|
|
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 09:04
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
تأملات في زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل ملامح القرن
مقدمة: لحظة فاصلة في تاريخ النظام الدولي
العالمٍ يتغيّر بسرعة تفوق قدرة العواصم الغربية على استيعابها، لهذا تبدو الحرب في أوكرانيا أقلّ شبهاً بصراع حدودي، وأكثر شبهاً بزلزال يعيد تشكيل البنية العميقة للنظام الدولي. فبينما انشغلت أوروبا بخطابات "العزل" و"الردع"، كانت موسكو تعيد بناء ذاتها على أسس جديدة، وتفكّ ارتباطاً تاريخياً بنموذج اقتصادي أراد لها أن تبقى دولة مُلحقة، لا دولة صانعة.
هذه ليست مجرد حرب بين دولتين، بل هي صدام بين رؤيتين للعالم: رؤية تريد إبقاء القرار في مراكز غربية توزع الأدوار، ورؤية أخرى تسعى إلى كسر هذا الاحتكار وإعادة تعريف معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين. وما يحدث اليوم على أرض أوكرانيا ليس سوى تجلٍّ سطحي لتحولات أعمق، تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، وتتجه ببصائرها نحو مستقبل لم تعد فيه الخريطة الجيوسياسية مرسومة بقلم الغرب وحده.
1. أوروبا... حين يدفع المركز ثمن رهاناته
لم تكن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا مجرّد أداة ضغط، بل كانت رهاناً على انهيار سريع للاقتصاد الروسي، وعلى تحول الشعب الروسي ضد قيادته. لكن ما حدث كان صدمة للغرب نفسه، إذ تحولت تلك العقوبات إلى سلاح ذي حدين، طعن في خاصرة الاقتصاد الأوروبي الذي ظن نفسه بمنأى عن تداعيات حربه بالوكالة.
الصناعة الألمانية: فقدان الركيزة الطاقوية
لطالما كانت ألمانيا، قلب أوروبا الصناعي النابض، تعتمد على الغاز الروسي الرخيص لتغذية مصانعها وتدفئة بيوتها. لكن قرار التخلص التدريجي من هذا المصدر الحيوي، تحت ضغط العقوبات، كان بمثابة قطع شريان الطاقة عن الجسد الصناعي الألماني. فتحولت المصانع إلى البحث عن بدائل أمريكية أغلى ثمناً وأقل كفاءة، مما قوض قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. ولم تقتصر تداعيات ذلك على ألمانيا وحدها، بل امتدت إلى سلاسل التوريد الأوروبية بأكملها، التي كانت تعتمد على المنتجات الصناعية الألمانية كركيزة أساسية لها.
التضخم والمدخرات: أكل الدهر وشرب عليه
أكل التضخم المتصاعد مدخرات الطبقة الوسطى التي شكلت لبنة الاستقرار الاجتماعي في أوروبا لعقود. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وجد المواطن الأوروبي نفسه يدفع ثمناً باهظاً لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل. وتحولت الأحلام بالتقاعد المريح إلى كوابيس مع دخول صناديق التقاعد مرحلة الخطر، حيث تآكلت قيمة الاستثمارات وتراجعت العوائد، مما هدد بموجة فقر مدقع بين كبار السن.
الاحتجاجات الاجتماعية: جبهة داخلية مشتعلة
لم تكن ردود الفعل الأوروبية محصورة في صالات السياسة ومراكز الأبحاث، بل امتدت إلى الشوارع والساحات. فمن باريس إلى برلين، ومن مدريد إلى روما، تمددت الاحتجاجات الاجتماعية مطالبة بوقف التصعيد وإنهاء الحرب، أو على الأقل بمراجعة السياسات الاقتصادية التي جعلت المواطن الأوروبي يدفع ثمن صراع لا يعنيه. لقد اكتشفت أوروبا، متأخرة، أن الحرب التي خاضتها بالوكالة لم تكن حربها، وأنها الخاسر الأكبر في معركة لم تُحسب كلفتها جيداً.
