار من عائدات النفط الفنزويلي في عام 2026 وحده. ولا تشمل هذه التقديرات عائدات التعدين، التي اعترف مسؤولون أمريكيون بجمعها أيضاً.
3.2 غياب الشفافية
أقامت الحكومة الفنزويلية موقعاً إلكترونياً لتتبع عائدات النفط الخاضعة للسيطرة الأمريكية، لكنه لم يسجل سوى تحويل واحد قيمته 300 مليون دولار. وفي أبريل، أخبر المسؤول الكبير في الخارجية الأمريكية مايكل كوزاك الكونغرس بأن نحو 3 مليارات دولار حُولت إلى فنزويلا، مع وعد بتقارير ربع سنوية، لكن أعضاء الكونغرس أفادوا بعدم تلقيهم هذه التقارير.
وقد أعرب محللون عن قلقهم من أن "محدودية تحويل الأموال أضعفت الفوائد الاقتصادية المتوقعة من استئناف صادرات النفط". وعلق الخبير الاقتصادي فرانسيسكو رودريغيز على أن نمو الاقتصاد الفنزويلي في الربع الأول بلغ 2.5% فقط، وهو "أضعف معدل في خمس سنوات تقريباً"، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة احتفظت بالسيطرة على عائدات النفط.
3.3 التناقض في الرواية الأمريكية
تراوحت التصريحات الأمريكية بين وصف دورها بأنه "وصاية" على الأموال في أمر تنفيذي، وبين تفاخر ترامب بأن الولايات المتحدة "تجني الكثير من المال" من النفط الفنزويلي. وقد صرّح ترامب قائلاً: "هذا النفط سيُباع بسعر السوق، وهذا المال سيكون تحت سيطرتي، كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية".
وقد علق النائب الديمقراطي خواكين كاسترو قائلاً: "كان غزو ترامب لفنزويلا يتعلق بالنفط والسلطة والفساد منذ البداية، حيث تتحكم إدارة ترامب بمليارات الدولارات من عائدات النفط الفنزويلي دون شفافية أو ضمانات". وانضم إليه جمهوريون في المطالبة بالشفافية، حيث طالبت النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار الإدارة بـ"الكشف علناً عن كيفية استخدام الأموال وضمان مساءلة مالية أكبر".
3.4 قراءة نقدية: النفط والدافع الحقيقي
يشير تحليل صادر عن موقع "تشاينا أورغ" (China.org.cn) إلى أن "الخطاب الرسمي الأمريكي يؤكد على العدالة والأمن ومكافحة الاتجار بالمخدرات، لكن النتائج الاستراتيجية تشير إلى منطق مألوف أكثر بكثير". ولفت التحليل إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وأن "السيطرة على كيفية استخراج هذا النفط وبيعه وتوجيهه جيوسياسياً تحمل قيمة استراتيجية هائلة". وأضاف أن "التحرك الأمريكي يؤكد أن نصف الكرة الغربي لا يزال منطقة نفوذ أمريكية".
كما أشار خبراء في معهد بروكينغز إلى أن ترامب "جعل من الواضح في مؤتمره الصحفي أن العملية العسكرية في فنزويلا كانت تتعلق إلى حد كبير بالنفط". ووصفت الباحثة كيتلين تالمادج العملية بأنها "تجسيد للطريقة الأمريكية في الحرب منذ 11 سبتمبر/أيلول: تكتيكات مذهلة في فعاليتها، لكنها منفصلة بشكل خطير عن أي رواية متماسكة حول كيفية تحقيق النجاح الاستراتيجي".
رابعاً: التداعيات الإنسانية – كارثة فوق أزمة
4.1 الأوضاع الاقتصادية المتردية قبل الاعتقال
كانت فنزويلا تعاني أزمة اقتصادية حادة قبل العملية العسكرية. فقد حذّرت الأمم المتحدة من أنه "حتى قبل هذه الزلازل، كان نحو 8 ملايين شخص في فنزويلا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية".
4.2 الزلازل المدمرة (يونيو 2026)
في 24 يونيو 2026، ضرب زلزالان عنيفان بقوة 7.2 و7.5 درجات شمال وسط فنزويلا. وقدّر مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR) الأضرار المادية المباشرة للمباني والبنية التحتية بنحو 37 مليار دولار. وارتفعت حصيلة القتلى إلى أكثر من 4500 شخص.
4.3 غياب الإغاثة رغم توفر الأموال
رغم جمع أكثر من 13 مليار دولار من عائدات النفط، خصصت الولايات المتحدة مساعدات لفنزويلا بقيمة 386 مليون دولار فقط. وحذّر مسؤولون أمميون من أن فنزويلا تواجه "كارثة تزيد بشكل كبير من ضعف السكان وتفاقم أزمات حقوق الإنسان والإنسانية". وفي غضون أربعة أسابيع فقط، ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية بمقدار 1.4 مليون شخص.
