احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 10:13
المحور:
الادب والفن
دراسة نقدية في الإعلام الأمني الأوروبي المعاصر
الخبر في "إيشو البلجيكية": قراءة في البنية والدلالة
ظهر في منصة "إيشو البلجيكية" يوم السادس من تموز 2026 خبر مقتضب يقول إن الإنفاق العسكري في ألمانيا قد يصل إلى 30% من الميزانية بحلول عام 2030، مع الإشارة إلى أن وزير المالية الألماني قدّم ميزانية 2027 التي تتضمن زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري "بسبب الصراع مع إيران".
ورغم أن الخبر يبدو للوهلة الأولى مجرد معلومة اقتصادية–أمنية، إلا أن بنيته اللغوية، وطريقة صياغته، والظلال التي يتركها خلفه، تكشف أنه ليس خبرًا محايدًا، بل خطاب موجّه يخدم أهدافًا تتجاوز حدود نقل الوقائع.
فالخبر يعتمد على ثلاث تقنيات دعائية واضحة:
1) التضخيم العددي
يقدّم رقمًا غير موجود في أي وثيقة ألمانية رسمية: "30% من الميزانية". هذا الرقم صادم، ويخلق انطباعًا بأن ألمانيا تتحول إلى دولة عسكرية بالكامل، رغم أن الرقم الحقيقي هو 3.7% من الناتج المحلي، وأن نسبة الدفاع من الميزانية الفدرالية لا تتجاوز 12–18%.
2) الربط المفتعل بصراع خارجي
يُدخل الخبر عنصر "الصراع مع إيران"، رغم أن ألمانيا لم تربط رسميًا زيادة الإنفاق العسكري بهذا الصراع. هذا الربط يخدم وظيفة نفسية: خلق تهديد خارجي يبرّر عسكرة أوروبا.
3) الإيحاء بأن أوروبا تدخل سباق تسلّح
عندما يقرأ المواطن البلجيكي أن ألمانيا — القوة الكبرى — ترفع إنفاقها العسكري إلى 30%، فإن ذلك يخلق شعورًا بأن بلجيكا متأخرة، وأن عليها اللحاق بالركب.
هذه التقنيات الثلاث تكشف أن الخبر ليس بريئًا، بل هو جزء من خطاب إعلامي أمني يتنامى في أوروبا منذ 2022، ويهدف إلى تهيئة الرأي العام لمرحلة عسكرة واسعة.
استهدافات الخبر: لماذا بلجيكا؟ ولماذا الآن؟
لفهم استهدافات الخبر، يجب وضعه في سياق أوسع:
بلجيكا دولة صغيرة، لكنها مركز القرار الأوروبي، ومقر الناتو، وتملك صناعة سلاح قوية (مثل FN Herstal). كما أنها تواجه ضغوطًا أمريكية وأوروبية لرفع إنفاقها العسكري من 1.1% إلى 2% أو 3% من الناتج المحلي.
في هذا السياق، يصبح الخبر أداة وظيفية تخدم سلطة رأس المال العسكري التصنيعي عبر ثلاثة مسارات:
1) تهيئة الرأي العام البلجيكي لقبول زيادة الإنفاق العسكري
عندما يُقال إن ألمانيا — الدولة الأكبر والأغنى — تنفق 30% من ميزانيتها على الدفاع، فإن ذلك يخلق حالة "مقارنة قسرية" تدفع المواطن البلجيكي إلى قبول رفع الإنفاق العسكري دون مقاومة اجتماعية.
2) خدمة المجمع الصناعي العسكري الأوروبي
الشركات الأوروبية الكبرى مثل Rheinmetall وThales وFN Herstal تحتاج إلى:
· عقود جديدة
· ميزانيات دفاع أكبر
· رأي عام متقبّل للعسكرة
والخبر يساهم في خلق هذا المناخ.
3) إعادة تشكيل الوعي البلجيكي
الخبر يقدّم ألمانيا كنموذج يجب الاقتداء به، ويحوّل النقاش من: "كيف نصلح الصحة والتعليم؟" إلى: "كيف نلحق بألمانيا قبل أن نتخلف عسكريًا؟" وهذا التحوّل في الوعي هو الهدف الحقيقي للدعاية الأمنية.
4) تسييل الخوف كأداة سياسية
الربط بين الإنفاق العسكري والصراع مع إيران يخلق حالة خوف، والخوف يُستخدم لتمرير سياسات مالية ضخمة لا يمكن تمريرها في الظروف العادية.
الخبر المنشور في "إيشو البلجيكية" ليس مجرد معلومة، بل هو خطاب دعائي محسوب، يوظّف:
· التضخيم العددي
· صناعة التهديد
· المقارنة القسرية
· تسييل الخوف
لخدمة مصالح رأس المال العسكري التصنيعي، ولتهيئة بلجيكا لرفع إنفاقها العسكري في السنوات المقبلة.