2. موسكو... من اقتصاد مُلحق إلى مشروع سيادي
في مواجهة العقوبات، لم تنكفئ روسيا، بل اتخذت قراراً استراتيجياً مصيرياً: إعادة تأسيس الدولة على قاعدة الاستقلال التكنولوجي والمالي والصناعي. فخلال أربع سنوات فقط، تمكنت روسيا من تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً، وانتقلت من موقع الدفاع إلى موقع البناء والابتكار.
نظام دفع مستقل عن SWIFT: تحرر مالي
كان استبعاد روسيا من نظام SWIFT أشبه بقطع خطوط الإمداد المالية عنها، لكن موسكو حولت هذا التحدي إلى فرصة لإعادة هيكلة نظامها المالي. فتم بناء نظام دفع وطني مستقل، والتوسع في استخدام العملات الوطنية في التجارة الخارجية، خاصة الروبل واليوان، مما قلل الاعتماد على الدولار وأضعف فعالية العقوبات المالية الغربية.
تحوّل تجارة الطاقة: من الغرب إلى الشرق
مع إغلاق الأسواق الأوروبية تدريجياً أمام النفط والغاز الروسي، التفتت موسكو نحو الشرق. فتم توسيع خطوط الأنابيب إلى الصين، وتعزيز التعاون الطاقوي مع الهند و ايران ودول آسيا الوسطى. ولم تكن هذه مجرد استجابة طارئة، بل كانت إعادة توجيه استراتيجية للتجارة الروسية نحو الأسواق الناشئة، حيث الطلب على الطاقة في تصاعد مستمر.
تضاعف القدرة الإنتاجية: صناعة حربية ومدنية
مع تدفق الاستثمارات نحو القطاع الصناعي، تضاعفت القدرة الإنتاجية للصناعات العسكرية والمدنية. فلم تعد روسيا تعتمد على استيراد المكونات والقطع من الغرب، بل بدأت في تصنيعها محلياً، مما عزز قدرتها على الصمود في وجه الحصار التكنولوجي. كما أن التحول إلى اقتصاد الحرب أعطى دفعة قوية للصناعة الثقيلة، وساهم في خلق فرص عمل جديدة وتقليل البطالة.
الشراكات مع آسيا وأفريقيا: بناء تحالفات جديدة
لم تقتصر إعادة التموضع الروسية على الجانب المالي والصناعي، بل شملت بناء شراكات سياسية واقتصادية مع دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فقد أصبحت روسيا شريكاً موثوقاً به للعديد من الدول التي تبحث عن بدائل للهيمنة الغربية، سواء في مجال الطاقة، أو التكنولوجيا، أو التعاون العسكري.
3. التكنولوجيا الروسية... حين يتحوّل الضغط إلى ابتكار
في قلب هذا التحوّل، ظهرت اختراقات علمية لافتة، أثبتت أن الضغط والعزلة يمكن أن يكونا حافزاً للإبداع، لا سبباً للانهيار. هذه الاختراقات ليست مجرد مشاريع معزولة، بل ملامح نهضة علمية تُبنى على قاعدة سيادية لا تعتمد على الغرب.
الحاسوب الكمي: تجاوز احتكار الرقائق الغربية
في مجال الحوسبة الكمومية، حقق العلماء الروس إنجازاً نوعياً بتطوير حاسوب كمي يعتمد على أيونات الكالسيوم. هذا الإنجاز يفتح الباب أمام تجاوز احتكار الغرب للرقائق الإلكترونية المتطورة، ويمنح روسيا قدرة على معالجة البيانات بسرعات خيالية، مما سيكون له آثار هائلة على مختلف المجالات، من الأمن السيبراني إلى تطوير الأدوية.
