|
|
نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 11:02
المحور:
الادب والفن
الشخصيات
الشخصيات الرئيسية:
· الأميرة ستار سترايبس - روح الإمبراطورية الأمريكية، متعجرفة، منهكة، تتحدث بلهجة جنوبية ثقيلة · الجنرال ريتيريت - قائد القوات الأمريكية في غرب آسيا، محبط، واقعي، يشخر بصوت عالٍ · السيد أهواني - دبلوماسي إيراني، ساخر، ذكي، يأكل الفستق باستمرار · الرفيق لونغ مارش - مستشار صيني، هادئ، غامض، يبتسم دائماً · الجنرال ستروغينوف - عسكري روسي، فظ، يشرب الفودكا، يتحدث بنظريات مؤامرة · السيد نتس - رئيس وزراء الكيان الصهيوني، عصبي، متشائم، يقرأ كتباً عن سقوط الإمبراطوريات
الشخصيات الثانوية:
· الجندي سام - جندي أمريكي شاب، ساذج، يحلم بالعودة إلى مزرعة عائلته · السيدة فاطمة - لاجئة فلسطينية، حكيمة، صبورة، تزرع الزيتون في الفناء الخلفي · المذيع التلفزيوني - صوت الإعلام الأمريكي، براق، مخادع، يغير لهجته حسب الطلب · الجوقة اليونانية - مجموعة من المؤرخين والفلاسفة والجنود القتلى، يظهرون في المشاهد الحاسمة
المكان: قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج، ثم خيمة دبلوماسية في فيينا، ثم ساحة عامة في القدس
الزمان: 2026-2028 (المستقبل القريب، أو ربما الحاضر)
…….
الفصل الأول: غروب النسر
يفتح الستار على مهبط طائرات مهجور في قاعدة أمريكية بالخليج. حر الصيف لاهب. جنود أمريكيون يحزمون أمتعتهم على عجل. أصوات صفارات إنذار في الخلفية، ثم انقطاع كهرباء مفاجئ.
المشهد الأول: قاعدة الاحتراق
ظلام دامس. ثم ضوء كشاف يتحرك ببطء، ويكشف عن الجنرال ريتيريت جالساً على صندوق ذخيرة فارغ، يمسح جبينه بمنديل مبلل بالعرق.
الجنرال ريتيريت (يتحدث مع نفسه بصوت خفيض، كرجل يخاطب شبحاً): يا إلهي، يا إلهي... أين ذهبت كل الأسلحة؟ قبل عشر سنوات كنا نملك صواريخ تفوق الخيال، طائرات لا تُرى، قوات لا تُقهر. والآن... (ينظر إلى يديه المرتجفتين) والآن أعد المسيّرات الإيرانية في الليل لأنام.
يدخل الجندي سام مسرعاً، يحمل صندوقاً ثقيلاً، يتعثر في كابل كهربائي.
الجندي سام: سيدي الجنرال! لقد انتهى كل شيء. آخر طائرة شحن أقلعت قبل ساعة. (يسقط الصندوق منهكاً) تركونا هنا؟
الجنرال ريتيريت (يصدر ضحكة جافة، كصوت حصى يتساقط): لم يتركونا يا سام... نحن تركناهم. أمريكا تركت العالم. (يقف بصعوبة، يمسك عموده الفقري الذي يؤلمه) هل تعرف لماذا كنا هنا؟
الجندي سام: (يفكر، يحك رأسه)... البترول؟ الديمقراطية؟ حماية إسرائيل؟
الجنرال ريتيريت: (يهز رأسه): لا يا بني. كنا هنا لأننا كنا نستطيع. (يمد يده نحو الأفق، حيث تنطلق صواريخ في البعيد) هل ترى تلك الأضواء؟ إنها صواريخ إيرانية. قبل خمس سنوات كانت تطلق صاروخاً واحداً في السنة. الآن لديهم الآلاف. والصين تزوّدهم بالتكنولوجيا، وروسيا بالغطاء السياسي، وتركيا... (يلتقط أنفاسه) وتركيا تغلق مجالها الجوي في وجوهنا.
يظهر المذيع التلفزيوني على شاشة مهشمة معلقة على حائط مخرب، صورة مشوشة، لكن صوته واضح.
المذيع التلفزيوني: (بصوت نشيط مصطنع): "نفيد المشاهدين الكرام بأن الانسحاب الأمريكي من المنطقة هو إعادة تموضع استراتيجي، وليس هزيمة. وقد صرح البنتاغون بأن القوات ستنتقل إلى قواعد أكثر أماناً..."
الجنرال ريتيريت (يضرب الشاشة بقبضته): كذاب! أي قواعد أكثر أماناً؟! أين ذهبنا؟ إلى إيلات! إلى مدينة سياحية أصبحت ثكنة عسكرية! (يضحك ضحكة مريرة) تخيل! القوة العظمى في العالم تحتمي بفندق في إيلات!
الجندي سام: (ببراءة): ولكن سيدي... ألا تزال أمريكا أقوى دولة في العالم؟
الجنرال ريتيريت (ينظر إليه نظرة شفقة، كمن يرى طفلاً يسأل عن سانتا كلوز): أقوى دولة؟ (يمد يده نحو كومة من الأوراق المتناثرة) هذه تقارير سريعة: 34 تريليون دولار دين. معدل تضخم 12%. جيشنا يكلف أكثر مما نستطيع تحمله. الشعب الأمريكي يتضور جوعاً، والشركات تستثمر في الصين. (يصيح فجأة): نحن لسنا أقوى دولة! نحن أسوأ دولة مديونة في التاريخ! (يخفض صوته فجأة) لكن لا تخبر أحداً... لا تزلزل ثقة الحلفاء.
