|
|
مسرحية -جنازة في فندق الكاردينال-.. كوميديا سوداء بأربعة فصول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 08:56
المحور:
الادب والفن
(مستوحاة من كتاب "إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية العالمية")
الشخصيات الرمزية (بأسماء مستعارة)
النخبة العالمية:
· السيد فون كاردينال (إتيان دافينيون) – قاتل بيروقراطي، أمين عام نادي "الطاووس الذهبي"، يحلم بجنازة مهيبة قبل أن يموت. · هنري الصقر (هنري كيسنجر) – مستعير جثته من أحد متاحف الشمع، لا يزال يهمس في آذان الرؤساء. · زيغا المارد (زبغنيو بريجينسكي) – ظل أفغاني يطارد الغرب، يظهر أحيانًا على هيئة سحابة دخان. · ماريام الألماسة (ماريام أديلسون) – مليارديرة صهيونية، تتبرع للانتخابات كما تتبرع للجمعيات الخيرية، بيدها دفتر شيكات لا ينضب.
بيادق النيوليبرالية:
· سلطان سيف النفط (ولي عهد خليجي متخيل) – يملك أكبر حقل وهمي للبترودولار، يقرأ سورة الإخلاص على وقع موسيقى جاز. · بوكو ترامب (دونالد ترامب) – رجل برتقالي يعتقد أن سوريا "صفقة عقارية رابحة". · الشرع بن الجولان (أحمد الشرع) – إرهابي سابق يلبس بدلة إيطالية ويوقع أوامر جمهورية بقلم ذهبي. · أرطغرل (رجب طيب أردوغان) – يقلد السلاطين العثمانيين بينما جيوبه ممتلئة بالليرة التركية المنهارة. · نتن ياهو (بنيامين نتنياهو) – رجل يظهر على شاشة تلفزيون في كل مشهد، يلوح بملف إيراني مزيف.
أرواح الشهداء / الراوي الساخر:
· باتريس العودة (باتريس لومومبا) – شبح يظهر حين يريد، جسده من دخان وسن ذهبي يتدلى من رقبته. · موريس المرآة (موريس مبولو) – شاعر أفريقي مات وراءه مرآة تعكس وجه كل جلاد. · جوزيف الصامت (جوزيف أوكيتو) – صخرة صامتة، لا يتكلم إلا بصوت الريح.
خدم الفندق / الجوقة الشعبية:
· ناديا – نادلة فلسطينية تمسح الطاولات بعرق جبينها. · كوفيو – بواب كونغولي لا يعرف أن جدّه حمل رصاصة لومومبا في حظيرة الدجاج. · الجوقة – أصوات من غزة، سوريا، الكونغو، اليمن.
………
المكان:
فندق "الكاردينال" – جزيرة وهمية في عرض البحر، لا تظهر على الخرائط إلا لمرة واحدة كل عام، عند اجتماع "نادي الطاووس الذهبي". الفندق مبني على شكل تابوت مقلوب، واجهته من الرخام الإيطالي، وأساساته من عظام الفقراء. في الطابق السفلي، غرفة صغيرة لا يدخلها أحد: "حظيرة الدجاج التذكارية".
الزمان:
ليلة 17 يناير 2061 – بعد مئة عام بالضبط من اغتيال لومومبا. العالم كما هو: حروب، استعمار جديد، ازدواجية معايير. لكن شيئًا ما تغير: النخبة تموت واحدة تلو الأخرى، وتحاول تنظيم جنازتها قبل أن يفوت الأوان.
…….
الفصل الأول
"جنازة الرجل الذي لم يمت بعد"
(قاعة فندق الكاردينال، ديكور فخم يذكر بقصور فرساي. ثريات كريستال تتساقط منها قطرات من عرق مزيف. في الخلفية، لوحة زيتية ضخمة للسيد فون كاردينال، لكن وجهه متلاشٍ، مكانه مرآة تعكس المتفرجين. السيد فون كاردينال جالس على كرسي متحرك ذهبي، يبلغ من العمر 129 عامًا، لكنه ما زال يتنفس بصعوبة. حوله النخبة، كلهم ينتظرون موته كما ينتظر النسر موت الجيفة.)
فون كاردينال (يهمهم بصوت شبه ميت): هل أرسلتم الدعوات؟ هل سيحضر البابا؟ هل سيأتي ملك بلجيكا الثالث عشر؟
هنري الصقر (داخل جرة زجاجية، رأسه محنط، لكن عينيه تتحركان): لا تقلق يا صديقي. الجنازة ستبث على قنوات CNN وFox News وRT بنفس الوقت. حققت أعلى نسبة مشاهدة في التاريخ – 0.001% من سكان العالم. الباقون مشغولون بالموت من الجوع.
ماريام الألماسة (تكتب شيكًا على جبين أحد النادلات): سأدفع ثمن الجنازة. شرط واحد: أن يكون النعش من خشب أشجار الكونغو الأصلية، وأن يحمل شعار "صنع في بلجيكا".
(يضحك الجميع ضحكة قصيرة، باردة، ثم يعودون إلى وجوههم الحجرية.)
باتريس العودة (يظهر فجأة من خلف الستار، جسده شفاف كالدخان): مرحبًا أيها السادة. هل تحتفلون بموت أحد؟ أنا خبير في هذه المناسبات. آخر مرة حضرت جنازة، كانت جنازتي أنا.
(الجميع يصمت. ماريام تسقط قلمها. فون كاردينال يكاد يسقط من كرسيه.)