لقاح علاجي للسرطان: إعادة رسم مستقبل الطب المناعي
في مجال الطب الحيوي، أعلنت روسيا عن تطوير لقاح علاجي للسرطان، يعتمد على تقنيات المناعة المتطورة. هذا اللقاح، الذي يجري حالياً اختباره على البشر، يمثل ثورة في علاج الأورام الخبيثة، ويعيد رسم مستقبل الطب المناعي. فبدلاً من العلاجات الكيميائية التقليدية التي تقتل الخلايا السليمة مع المريضة، يعمل اللقاح على تدريب جهاز المناعة على التعرف على الخلايا السرطانية وتدميرها بدقة متناهية.
إحياء صناعة الطيران: MC وSuperjet‑New
في مجال صناعة الطيران، نجحت روسيا في إحياء قطاعها الصناعي من خلال تطوير طائرتي MC وSuperjet‑New، المصممتين لتحل محل الطائرات الغربية في أساطيلها الجوية. هاتان الطائرتان، المزودتان بمحركات وأنظمة إلكترونية روسية بالكامل، تمثلان خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقلال التكنولوجي في مجال النقل الجوي، وتفتحان الباب أمام روسيا لتصبح لاعباً مهماً في سوق الطيران العالمي.
التوسع في الصناعات الفضائية والذكاء الاصطناعي
لم تقتصر الإنجازات الروسية على هذه المجالات، بل شملت التوسع في الصناعات الفضائية والذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت روسيا أقماراً صناعية جديدة لتوفير خدمات الاتصالات والإنترنت في المناطق النائية، وطورت أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات واتخاذ القرارات في مختلف المجالات، من الزراعة إلى الدفاع.
4. الهجمات على موسكو... صدى العجز لا صدى القوة
الهجمات بالمسيّرات على البنية التحتية الروسية، رغم ضجيجها الإعلامي، تكشف حقيقة أعمق: إنها محاولات يائسة لإثبات قدرة هجومية في لحظة تراجع ميداني، لا استراتيجية قادرة على تغيير مسار الحرب. فبينما تتقدّم القوات الروسية في الشرق والجنوب، يجد الغرب نفسه أمام معادلة صعبة: استنزاف مالي وسياسي داخلي، مقابل قدرة روسية متزايدة على الصمود والتكيّف.
ضجيج إعلامي لا يعكس الواقع العسكري
الهجمات بالمسيرات التي تستهدف المدن الروسية أو منشآتها النفطية، وإن كانت تسبب أضراراً مادية ونفسية، فإنها لا تغير شيئاً في الميزان العسكري على الأرض. إنها أقرب إلى عمليات تحريك للرأي العام الداخلي في أوكرانيا والغرب، تهدف إلى إظهار أن أوكرانيا لا تزال قادرة على الرد، حتى في لحظات التراجع. لكن الواقع العسكري يقول إن هذه الهجمات لا تشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، ولا تعيق قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية.
التقدم الروسي في الشرق والجنوب: تغيير في الميزان
على الجبهات الميدانية، يواصل الجيش الروسي تقدمه في شرق أوكرانيا وجنوبها، محققاً مكاسب إقليمية مهمة، ومحاصراً العديد من المدن الرئيسية. هذه التطورات تشير إلى تغيير في الميزان العسكري لصالح روسيا، وضعف في الخطوط الدفاعية الأوكرانية، ونقصاً في الإمدادات العسكرية الغربية التي بدأت تتراجع تدريجياً.
استنزاف الغرب: قدرة روسية على الصمود
في مواجهة هذا التقدم الروسي، يجد الغرب نفسه أمام معادلة صعبة: استنزاف مالي وسياسي داخلي متزايد، مقابل قدرة روسية متزايدة على الصمود والتكيف. فبينما تستمر روسيا في إنفاق الأموال على مجهودها الحربي، تزداد الأصوات في الغرب المطالبة بوقف دعم أوكرانيا، والتركيز على المشاكل الداخلية. هذا الوضع يضع القادة الغربيين في مأزق، حيث يجدون أنفسهم بين مطرقة الضغط الشعبي وسندان الالتزامات السياسية الاستعمارية تجاه كييف.