يسمع دوي انفجار بعيد، تهتز الأرض.
الجندي سام (مرتعباً): ما هذا؟!
الجنرال ريتيريت (بهدوء غريب): صواريخ اليمن. ضربوا القاعدة البحرية. (ينظر إلى ساعته) الموعد المعتاد، السابعة مساءً بتوقيت غرينتش. منذ شهر يضربون في نفس الموعد. كيف؟ كيف يعرفون مواقعنا بدقة؟ (فجأة يتجمد)... لأن هناك من يخبرهم. ربما الصينيون، ربما الروس، ربما حتى حلفاؤنا السابقون. كل صقر في المنطقة باع ريشه للصياد الجديد.
يندفع ضابط اتصال إلى المسرح، لهيباً.
ضابط الاتصال: سيدي الجنرال! أوامر عاجلة من البنتاغون. الانسحاب الفوري إلى إيلات. كل الوحدات القتالية. القاعدة ستُفجر خلال 45 دقيقة.
الجنرال ريتيريت (بهدوء شديد، كرجل يودع بيته): كم تبقى لنا من طائرات؟
ضابط الاتصال: طائرتان... لكن إحداهما تحتاج إلى صيانة، والأخرى...
الجنرال ريتيريت: (يقاطعه): حسناً، سنغادر على الأقدام. خمسة آلاف كيلومتر حتى إيلات. (يضحك بصوت عالٍ) وكأننا في مسيرة العودة إلى الوطن! (فجأة يصمت)... هل تعرف أين كنت قبل ثلاثين عاماً؟
الجندي سام: لا يا سيدي.
الجنرال ريتيريت: كنت هنا أيضاً. في حرب الخليج الأولى. كنا ندك بغداد كما نشاء. صدام كان يختبئ في جحره. كنا سادة الكون. (تنهيدة عميقة) ثم أتينا مرة أخرى، ومرة، ومرة... حتى أصبحنا جزءاً من الأثاث. والآن الأثاث يُرمى في الشارع. (يقف، يحاول تعديل قبعته العسكرية، لكنها ساقطة): هيا بنا. العالم الجديد لا يريدنا هنا.
يغادران المسرح ببطء، بينما ترتفع أصوات انفجارات متتالية. في الخلفية، تظهر الجوقة اليونانية، ترتدي أزياء جنود من كل العصور.
الجوقة اليونانية (تغني بصوت هامس، كالريح):
"عندما تتراجع الإمبراطورية، لا تسقط المدن فقط، بل تنهار الأساطير التي بُنيت عليها. كل صاروخ يخترق درعاً، كل طائرة تهبط آخر مرة، كل علم يُنزل، هو موت أسطورة..."
الظلام.
…….
المشهد الثاني: خيمة المفاوضات
خيمة بيضاء في فيينا. طاولة مستديرة. خمسة كراسي. على كل علم دولة. الكرسي الأمريكي فارغ. تجلس الشخصيات الأخرى.
السيد أهواني (الدبلوماسي الإيراني، وهو يمضغ فستقاً ببطء، يتحدث بنعومة ساخرة): أترى ذلك الكرسي الفارغ؟ (يشير بفستقة) ذاك هو "المركز". كان يملأ الغرفة بقوته. كنا نخشى النظر إليه. والآن... (يهز كتفيه) أصبح فضاءً فارغاً.
الرفيق لونغ مارش (بابتسامة غامضة، يكتب في دفتر صغير): المركز لم يختفِ يا سيد أهواني. لقد انتقل. (يلوح بيده باتساع) مركز الثقل يتحرك نحو الشرق. نحو بكين، نحو موسكو، نحو... طهران.
الجنرال ستروغينوف (يضرب كأس فودكا على الطاولة): طهران؟! (يضحك) روسيا والصين هما اللتان تملكان القوة النووية. إيران مجرد أداة.
السيد أهواني (بهدوء، وهو يضع فستقة أخرى في فمه): أداة؟ (يمضغ بتؤدة) نعم، ربما... لكنها أداة حادة تخترق كل الدروع الأمريكية. ألم ترَ قواعدهم في البحرين؟ في الكويت؟ في الإمارات؟ (يضحك من أنفه) كلها محترقة. أداة، كما تقول. أداة لا تُقهر.
الرفيق لونغ مارش (يبتسم، يغلق دفتره): دعونا لا ننشغل بالتفاصيل. نحن هنا لرسم خريطة جديدة. الانسحاب الأمريكي ليس مجرد حادثة عسكرية. إنه تحول بنيوي. (يخرج خريطة ويبسطها على الطاولة، لا تظهر عليها حدود) انظروا إلى هذه الخريطة... لا حدود لها. هذا هو العالم الجديد.
الجنرال ستروغينوف (ينظر إلى الخريطة بارتياب): غامضة جداً... أين حدود النفوذ الروسي؟
الرفيق لونغ مارش: (يشير إلى كل الاتجاهات): هنا، وهنا، وهناك. الحدود أصبحت مرنة يا جنرال. لم نعد في القرن العشرين. نحن في عصر الأطراف المتعددة.
يدخل الكابتن ريتيريت (الآن برتبة أقل، بعد أن خسر منصبه) مرتدياً بدلة مدنية، منهكاً، يحمل حقيبة سفر.
الكابتن ريتيريت (وهو يجلس على الكرسي الأمريكي، يضع حقيبته على الطاولة كدرع): آسف على التأخير. كانت طائرتي... (يبتلع ريقه)... كانت طائرتي محملة بثلاثة صواريخ مختلفة، كل منها حاول إسقاطها.