هذا التمهيد يمهّد مباشرة للورقة البحثية التي ستتناول أساليب "غَزْبِلْز الحديدة" في الدعاية التحريضية، ويضع الخبر في سياقه السياسي–الاقتصادي–الإعلامي.
الإطار النظري – الإعلام كذراع للمجمع الصناعي العسكري
تبدأ هذه الدراسة من فرضية أساسية: أن الإعلام الأمني الأوروبي، منذ 2022، لم يعد مجرّد ناقل للخبر، بل تحوّل إلى أداة تعبئة نفسية تُهيّئ المجتمعات لمرحلة عسكرة واسعة، وتعيد تشكيل الوعي العام بما يتوافق مع مصالح رأس المال العسكري التصنيعي.
في هذا السياق، يظهر نموذج "غَزْبِلْز الحديدة" كأحد أكثر الأساليب الإعلامية تطرفًا، إذ يعتمد على:
· لغة حديدية تُضخّم التهديدات
· خطاب تعبوي يربط الأمن القومي بالتصنيع العسكري
· تلاعب بالمصطلحات لإنتاج حالة طوارئ دائمة
· تضخيم أرقام الإنفاق العسكري لإظهار أن "الجيران يتسلّحون"
· إعادة صياغة الواقع بحيث يبدو العالم على حافة حرب كبرى
هذا النموذج لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد، بل هو جزء من منظومة متكاملة تربط: الإعلام ← الرأي العام ← البرلمان ← الميزانية ← مصانع السلاح.
تقنيات الدعاية – كيف تُصنع "الضرورة العسكرية"؟
تعتمد دعاية "غَزْبِلْز الجديدة" على مجموعة من التقنيات الدعائية التي تُحوّل أي حدث سياسي أو أمني إلى مبرّر لزيادة الإنفاق العسكري. أبرز هذه التقنيات:
1) التضخيم العددي
يتم تقديم أرقام غير دقيقة أو مبالغ فيها، مثل الادعاء بأن ألمانيا ستنفق "30% من الميزانية على الدفاع"، رغم أن الرقم الحقيقي هو 3.7% من الناتج المحلي. الهدف ليس الدقة، بل خلق صدمة نفسية لدى القارئ البلجيكي: "ألمانيا تتسلّح… ونحن متأخرون".
2) خلق عدو خارجي
يتم ربط أي زيادة في الإنفاق العسكري بصراع خارجي (إيران، روسيا، الصين)، حتى لو لم يكن هناك رابط مباشر. هذه التقنية تُنتج:
· خوفًا جماعيًا
· شعورًا بأن الحرب قريبة
· قبولًا شعبيًا لميزانيات الدفاع
3) تسييل الخوف
الخوف هنا ليس مجرد شعور، بل سلعة سياسية تُستخدم لتمرير قرارات مالية ضخمة.
4) تأطير الخبر ضمن سردية كبرى
الخبر لا يُقدّم كواقعة، بل كجزء من "حرب حضارية" أو "معركة وجودية"، ما يرفع مستوى التوتر ويُضعف قدرة القارئ على النقد.
البنية الخطابية – كيف تُصاغ اللغة الحديدية؟
لغة "غَزْبِلْز الجديدة" ليست حيادية، بل هي لغة مشحونة، تُبنى على:
1) المفردات العسكرية
"تهديد"، "ردع"، "حشد"، "تصعيد"، "جاهزية"، "خطر داهم". هذه المفردات تُحوّل أي نقاش اقتصادي إلى نقاش وجودي.
2) الاستعارات المعدنية
"الحديد"، "الصلب"، "المدرعات"، "التحصين"، "الجدار الأمني". الهدف: إنتاج صورة ذهنية بأن العالم يتحرك نحو صدام لا مفر منه.
3) التجريد الأخلاقي
يتم تقديم التصنيع العسكري كضرورة أخلاقية، وليس كخيار سياسي قابل للنقاش.
4) إلغاء البدائل
لا يُذكر أي خيار آخر غير التسلّح: لا الدبلوماسية، لا التنمية، لا الإصلاح الاجتماعي.
خدمة رأس المال العسكري – من يصنع الخطاب؟
هنا تدخل الدراسة في صلب الموضوع: من المستفيد من هذا الخطاب؟
1) الشركات العسكرية الأوروبية
مثل Rheinmetall، Thales، FN Herstal البلجيكية. هذه الشركات تحتاج إلى:
· عقود جديدة
· ميزانيات دفاع أكبر
· رأي عام متقبّل للعسكرة
2) الطبقة السياسية المرتبطة بالناتو
الخطاب الإعلامي يساعدها على تمرير سياسات غير شعبية.