5. الغرب يستنزف نفسه... والعالم يتغيّر
لم تعد الحرب مجرد صراع جيوسياسي، بل أصبحت اختباراً للنموذج الغربي نفسه، الذي بدأ تظهر فيه تشققات وهنات خطيرة. فبينما كان الغرب يراهن على تفوقه الاقتصادي والتكنولوجي لفرض إرادته على العالم، اكتشف أن هذه الأدوات ليست كافية لوقف تحولات التاريخ، وأن العزلة والهيمنة لم تعد صيغاً ناجعة في عالم تتعدد فيه مراكز القوة.
عجز مالي متصاعد
ارتفعت الديون العامة في معظم الدول الغربية إلى مستويات قياسية، نتيجة لزيادة الإنفاق العسكري والدعم المالي للعصابة النازية الجديدة الفاسدة في كييف لأوكرانيا، بالإضافة إلى تكاليف التعامل مع تداعيات العقوبات على الاقتصادات المحلية. هذا العجز المالي المتصاعد يحد من قدرة الحكومات الغربية على الاستثمار في الخدمات العامة والبنية التحتية، ويضعها في مواجهة صعبة مع الأسواق المالية التي تترقب أي إشارة إلى عدم الاستقرار.
انقسام سياسي حاد
تعمقت الانقسامات السياسية في الغرب حول كيفية التعامل مع الحرب في أوكرانيا. فهناك تيار يطالب بزيادة الدعم العسكري وتشديد العقوبات، وتيار آخر يدعو إلى التفاوض والبحث عن حل دبلوماسي، وتيار ثالث يرى أن الحرب ليست من مصلحة الغرب ويجب التوقف عن دعمها. هذه الانقسامات تعكس أزمة في صياغة استراتيجية موحدة، وتضعف من قدرة الغرب على التأثير في مسار الأحداث.
تراجع الخدمات العامة وفقدان الثقة بالمؤسسات
مع تراجع الموارد المالية وزيادة الضغوط الاجتماعية، بدأت الخدمات العامة في العديد من الدول الغربية تشهد تدهوراً ملحوظاً. فالأنظمة الصحية تعاني من نقص الكوادر والمعدات، وأنظمة التعليم تعاني من نقص التمويل، ووسائل النقل العام تعاني من الإهمال والتقادم. هذا التراجع في الخدمات، إلى جانب فضائح الفساد والأزمات السياسية المتكررة، أدى إلى فقدان الثقة بالمؤسسات الغربية التقليدية، وبروز حركات احتجاجية تطالب بتغيير يساري جذري على النمط الصيني اي ان تكون الدولة تقود الاقتصاد ، وليس لوبيات رأس المال وتوسعها الهمجي ، واستثمارها في الحروب العالمية الكارثية .
صعود حركات احتجاجية واسعة
في هذا السياق، صعدت حركات احتجاجية واسعة في مختلف الدول الغربية، تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، ومحاربة الفساد، وإنهاء الحروب، وإعادة توزيع الثروة. هذه الحركات، التي تجمع بين مختلف التيارات السياسية والاجتماعية، تشكل تحدياً حقيقياً للأنظمة القائمة، وتكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها النموذج الغربي.
6. نحو عالم متعدد الأقطاب
ما يحدث اليوم ليس انتصار دولة على أخرى، بل تحوّل تاريخي يعيد تشكيل خريطة العالم. ففي الوقت الذي تبني فيه روسيا استقلالها الصناعي والتكنولوجي، توسع الصين نفوذها المالي والإنتاجي، وتتراجع أوروبا إلى موقع دفاعي، وتواجه الولايات المتحدة أزمات داخلية عميقة، ويتحرر الجنوب العالمي تدريجياً من الهيمنة القديمة بقيادة إيران . إنه انتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم تعددي، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالاقتصاد أو السلاح، بل بالقدرة على بناء نموذج مستقل.