السيد أهواني (يمد إليه علبة فستق): تفضل. المكسرات الإيرانية أشهر من صواريخنا. (يضحك) لا تقلق، هذه ليست ذخيرة.
الكابتن ريتيريت (يأخذ فستقة بحذر، يمضغها): أين السفير الأمريكي؟
الرفيق لونغ مارش: (ضاحكاً): السفير؟ لقد استدعته واشنطن. قالوا إن ميزانية السفارات خُفضت 70%. (يبتسم) يبدو أن الإمبراطورية توفّر المال لدفع الفوائد.
الكابتن ريتيريت (ينفجر فجأة): تكفى سخرية! نحن هنا لإنهاء الحرب! لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!
الجنرال ستروغينوف (بصوت جهير): إنقاذ؟! (يسكب كأساً آخر) لم يعد هناك ما يُنقذ! الإمبراطورية الأمريكية تحتضر. لا توجد سفن كافية، لا طائرات كافية، لا رجال كافون... والآن جيشكم يختبئ في إيلات، بين السياح الإسرائيليين الذين يفضلون السباحة على القتال!
السيد أهواني (بهدوء، وهو يحصي الفستقات): إيلات... مدينة جميلة. كان زوجتي تحب السباحة هناك. (ينظر إلى ريتيريت) هل تستمتع بمنظر البحر الأحمر، يا كابتن؟
الكابتن ريتيريت (منهكاً): لا يوجد منظر. فقط خنادق ومدافع صواريخ ومسيّرات تظهر من العدم. (يمسح عينيه): كنت أعتقد أن إسرائيل ملاذ آمن. لكنها أيضاً لم تعد آمنة. الضربات تأتي من كل الجهات. من لبنان، من اليمن، من إيران، من العراق... حتى من الأردن تطلق النار علينا أحياناً.
الرفيق لونغ مارش (بهدوء، كمعلم يشرح لطفل): هذه نتيجة حتمية للسياسات الاستعمارية. عندما تدعم كياناً استيطانياً لمدة سبعين عاماً، تخلق عدواً من كل جار. والآن الأعداء أقوى من الصديق. (يتوقف، ينهض ويتمشى) إسرائيل كانت مشروعاً عظيماً... لكن كل المشاريع تنتهي. سقطت الإمبراطورية الفارسية، سقطت الرومانية، سقطت العثمانية... والآن دوركم.
الكابتن ريتيريت: (مصدوماً): هل تتنبأ بسقوط أمريكا؟
الجنرال ستروغينوف: (يقهقه) ليس تنبؤاً... إنها حقيقة واقعة! أمريكا لم تعد قوة عظمى! (يرفع كأسه) لنشرب لموت النسر! (ينظر إلى الكابتن) آسف، لا أقصد الإساءة.
الكابتن ريتيريت (ينهض فجأة، ينظر إليهم جميعاً بعينين متورمتين): كلكم تظنون أن هذا انتصاركم! لكني أقول لكم: حين تسقط الإمبراطورية، ينشأ الفراغ. ومن يدري ما سيخرج من هذا الفراغ؟ قد يكون وحوشاً أكثر فظاعة منا. قد ينشأ نظام جديد يأكل الجميع. (يبكي فجأة، دون تحفظ)... أتعلمون، أبي حارب في فيتنام. جدي حارب في الحرب العالمية الثانية. كل عائلتي قاتلت من أجل أمريكا. والآن... أنا لا أعرف لماذا أقاتل.
السيد أهواني (يقف، يمشي نحو ريتيريت، يضعه على كتفه): لأنك جندي. والجنود لا يسألون عن السبب. لكن دعني أخبرك شيئاً... (يخفض صوته): كنا نعتقد أننا سنحارب أمريكا مئة عام. لكنها انهارت في عقدين. ليس لأننا أقوياء جداً... (يضحك) بل لأنهم ضعفاء جداً.
الرفيق لونغ مارش: (ينظر إلى ساعته): آسف يا أصدقاء، يجب أن أعود إلى بكين. اجتماع حول الفضاء. (يبتسم) قريباً سنسيطر على مدار الأرض... وأمريكا ليس لديها حتى صواريخ كافية لحماية قواعدها.
الكابتن ريتيريت (وهو يمسح دمعه): ألا تملكون أي رحمة؟
الجنرال ستروغينوف (يضرب الطاولة): الرحمة؟! من كان يرحمنا في التسعينيات؟ عندما انهارنا؟ عندما بكى شعبنا جوعاً وأنتم تضحكون؟ (يشرب كأسه كله): لا رحمة في التاريخ. فقط قوة وضعف.
الجوقة اليونانية تظهر خلفهم، بصوت هامس كالضباب.
الجوقة:
"الدولار ينهار، والأساطير تتبخر، كل نسر يحلق عالياً يسقط أخيراً. من كان بالأمس ملكاً يصبح اليوم راعياً. والتاريخ لا يبكي على أحد..."
ظلام.
……..
المشهد الثالث: إيلات
فندق فاخر في إيلات، تحول إلى ثكنة عسكرية. حمامات السباحة جافة. الكراسي الشمسية مكدسة كمتاريس. جنود أمريكيون ينامون على الأرض. في الخلفية، صوت أمواج البحر.