من جهة أخرى، أرسلت روسيا أكثر من 35 طناً من المساعدات الإنسانية إلى فنزويلا، شملت مواد غذائية وخيماً وأدوية، وأعربت الحكومة الفنزويلية عن شكرها لروسيا على هذه المساعدات.
خامساً: الموقف الدولي والإدانة
أثارت العملية إدانات دولية واسعة. فقد أدانتها الصين ووصفتها بأنها "أعمال تخويف"، بينما أكدت روسيا "إدانتها الشديدة لأعمال واشنطن". وفي الداخل الأمريكي، طالب أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالإفصاح عن كيفية استخدام الأموال وضمان مساءلة مالية أكبر.
كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه من أن العملية تشكل "سابقة خطيرة"، وحذّرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أن "انتهاكات القانون الدولي لا يمكن تبريرها". ومن جانبها، أدانت اللجنة الدولية للقضاة (ICJ) الهجمات الأمريكية على فنزويلا ووصفتها بأنها "استخدام غير قانوني للقوة وانتهاك واضح للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة".
سادساً: الخاتمة
تشكل عملية اعتقال الرئيس مادورو والاستيلاء على عائدات النفط الفنزويلي سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. فقد تم انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، واختطاف رئيسها المنتخب، والاستيلاء على ثرواتها الوطنية في غياب تام للشفافية والرقابة.
لقد أثبتت الأحداث أن التبريرات الأمريكية كانت مجرد غطاء لمشروع أوسع يهدف إلى السيطرة على أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم. وقد تجلى هذا بوضوح في تناقض التصريحات الأمريكية، وفي تفاخر ترامب بالعائدات المالية، وفي غياب أي أثر ملموس لهذه العائدات على الشعب الفنزويلي الذي يعاني من أسوأ كارثة إنسانية في تاريخه الحديث.
إن ما حدث في فنزويلا ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي. فإذا سُمح لدولة عظمى باختطاف رئيس دولة والاستيلاء على ثرواتها تحت ذرائع واهية، فإن أسس النظام الدولي القائم على سيادة القانون ستنهار، وسيصبح العالم مسرحاً لقانون الغاب حيث القوة هي الفيصل الوحيد.
تدعو هذه الورقة المجتمع الدولي إلى:
1. تفعيل آليات المساءلة: مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في انتهاكات القانون الدولي.
2. فرض الشفافية: الكشف الكامل عن مصير عائدات النفط الفنزويلي.
3. توجيه الإغاثة: ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب الفنزويلي المنكوب.
4. إعادة النظر في شرعية الإجراءات: مراجعة الأسس القانونية للعملية برمتها.
المراجع
[1] Chatham House. (2026, January 4). The US capture of President Nicolás Maduro – and attacks on Venezuela – have no justification in international law.
[2] UK Parliament, House of Commons Library. (2026, July 8). The US capture of Nicolás Maduro (Research Briefing CBP-10452).
[3] Xinhua News Agency. (2026, January 4). China calls on U.S. to release Venezuelan President Nicolás Maduro and his wife at once.
[4] TASS Russian News Agency. (2026, January 27). Chinese Foreign Ministry expresses support for Nicolas Maduro, who was captured by US.
[5] TASS Russian News Agency. (2026, May 27). Russia strongly condemns US actions in Venezuela, Maduro’s seizure — top security official.
[6] TASS Russian News Agency. (2026, January 28). Maduro hard to rescue legally, only via UN — lawyer.
[7] China.org.cn. (2026, January 16). What the US Capture of Maduro really means for the world.
[8] Xinhua News Agency. (2026, July 22). Trump administration faces scrutiny over Venezuelan oil revenue: media.
[9] Press TV. (2026, July 23). Report: Billions in Venezuelan revenues vanish under Washington control.
[10] Brookings Institution. (2026, January 5). Making sense of the US military operation in Venezuela.
[11] Brookings Institution. (2026, January 8). What did the US achieve in the Venezuela operation?
[12] United Nations Office for Disaster Risk Reduction (UNDRR). (2026, July 6). Venezuela quake: UN continues to scale up as damage estimate reaches -$-37 billion.
[13] UN Office of the High Commissioner for Human Rights. (2026). Venezuela: UN Fact-Finding Mission expresses grave concern following US military intervention.
[14] International Commission of Jurists. (2026, January 5). United States/Venezuela: Territorial sovereignty, the rule of law and human rights must be guaranteed and respected.
[15] TASS Russian News Agency. (2026, July 15). Venezuela s acting president thanks Russia for humanitarian assistance.
[16] TASS Russian News Agency. (2026, July 11). Venezuela thanks Russia for humanitarian assistance.
[17] UN News. (2026, July 8). ‘Help is coming’: UN relief chief briefs on Venezuela quake recovery.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