روسيا: مشروع سيادي متكامل
كما رأينا، تبني روسيا اليوم مشروعاً سيادياً متكاملاً، يعتمد على الاستقلال التكنولوجي والمالي والصناعي، وعلى بناء تحالفات جديدة مع دول الجنوب العالمي. هذا المشروع، الذي بدأ كرد فعل على العقوبات الغربية، تحول إلى رؤية استراتيجية طموحة لإعادة تعريف مكانة روسيا في العالم.
الصين: التوسع المالي والإنتاجي
في الوقت نفسه، تواصل الصين توسعها المالي والإنتاجي، من خلال مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز التعاون مع دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتطوير عملتها الدولية. الصين، التي أصبحت الآن أكبر اقتصاد في العالم من حيث مكافيء القدرة الشرائية ، تسعى إلى لعب دور قيادي في تشكيل النظام الدولي الجديد، وتقديم نموذج تنموي بديل للنموذج الغربي.
أوروبا: التراجع إلى موقع دفاعي
في المقابل، تبدو أوروبا اليوم في موقع دفاعي، حيث تواجه تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية داخلية، وتتراجع قدرتها على التأثير في الشؤون العالمية. لقد عادت أوروبا إلى الانشغال بمشاكلها الداخلية، بعد عقود من التوسع والنفوذ، مما يضعها أمام اختبار وجودي حقيقي.
الولايات المتحدة: أزمات داخلية عميقة
أما الولايات المتحدة، القطب المهيمن في النظام العالمي السابق، فتعاني من أزمات داخلية عميقة، تتجلى في الانقسام السياسي الحاد، والتفاوت الاقتصادي المتزايد، والاحتجاجات الاجتماعية المتنامية، وتراجع الثقة في المؤسسات. هذه الأزمات تحد من قدرة واشنطن على قيادة العالم، وتجعلها أقل قدرة على التعامل مع التحولات الجيوسياسية الكبرى.
الجنوب العالمي: التحرر من الهيمنة
لكن التغيير الأهم ربما يحدث في الجنوب العالمي، حيث تتعدد أصوات المطالبة بالتحرر من الهيمنة الغربية، وبناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازناً. دول مثل إيران و الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وإندونيسيا، وغيرها، تسعى إلى لعب دور أكبر في الشؤون الدولية، وتعزيز التعاون فيما بينها، وتقديم رؤيتها الخاصة لمستقبل العالم.
الانتقال من أحادية القطب إلى التعددية القطبية
هذه التحولات تشير إلى الانتقال التدريجي من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث تتعدد مراكز القوة وتتنوع مصادر النفوذ. في هذا العالم الجديد، لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل بالقدرة على بناء نموذج تنموي مستقل، وجذب الحلفاء، وتقديم رؤية جذابة للمستقبل.
الخلاصة: روسيا... مشروع حضاري لا مجرد دولة
روسيا لم تعد دولة تُقاس بقوة جيشها فقط، بل أصبحت مشروعاً حضارياً يعيد تعريف معنى السيادة في القرن الحادي والعشرين. ففي عالم يتصدّع فيه المركز الغربي، تبدو موسكو — بكل تناقضاتها — واحدة من القوى القليلة التي فهمت أن المستقبل لا يُصنع بالاندماج في نظام ينهار، بل ببناء نظام جديد. هذا النظام الجديد، الذي يقوم على السيادة الوطنية والتعددية القطبية والتعاون بين دول الجنوب، قد يكون أكثر عدالة واستقراراً من النظام القديم الذي أسسه الغرب الاستعماري بعد الحرب الباردة.