الأميرة ستار سترايبس (تظهر وهي ترتدي رداءً بالياً مطرزاً بنجوم، تاجها مائل، تحاول الحفاظ على هيبتها، لكن صوتها متعب): هذا هو ملجئي الأخير؟! هذا الفندق السياحي الذي تنبعث منه رائحة الكلور الممزوج بالبارود؟! (تصرخ بغضب): أين سفني الحربية؟ أين طائراتي الشبح؟! أين حلفائي؟
الجنرال ريتيريت (يرتدي الآن بدلة مدنية رثة، يقف أمامها كخادم مذعور): سيدتي... إمبراطوريتي... لقد غرقت حاملة الطائرات الأخيرة قرب سواحل اليمن. الطائرات الشبح... (يلتفت يميناً ويساراً)... باعتها إسرائيل لروسيا مقابل الحماية. والحلفاء... (يبتلع ريقه)... الحلفاء أصبحوا الآن مع المحور الجديد.
الأميرة: (تسقط على كرسي، تكاد تنهار): سبعون عاماً... سبعون عاماً بنيت هذه الإمبراطورية. بعد الحرب العالمية الثانية، كنا الأقوى. كنا نصنع كل شيء. كنا نكتب القوانين. كنا... (تبكي بصوت طفولي): كنا الإله!
الجنرال ريتيريت: (يحاول مواساتها): سيدتي، لا تزالين تملكين الكثير. عندك أسلحة نووية...
الأميرة: (تصرخ): الأسلحة النووية؟! لاستخدامها يجب أن نكون مستعدين للموت! وأنتم لستم مستعدين لدفع ثمن الكهرباء في هذه القاعدة! (تنظر حولها بازدراء): أنتم تعيشون كالفقراء! الجنود ينامون على الأرض! والضباط يتسولون الطعام من الإسرائيليين! كيف هذا؟
الجنرال ريتيريت: (بصوت مكسور): سيدتي... كان هناك قرار من البنتاغون بتقليص الميزانية 60%. وشركات السلاح لم تعد تثق بنا. (ينظر إلى الأرض): حتى الصين تبيع أسلحة لأعدائنا بسعر أرخص من تكلفة تصنيعها لدينا.
يدخل السيد نتس (رئيس وزراء الكيان) مرتدياً بدلة سوداء، وجهه شاحب، عيناه غائرتان.
السيد نتس: (بصوت متوتر، سريع): سيدتي... يجب أن نتحدث. الموقف خطير جداً. حزب الله يطلق صواريخ على تل أبيب كل ثلاث ساعات. الحوثيون أغلقوا مضيق باب المندب. إيران طورت صاروخاً يفوق سرعة الصوت. (يمسح عرقاً وهمياً): وماذا عنا؟ صواريخنا نفدت. طائراتنا بلا قطع غيار. الجيش متعب. الشعب متعب. (يهمس): حتى أنا متعب.
الأميرة: (بنبرة آمرة): تحمل! أنت حليفي الأقوى في المنطقة. بدوني، بدون أمريكا، ماذا ستكون؟ مجرد نقطة على الخريطة!
السيد نتس: (بجرأة مفاجئة): وبدوني أنت أيضاً يا سيدتي... مجرد قوة عظمى سابقة! (يتجمد الجميع) آسف... لم أقصد... لكن... (ينفجر فجأة): أنا خائف! كل يوم أفكر: هل هذه نهاية إسرائيل؟ هل هذا هو كابوسي الأبدي الذي يتحقق؟
الجنرال ريتيريت (يحاول تهدئته): لا تقلق يا سيدي. سننتقل إلى مواقع جديدة. ربما الأردن... ربما مصر...
الأميرة: (تهز رأسها): لا! ليس هناك مواقع جديدة. (تنهض، تتجول في الغرفة): كل القواعد سقطت. قطر تتعاون مع إيران. الإمارات تبيع معلوماتنا للصين. تركيا تغلق مجالها الجوي. (تتوقف فجأة): هل تعرف ماذا يعني كل هذا؟
الجنرال ريتيريت: (بصوت خفيض): يعني... أن الحرب انتهت... وخسرناها.
الأميرة: (تهز رأسها بشدة): لا! الحرب لم تبدأ بعد! الحرب الحقيقية ستكون على بقائنا. (تنظر إليه بعينين جامدتين): إما أن نجد طريقة للبقاء هنا، أو... نعود إلى أمريكا. ونواجه هناك أزمة أكبر: ديوننا، انقسامنا، فقرنا.
السيد نتس (بصوت خائف): أمريكا... هل تقصدين أنكِ ستنسحبين من المنطقة بأكملها؟
الأميرة: (تحدق فيه طويلاً): كل شيء ممكن. أنا لا أعرف ماذا سأفعل. (فجأة، تضحك ضحكة هيستيرية): هل تسمع نفسي؟ "أنا لا أعرف"! روح الإمبراطورية التي لا تعرف! ها هي تقول "لا أعرف"!
الجوقة اليونانية تظهر من خلف الجدار، وكأنها أصداء بشرية.
الجوقة:
"الإمبراطوريات تسقط كالجدران، عالياً كانت، وجوفاء، اسأل الرومان، اسأل الفرس، اسأل من نصبوا أنفسهم آلهة. كلهم تحولوا إلى رماد، وأصبحت أسماؤهم كلمات يتيمة في الكتب."
ظلام.
……..
الفصل الثاني: الأطراف تنتصر
المسرح يتحول إلى ساحة عامة في طهران. جماهير غفيرة تلوح بالأعلام الإيرانية والصينية والروسية. موسيقى صاخبة. أضواء ملونة. يظهر السيد أهواني بملابس احتفالية، مبتسماً.
المشهد الرابع: انتصار الفستق
السيد أهواني (يصعد على منصة مؤقتة، يرفع يديه للجمهور): أيها الشعب الإيراني العظيم! (تصفيق عارم) اليوم، بعد أربعة عقود من العقوبات، وبعد قرن من التدخلات، وبعد آلاف السنين من الحضارة، (يخرج علبة فستق من جيبه)... اليوم ننتصر!