3) الأسواق المالية
الإنفاق العسكري يخلق:
· طلبًا مستمرًا
· أرباحًا عالية
· استقرارًا في أسهم شركات السلاح
4) الولايات المتحدة
تضغط على أوروبا لرفع الإنفاق العسكري إلى 3% من الناتج المحلي، ما يعني:
· شراء المزيد من السلاح الأمريكي
· تبعية أمنية مستمرة
أثر الدعاية على بلجيكا – لماذا بلجيكا تحديدًا؟
بلجيكا دولة صغيرة، لكنها:
· مقر الناتو
· مقر الاتحاد الأوروبي
· تمتلك صناعة سلاح قوية
· تعتمد على قرارات بروكسل الأمنية
لذلك فإن خطاب "غَزْبِلْز الجديدة" يخدم هدفًا محددًا: دفع بلجيكا لرفع إنفاقها العسكري من 1.1% إلى 2% أو 3%، ما يعني عقودًا جديدة لشركات السلاح البلجيكية والأوروبية.
النتيجة الاجتماعية
· تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم
· زيادة الدين العام
· عسكرة الوعي العام
· تراجع النقاش الديمقراطي لصالح خطاب الطوارئ
النتيجة السياسية
· صعود الأحزاب اليمينية
· تراجع الأحزاب الاجتماعية
· تحوّل الدولة إلى "دولة أمنية"
التحليل النقدي: بين الدعاية والحقيقة
أولاً: قراءة في المضمون الضمني للخبر
عند تحليل خبر "إيشو البلجيكية" نقديًا، نكتشف أنه يحمل أكثر مما يظهر على السطح. فالخبر يخلق علاقة سببية وهمية بين الصراع مع إيران والإنفاق العسكري الألماني، رغم أن الوثائق الرسمية الألمانية لا تذكر أي ارتباط من هذا القبيل. هذه المغالطة المنطقية ليست مجرد خطأ صحفي، بل هي تقنية دعائية متعمدة تهدف إلى تغذية المخاوف الجماهيرية.
ثانيًا: غياب المصادر وتعميم التهديد
يتجاهل الخبر ذكر أي مصدر رسمي أو وثيقة حكومية ألمانية، ويستخدم لغة فضفاضة تسمح بتأويلات متعددة، مما يجعله أداة مثالية للتلاعب بالرأي العام. كما أن تعميم التهديد ليشمل جميع الدول الأوروبية يخلق حالة من الذعر الجماعي التي تخدم أجندة التسليح.
ثالثًا: المفارقة بين الخطاب والواقع
في الوقت الذي يصور فيه الخبر ألمانيا على أنها تنفق 30% من ميزانيتها على الدفاع، فإن الواقع يشير إلى أن الإنفاق العسكري الألماني لا يتجاوز نسبًا ضئيلة من الميزانية الفدرالية، وأن ألمانيا لا تزال بعيدة جدًا عن أي تحول إلى "دولة عسكرية". هذا الفارق بين الخطاب والواقع هو جوهر الدعاية التحريضية.
نحو نقد جذري للإعلام الأمني الأوروبي
تُظهر هذه الدراسة أن "غَزْبِلْز الجديدة" ليست مجرد أسلوب صحفي، بل هي أداة سياسية–اقتصادية تُستخدم لإعادة تشكيل أوروبا وفق مصالح رأس المال العسكري.
إن تفكيك هذا الخطاب ضرورة ديمقراطية، لأن عسكرة الوعي هي الخطوة الأولى نحو عسكرة الدولة.
التوصيات:
1. إعادة النظر في مهنية الإعلام الأمني من خلال وضع معايير أخلاقية صارمة تنظم نقل الأخبار المتعلقة بالدفاع والتسليح، وتمنع التضخيم العددي والربط المفتعل بين الأحداث.
2. تعزيز الوعي النقدي لدى الجمهور عبر برامج تعليمية وإعلامية تهدف إلى تمكين المواطنين من تفكيك الخطابات الدعائية، والتعرف على تقنيات التضليل الإعلامي.
3. إخضاع ميزانيات الدفاع لرقابة برلمانية ومدنية موسعة لضمان أن تكون أي زيادة في الإنفاق العسكري مبنية على أسس موضوعية وليس على ذرائع دعائية.
4. دعم الإعلام المستقل والبحث الأكاديمي في مجال الدراسات النقدية للإعلام لرصد وتفكيك خطابات الحرب والدعاية الأمنية.
قائمة المراجع الأساسية :
1. Chomsky, N., & Herman, E. S. (1988). Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. Pantheon Books.
2. Ellul, J. (1965). Propaganda: The Formation of Men s Attitudes. Vintage Books.
3. Bernays, E. L. (1928). Propaganda. Horace Liveright.
4. Arendt, H. (1951). The Origins of Totalitarianism. Harcourt Brace.
5. Foucault, M. (1977). Discipline and Punish. Pantheon Books.
6. Bourdieu, P. (1998). On Television. The New Press.
7. تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) حول الإنفاق العسكري الأوروبي 2022-2026.
8. وثائق الاتحاد الأوروبي حول "البوصلة الاستراتيجية" والأمن الدفاعي الأوروبي.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