دروس مستفادة
ما حدث في السنوات الأخيرة يقدم دروساً قيمة للعالم أجمع:
· العقوبات الاقتصادية ليست سلاحاً مضمون النتائج، بل يمكن أن تنعكس على من يفرضها، وتؤدي إلى نتائج عكسية. · الاعتماد على الغير في المجالات الحيوية، مثل الطاقة والتكنولوجيا، يشكل نقطة ضعف كبيرة، يجب التغلب عليها من خلال بناء القدرات الذاتية. · القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان النفوذ، بل يجب أن تقترن بقوة اقتصادية وتكنولوجية وحضارية. · النظام الدولي القائم على الهيمنة لم يعد صالحاً لعصرنا، ويجب الانتقال إلى نظام أكثر عدالة وتوازناً، يحترم سيادة الدول وتنوعها الثقافي.
نحو مستقبل جديد
في هذا المستقبل الجديد، ستتعدد مراكز القوة، وستتنوع مصادر النفوذ، وستتغير قواعد اللعبة الدولية. روسيا، بكل تحدياتها وإنجازاتها، تسعى إلى أن تكون أحد هذه المراكز، وأن تلعب دوراً محورياً في تشكيل ملامح العالم القادم. فهل تنجح موسكو في هذا المسعى؟ وهل يستطيع الغرب تجاوز أزماته والتكيف مع التحولات الجارية؟ هذه أسئلة مفتوحة، سيجيب عنها الزمن، لكن المؤكد أن العالم الذي نعرفه قد تغير إلى الأبد.
…….
هوامش ومراجع
1. البيانات المتعلقة بتحولات الاقتصاد الروسي مستندة إلى تصريحات رسمية ومؤشرات اقتصادية منشورة خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 . 2. اتجاهات التكنولوجيا السيادية والذكاء الاصطناعي نوقشت في جلسات المنتدى الاقتصادي وفي تصريحات المسؤولين الروس حول الاقتصاد الرقمي . 3. معلومات الطاقة وموقع روسيا في النظام العالمي الجديد مأخوذة من تصريحات نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك . 4. بعض الرؤى حول طبيعة الصراع التكنولوجي والتنافس على المنصات الرقمية مستندة إلى تصريحات الخبراء في المركز الوطني "روسيا" .
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
-
المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا
...
-
التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت
...
-
أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة
...
-
نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا
...
-
الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س
...
-
بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف
...
-
مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال
...
-
الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين
...
-
عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط الق
...
-
كيف يتم سحق العدالة الدولية حماية لمرتكبي الإبادة الجماعية م
...
-
ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة الي
...
-
في انتظار وطن لا يُباع... السيادة بين المطرقة والسندان
-
غرب آسيا : رقعة شطرنج تتبدّل عليها قواعد اللعبة
-
بين الدواء الممنوع والدم المباح: كيف تُعاد صياغة الحقيقة في
...
-
محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام ب
...
-
الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطي
...
-
نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا
...
-
مسرحية -جنازة في فندق الكاردينال-.. كوميديا سوداء بأربعة فصو
...
-
دراسة مقارنة -إتيان دافينيون، من اغتيال لومومبا إلى عراب الأ
...
المزيد.....
-
فانس للمتظاهرين المؤيدين لفلسطين: استخدموا لغة أفهمها (فيديو
...
-
اليساريون المتطرفون يعززون مواقعهم في الولايات المتحدة
-
?اپ?رت?ک د?ربار?ي ??و??سمي ب?رز?اگرتني يادي هاو??ي ئازيز ي?ن
...
-
حزب العمال البريطاني يعلن الجدول الزمني لاختيار خليفة ستارمر
...
-
بلاغ مشترك تضامني مع معركة عاملات وعمال شركة سيكوميك بمكناس
...
-
الإقتصاد السوداني في عمق الهاوية
-
أعمال ترميم وتحصين واسعة في منزل نتنياهو بقيسارية تثير جدلا
...
-
اليونان: إضراب 3 الاف عامل ب”إلينيكو” للمطالبة بزيادة الأجور
...
-
نهاية صادمة لستارمر بعد عامين من دعم التقشف والعنصرية والإبا
...
-
كاثرين ماثيوز أبدجراف (1926–2018) في الجزائر
المزيد.....
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|