أحد المتظاهرين: (يصيح): ما موقع أمريكا اليوم؟
السيد أهواني: (يبتسم، يمضغ فستقة ببطء): أمريكا؟ (ينظر إلى أعلى، كأنه يبحث عنها): أمريكا في إيلات! في فندق سياحي! تحمي نفسها من صواريخنا بالمناشف! (الجمهور يضحك): بعض السياح الإسرائيليين ظنوا أنهم في "ديزني لاند" لكنهم وجدوا "معسكر اعتقال"!
آخر: وماذا عن إسرائيل؟
السيد أهواني: (ينظر بجدية): إسرائيل... (يتنفس بعمق): إسرائيل في مفترق طرق. (يضحك) إنها تبحث عن خريطة لتعرف أين حدودها. كل يوم تكتشف أنها أصغر مما تظن. (الجمهور يضحك ويصفق): حتى غزة أثبتت أنها ليست مجرد مساحة جغرافية، بل جرح في ضمير الإنسانية. ولكن... (يغمز): العالم بدأ يستيقظ. ألم ترَ تصويت الأمم المتحدة؟ 142 دولة ضد الكيان الظالم. 10 دول فقط مع أمريكا! حتى بريطانيا تخلت عنهم!
يدخل الرفيق لونغ مارش بهدوء، يرتدي بدلة صينية أنيقة. يقف بجانب المنصة، مبتسماً.
الرفيق لونغ مارش (بصوت منخفض، لكنه واضح): تذكر يا صديقي... العالم لا يُقهر بالصواريخ وحدها... بل بالاقتصاد أيضاً. (ينظر إلى الحشد): نحن نصنع 60% من إلكترونيات العالم. أمريكا تصنع 10% فقط. (يضحك): حتى صواريخهم تحتوي على معالجات صينية!
السيد أهواني (ينحني له): يا رفيقي العزيز... الصين هي المستقبل. (ثم يلتفت للجمهور): أيها الأحبة! نحن نكتب الآن فصلاً جديداً من التاريخ! فصلاً تتراجع فيه الإمبراطوريات! فصلاً تنتصر فيه الأطراف! فصلاً... (يفتح علبة فستق جديدة): فصلاً نأكل فيه فستقنا بسلام!
المسرح يتحول فجأة إلى مشهد هادئ. الرفيق لونغ مارش والسيد أهواني جالسان على كرسيين مريحين، يتحدثان بخفوت.
الرفيق لونغ مارش: (يحتسي شايًاً أخضر): هل تعتقد أن النصر دائم؟
السيد أهواني (يمضغ فستقة): لا شيء دائم. لكن... (ينظر إلى الأفق): ما يحدث الآن ليس مجرد انتصار مؤقت. إنه تحول جيوسياسي. (يفكر) كأن الأرض تدور بشكل مختلف.
الرفيق لونغ مارش: ماذا بعد؟
السيد أهواني: (يضحك): بعد الانتصار؟ (يأخذ فستقة، يرميها في فمه): بعد الانتصار تأتي المصالح. الصين تريد النفط، روسيا تريد الممرات، تركيا تريد النفوذ، ونحن... (ينظر إلى السماء): نريد الاعتراف. نريد مكانة. نريد... كرامة.
الرفيق لونغ مارش: (يبتسم): الكرامة... أجمل كلمة في اللغة. (ينظر حوله، يخفض صوته): لكن هل تعلم أن الكرامة لن تكفي؟ الإمبراطورية سقطت اليوم، لكن غداً ستصعد أخرى. ربما من الشرق، ربما من الجنوب. (يضع كفه على قلب أهواني): علينا أن نكون مستعدين. لأن من ينقذ العالم من طغيان، قد يصبح هو الطاغية الجديد.
السيد أهواني (يصمت لحظة، ثم يبتسم): على الأقل... سنكون الطغاة الذين يأكلون الفستق.
كلاهما يضحكان، لكن الضحكة باردة، متوترة.
الجوقة اليونانية تظهر خلفهما.
الجوقة:
"انتصارات اليوم، هي خسائر الغد. التاريخ لا يكافئ أحداً، إنه فقط يكتب أسماء جديدة. كل من يرفع راية النصر، سيحمل يوماً راية الهزيمة."
ظلام.
……
المشهد الخامس: غزة، الجرح الذي لا يندمل
ساحة مدمرة في غزة. أنقاض بيوت. أطفال يلعبون بالحجارة. امرأة عجوز تزرع شتلة زيتون في الأرض المتشققة.
السيدة فاطمة (العجوز الفلسطينية، تنحني لتزرع الشتلة ببطء، تتحدث مع نفسها، أو مع الأرض): أيها الزيتون، حين كنا صغاراً كنا نزرعك ولا نخاف. كنا نعلم أنك ستنمو، وأن أعداءنا سيذهبون. لكنهم لم يذهبوا. (تنظر إلى السماء): ما زالوا هنا. ولكن... (تمرر يدها على تراب): ربما هذه المرة... هذه المرة مختلفة.
تدخل طفلة صغيرة تركض نحوها.
الطفلة: جدتي! جدتي! سمعت في التلفاز أن أمريكا تركت القاعدة! أنهم يهربون!
السيدة فاطمة: (تبتسم، لكن عينيها دامعتان): يهربون... (تتنهد): الرحيل؟ أم الهروب؟ الفرق كبير يا حبيبتي. الأول اختيار، والثاني اضطرار. (تمد يدها للطفلة): تعالي ساعديني في زراعة الزيتون.
الطفلة: (تساعدها بفرح): هل سنبقى هنا؟
السيدة فاطمة: (تضع التراب حول الشتلة): نعم يا روحي. (تنظر حولها إلى الأنقاض): كنا هنا قبل أن يبنوا جدارهم، وكنا هنا لما هدموا بيوتنا، وكنا هنا لما قصفوا مستشفياتنا. (تسقط دمعة): وكنا هنا لما جاءت الطائرات الأمريكية تحمل الموت. وكنا هنا لما سقطت الطائرات. (تنظر إلى الشتلة): وسنبقى هنا لما يغادرون جميعاً.
الطفلة: ولكن جدتي... أليسوا أعداءنا؟
السيدة فاطمة: (تضحك بحنو): هم ليسوا أعداءنا... هم ضعفاء يحتاجون إلى عداوة ليشعروا بالقوة. لكن القوة الحقيقية... (ترفع الشتلة): القوة الحقيقية هي أن تغرس شجرة في أرض تريد أن تكون لك.
يدخل قائد فلسطيني شاب يرتدي زياً عسكرياً بسيطاً، يحمل بندقية قديمة، لكن وجهه مشرق.
القائد: يا سيدة فاطمة... أخبار سارة! القوات الأمريكية في الخليج انسحبت! وإسرائيل بدأت تتحدث عن حل سياسي! غزة لم تعد معزولة! العالم بدأ يرى الحقيقة!
السيدة فاطمة: (تحدق فيه، ثم تنظر إلى الشتلة): الحقيقة... (تأخذ نفساً عميقاً): كانوا دائماً يرونها يا بني. لكنهم كانوا يغمضون أعينهم. (تزرع الشتلة في الأرض، تضغط عليها بكل قوتها): الآن، لم يعد هناك ما يخافون منه. (تنهض بصعوبة): أخبر الجميع أن الزيتون سيُزرع في كل شبر من غزة. وحين يكبر، لن يستطيع أحد اقتلاعه.
القائد (يأخذ بندقيته، يرفعها في الهواء): وبندقيتي ستحميه!
السيدة فاطمة: (تهز رأسها بحنان): البندقية تحمي الشجرة، لكن الشجرة هي التي تحمي البندقية. (تضم الطفلة إليها): لأن من يزرع، لا يموت أبداً.
تظهر الجوقة خلفهم، وكأنها الغبار المتطاير من الأنقاض.
الجوقة:
"كل بيت في غزة هدم، كل طفل في غزة بكى، كل أم في غزة تألمت، لكن الزيتون ينبت في كل حجر. لأن الحياة تحب العناد، لأن الحق لا يموت بالحديد."
ظلام.
……
الفصل الثالث: ما بعد الغروب
المسرح يتحول إلى غرفة صغيرة في واشنطن. عاصفة تمطر خارج النافذة. الأضواء خافتة. الأميرة ستار سترايبس جالسة على كرسي متواضع، بجانبها الجنرال ريتيريت والعديد من المستشارين المنهكين.
المشهد السادس: آخر الخطابات
الأميرة ستار سترايبس (بصوت متعب، كمن يلقي خطاباً على مجموعة صغيرة): أيها الشعب الأمريكي العظيم... (تتوقف، تسعل): آسف، كنت أتخيل أنني ألقي خطاباً في البيت الأبيض. لكن البيت الأبيض رهن الرهن العقاري. (تضحك بمرارة): تعلمون، كنت أريد أن أقول لكم إننا انتصرنا. إننا نعيد تموضع قواتنا. إننا مستعدون لتحديات الغد. (تنظر إلى المستشارين): لكنني لا أستطيع الكذب الآن.
المستشار الأول: سيدتي... لا يمكنك الاعتراف بالهزيمة. ستنهار الأسواق. سيهرب المستثمرون. ستصبح الصين المسيطرة الوحيدة.
الأميرة (تصرخ فجأة): والصين ليست مسيطرة بالفعل؟! (تسقط على كرسيها، تخفض صوتها): أنظر حولك. كل شيء في هذا المكتب صيني: هذا القلم، هذه الساعة، هذا الحاسوب. حتى قهوتي من مزرعة في البرازيل، لكنها تُنقل على سفن صينية! (تبكي): لم نعد نصنع شيئاً. لم نعد نملك شيئاً. أموالنا كلها في الصين، وديننا للصين، ومستقبلنا... (تنهد): في أيديهم.
الجنرال ريتيريت (يقترب منها، يضع يده على كتفها، كابن لعجوز): سيدتي... ربما هذا ليس نهاية. ربما يمكننا التفاوض. الصين تريد الاستقرار، وروسيا تريد المصالح، وإيران تريد الاعتراف. (يبتسم محاولاً): يمكننا أن نعطي القليل...
الأميرة: (تنظر إليه بدهشة): نعطي القليل؟! نحن كنا نأخذ الكل! (تنهض، تتمشى في الغرفة): هل تعرف الفرق بين الإمبراطورية والدولة العادية؟ الإمبراطورية تأخذ ولا تعطي. الإمبراطورية تفرض ولا تتفاوض. الإمبراطورية... (تتوقف، تنظر إلى صورتها في المرآة المكسورة): الإمبراطورية لا تهزم. لكنها تختفي فجأة.
يظهر المذيع التلفزيوني على شاشة صغيرة، لكنه هذه المرة يبدو حزيناً.
المذيع: (بصوت هامس): "ننقل إلى المشاهدين الكرام خبراً عاجلاً... إيران والصين وروسيا يوقعون معاهدة دفاع مشترك. أمريكا لم توجه أي تهديد. الرئيس أصدر بياناً يدعو إلى... التقشف." (يبتلع ريقه): "التقشف في زمن الأزمة."
الأميرة (تحدق في الشاشة، تهمس): التقشف... كلمة جديدة في قاموسنا. (تلتفت إلى الجنرال): تعرف ماذا يعني التقشف في أمريكا؟
الجنرال: (خجلاً): يعني... تقليص الإنفاق... إلغاء المشاريع...
الأميرة: (تقاطعه): يعني نهاية الحلم! نهاية القوة! نهاية كل شيء بنيناه! (تسقط باكية): كنا نعطي المال للجيش ونقول إننا ندافع عن الحرية. كنا نغزو الدول ونقول إننا ننشر الديمقراطية. كنا نقتل المدنيين ونقول إننا نحارب الإرهاب. (تنظر إلى يديها المرتجفتين): والآن... كشفت الحقيقة. كنا مجرد إمبراطورية جائعة، عطشى، خائفة.
المستشار الثاني: (يحاول تهدئتها): سيدتي... لا زال هناك أمل... التقنية، الذكاء الاصطناعي، الطاقة...
الأميرة: (تضحك هازئة): التقنية؟ الصين تتفوق علينا. الذكاء الاصطناعي؟ أوروبا تنظمه. الطاقة؟ نحن نستورد النفط من... (تتوقف فجأة): من أعدائنا. (تنهد): لقد انتهى كل شيء.
الجوقة اليونانية تدخل بهدوء، ترتدي أزياء الحداد.
الجوقة:
"الإمبراطوريات لا تموت بضربة، بل تموت بألف جرح. كل جرح كان خطأً، كل خطأ كان غطرسة، وكل غطرسة كانت نهاية أخرى تنتظر."
ظلام.
……
المشهد السابع والأخير: الشمس تشرق من جديد
المسرح يتحول إلى ساحة في القدس. شروق الشمس. أعلام فلسطين ترفرف. جموع غفيرة. ناس يرقصون ويبكون فرحاً.
الراوي (يظهر وسط الجموع، يرتدي ثوباً قديماً، كأنه مؤرخ من العصور الغابرة): في مثل هذا اليوم من عام 2028، أعلنت الأمم المتحدة نهاية الاحتلال. 142 دولة صوّتت لصالح حق تقرير المصير. أمريكا؟ (يضحك): أمريكا امتنعت عن التصويت. لم تعد لديها القوة ولا الإرادة. (ينظر إلى الجموع): لكن المفاجأة لم تكن في انسحاب أمريكا. المفاجأة كانت في صمود الشعب.
السيدة فاطمة (تظهر، تحمل غصن زيتون كبيراً، ترفعه للجمهور): أيها الأحبة! هذا الغصن من شجرة زرعتها في غزة قبل ثلاث سنوات. (تبتسم، دموعها تنهمر): اليوم، هذه الشجرة طويلة، وتظلل بيوتاً جديدة. بيوتاً لم يهدمها أحد. (تنظر إلى السماء): لأن من يزرع، يبقى. (تلتفت إلى الجمهور): كنا نقول إنهم سيذهبون. وذهبوا. كنا نقول إننا سنبقى. وبقينا. (ترفع صوتها): الأرض ليست لأقوى جيش، الأرض لمن يحبها!
السيد أهواني (يظهر على منصة جانبية، يرتدي بدلة رسمية، لكنه لا يزال يأكل الفستق): أيها الأصدقاء... اليوم يبدأ عصر جديد. ليس عصر هيمنة، بل عصر توازن. ليس عصر إمبراطورية، بل عصر أمم. (يمضغ فستقة): إيران والصين وروسيا ساندتكم. لكن الانتصار كان لكم. (يبتسم): ولهذا الفستق أيضاً.
الرفيق لونغ مارش (يقف بجانبه، بهدوء): العالم يتغير. وعلينا أن نتعلم كيف نعيش في عالم متغير. (ينظر إلى الجموع): إسرائيل لم تختفِ، لكنها تقلصت. أمريكا لم تختفِ، لكنها أصبحت مجرد دولة كبيرة. (يضع يده على كتف أهواني): ونحن أيضاً... سنتغير. (يضحك): لأن التغيير هو القانون الوحيد الثابت.
الجنرال ستروغينوف (يظهر مبتسماً، يحمل زجاجة فودكا): اليوم ننتصر! لكن الغد... (يشرب قليلاً): الغد علينا أن نحمي هذا النصر. أوروبا تنظر إلينا بعين حمراء. وأمريكا قد تعود. (يضحك بصوت عالٍ): لكن إذا عادت، سنجدها أضعف مما كانت. لأن الفودكا الروسية والصواريخ الإيرانية والرقائق الصينية... (يصفق): لا تُهزم!
الكابتن ريتيريت (يظهر في زاوية المسرح، يرتدي بدلة مدنية متواضعة، يحمل حقيبة سفر): لم أعد كابتناً. لقد استقلت. (ينظر إلى الجموع المحتفلة): أتيت لأشاهد. لأني كنت جزءاً من هذا الخطأ. (يخفض رأسه): وأريد أن أعتذر. لكل بيت هدم، لكل طفل بكى، لكل أم حزنت... (يرفع رأسه ببطء): أنا آسف.
السيدة فاطمة (تمشي نحوه، تمد له غصن زيتون صغيراً): خذ هذا. ازرعه في أمريكا. عندما يكبر، ستذكر أن السلام ممكن.
الكابتن ريتيريت (يأخذ الغصن، عيناه دامعتان): شكراً لكِ. (ينظر إلى الغصن، ثم إلى الجموع): ربما... ربما نتعلم جميعاً من هذه التجربة. ربما تصبح الإمبراطوريات شيئاً من الماضي. ربما يعيش البشر في سلام.
الجوقة اليونانية تظهر للمرة الأخيرة، وهي تغني بصوت عالٍ، كالأنشودة.
الجوقة:
"غروب النسر، فجر السلام، كل إمبراطورية تنتهي، كل جدار ينهار، كل أسطورة تكذب، لكن زيتونة تبقى، تزرعها يد حرة، وتسقيها دموع صادقة، وترويها شمس العدل. فلا تخافوا من الغروب، لأن الفجر قادم. ولا تحزنوا على الماضي، لأن الغد أجمل. في النهاية، تبقى الكرامة."
المسرح يمتلئ بالضوء الذهبي. جميع الشخصيات تقف معاً: الفلسطينيون، الإيرانيون، الصينيون، الروس، وحتى الأمريكي التائب. يرفعون أيديهم نحو السماء. ثم يسقط الستار ببطء.
النهاية
……
خاتمة المخرج
يظهر المخرج على خشبة المسرح، يرتدي بدلة سوداء، يحمل ميكروفوناً.
المخرج: أيها الجمهور الكريم، شكراً لمشاهدتكم هذه التراجيكوميديا التي قد تكون أقرب إلى الحقيقة مما نظن. في عالم يتغير كل يوم، ربما نشهد نحن أيضاً نهاية إمبراطورية أو ولادة نظام جديد. لكن تذكّروا: في النهاية، ليس المهم من ينتصر، بل من يزرع الزيتون. (ينحني): سلام.
يصفق الجمهور بحرارة. الستار يسقط نهائياً.
…….
ملحق: تأملات في المسرحية
المشهد خلف الكواليس
بعد سقوط الستار، نعود إلى غرفة صغيرة خلف المسرح. الشخصيات الرئيسية مجتمعة، وقد خلعت أزياءها، تجلس في دائرة، كلٌ يحتسي شرابه المفضل.
الممثل الذي جسد الأميرة: (وهو يمسح الماكياج عن وجهه): يا إلهي، كم كان هذا الدور مرهقاً. ثلاث ساعات من التكبر والانهيار!
الممثل الذي جسد الجنرال ريتيريت: (يضحك): وأنت تتذمر! أنا لعبت دور جندي منهزم لمدة ثلاث ساعات، وظهري يؤلمني من الانحناء!
الممثل الذي جسد السيد أهواني: (يمزق علبة فستق حقيقية): على الأقل كان عندي فستق حقيقي. (يمضغ بسرور): هذه أفضل فستقة أكلتها في حياتي.
الممثلة التي جسدت السيدة فاطمة: (تضع غصن الزيتون في إناء ماء): سآخذ هذا الغصن إلى بيتي. (تبتسم): سأزرعه في حديقتي. لأذكر نفسي كل يوم أن السلام ممكن، حتى لو كانت مجرد مسرحية.
المخرج: (يدخل، جالساً معهم): أحسنت جميعاً. لكن هل تعلمون ما الذي أدهشني؟ (ينظر إليهم): أثناء التصوير، شعرت أن القصة ليست خيالاً. المستقبل الذي صورناه قد يكون أقرب مما نظن. (يسحب هاتفه): بالأمس فقط، قرأت أن الولايات المتحدة خفضت ميزانية دفاعها 20%. والصين وقعت اتفاقية مع إيران حول الملاحة في الخليج. (يضع الهاتف جانباً): ربما نعيش بالفعل في هذه المسرحية.
الممثل الذي جسد الرفيق لونغ مارش: (بهدوء): لكن المسرحية ليست تنبؤاً، إنها دعوة للتفكير. (ينظر إلى الجميع): كيف نريد أن يكون المستقبل؟ هل نريده صراع إمبراطوريات متبادل، أم تعاوناً بين الشعوب؟
الممثلة التي جسدت الطفلة الفلسطينية: (ترفع يدها ببراءة): أنا أريده عالماً أزرع فيه الزيتون دون خوف.
الجميع يضحكون بحنان.
المخرج: (يقف، يرفع كأساً فارغاً): لنشرب لهذه الزيتونة الصغيرة. وللسلام. وللأمل. (ينظر إلى المسرح الفارغ): ربما في يوم ما، لا تكون هذه المسرحية تاريخاً، بل ذكرى بعيدة لعالم تغير إلى الأفضل.
يصفق الجميع. الأضواء تنطفئ تدريجياً.
كلمة أخيرة
ظلام تام، ثم يظهر نص مكتوب على الشاشة:
"هذه المسرحية مستوحاة من أحداث واتجاهات حقيقية في العالم المعاصر. إنها محاولة لفهم التحولات الكبرى التي نشهدها، وللتأمل في مصير الإمبراطوريات، وللتأكيد على أن الشعوب الصامدة هي وحدها من يصنع التاريخ. كل شخصيات المسرحية خيالية، لكن الألم والفرح فيها حقيقيان. شكراً لمشاهدتكم."
نهاية.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف
...
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
-
ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
-
مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
-
سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري
...
-
الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
-
الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور
...
-
الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
-
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
-
المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا
...
-
التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت
...
-
أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة
...
-
نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا
...
-
الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س
...
-
بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف
...
-
مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال
...
-
الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين
...
المزيد.....
-
مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
-
إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا
...
-
في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا
...
-
أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
-
-خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي
...
-
فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا
...
-
اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
-
وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال
...
-
ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
-
افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|