زيغا المارد (يتشكل كسحابة فوق الطاولة): هذا مستحيل. أنت ميت منذ مئة عام. لقد أذبناك بأنفسنا في برميل من حامض الكبريتيك. بقيت منك سن ذهبي واحد، وهو الآن في متحف بروكسل. ارحل أيها الشبح، فليس لك مكان بين الأحياء.
باتريس العودة (يقترب من فون كاردينال، ينظر في عينيه): الأحياء؟ من هو الحي هنا؟ أنت يا سيد فون كاردينال؟ نبضك يتوقف، تنفسك يصدر صفيرًا، وعقلك لم يعد يميز بين حلمك القاتل وحقيقة جثتك. أنتم أيها السادة لستم أحياء. أنتم مجرد أموات لم يعلموا بموتهم بعد.
(يصرخ فون كاردينال. تطفأ الأنوار للحظة. تضاء ثانية، وقد اختفى باتريس، لكن بقيت رائحة دم خفيفة في القاعة.)
بوكو ترامب (يدخل من باب جانبي، شعره برتقالي ضارب إلى الحمرة، يحمل هاتفًا يغرد باستمرار): أنا من وضعته هناك! أنا من وضع الجميع هناك! هذه أفضل جنازة في التاريخ، ربما أفضل جنازة منذ جنازة إبراهيم لينكولن، لكني أفضل منه، صدقوني.
ناديا النادلة (تمسح الطاولة بقرب جرة هنري الصقر، تقول ببرود): سيد فون كاردينال، هل تريد قهوة؟ أم تفضل كأسًا من حمض الكبريتيك تخليدًا للذكرى؟
(سكوت مميت. فون كاردينال يحدق فيها، لا يدري أتسخر أم تقترح.)
………
(ينتهي الفصل الأول مع إعلان الجوقة الشعبية من خلف المسرح بصوت هادئ، لحني، وكأنهم يغنون مرثية:)
الجوقة: مات الرجال في سرير الفاخر وظل الظل يجر الظل لكن فكرة ماتت؟ كلا الفكرة تصنع من السن الذهبي قناديل للطريق الطويل.
………
الفصل الثاني
"عشاء البترودولار الأخير"
(قاعة طعام ضخمة، طاولة على شكل حرف U، مفارش من حرير، أطباق من فضة. كل شخصية جالسة في مكانها، أمامها لافتة تحمل اسمها وخطيئتها. الجدران مغطاة بشاشات تعرض إحصائيات: عدد القتلى في غزة، عدد اللاجئين في العالم، أرباح شركات النفط، أسعار الأسهم. الأرقام تتزايد بسرعة، لكن أحدًا لا ينظر إليها.)
سلطان سيف النفط (يلف سبحة من الماس بين أصابعه، يقرأ آيات من القرآن مكتوبة على أوراق نقدية دولارية): بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} – والقوة اليوم يا إخواني هي البترودولار. من يملك النفط بالدولار يملك العالم. ومن يملك العالم يملك الجنة بموجب فتوى خاصة من هيئة كبار العلماء المعلقة بالراتب الشهري.
ماريام الألماسة (تضحك تضحكة معدنية): يا سلطان، أنت مضحك. أنت تظن أنك تملك النفط. نحن من نملكك. نحن من نقرر متى ترتفع الأسعار ومتى تنخفض. نحن من نحمي عروشكم مقابل شيك بسيط في حساب سويسري. تذكر: أمريكا ليست صديقتكم. أمريكا هي مالككم.
سلطان سيف النفط (يسقط المسبحة، يحاول استردادها بكرامة): نحن شركاء. لا مالكين ولا مملوكين. شراكة استراتيجية. حلفاء في الحرب على الإرهاب. صفقة القرن... صفقة البترودولار... صفقة...
باتريس العودة (يظهر فجأة جالسًا على الكرسي الفارغ بينهما): صفقة دم. هذا اسمها الحقيقي. صفقة دم. أنت يا سلطان تبيع دماء شعوبك مقابل حماية عرشك الواهي. وأنت يا ماريام تشترين دماء الفلسطينيين مقابل منصب سفير لزوجك. لا فرق بينكما. كلاهما تاجرا موت.
(يحاول الحرس التحرك نحو باتريس، لكن أياديهم تمر عبر جسده كالهواء.)
ناديا النادلة (تصب القهوة في فناجين، تقول بهدوء): سيد سلطان، القهوة على طريقتي اليمنية. غليظة كسياسة أمريكا في الشرق الأوسط. مرة كمرارة التهجير. لكن في النهاية... لا تُشرب. نرميها في البالوعة.
أرطغرل (واقفًا، يخطب فيهم بحماس عثماني مصطنع): أيها السادة، أنا لا أوافقكم الرأي. تركيا دولة مستقلة ذات سيادة. نحن لا نتبع أوامر أحد. نحن نصنع سياستنا بأنفسنا. نحن نقرر متى نفتح حدودنا للمقاتلين الأجانب، ومتى نغلقها. نحن...
نتن ياهو (يظهر فجأة على الشاشة الكبرى، متكئًا على كرسي في تل أبيب، يلوح بملف ضخم): كذاب. أنت كذاب يا أرطغرل. أنت تبيع الأسلحة لحماس عبر قطر، وتشرب الشاي مع قادة النصرة في إسطنبول، وفي المساء تخطب في الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان. أنت لا تصنع سياسة. أنت تصنع فوضى. لكني أعرف كل شيء. انظر إلى هذا الملف. إنه ملفك الكامل. صورك مع البغايا. حساباتك السرية. اتصالاتك مع إيران. أريد مقابل ذلك، مقابل هذا الملف... أن توافق على صفقة تطبيع شاملة. العلن مقابل السر. الدم مقابل النفط.
أرطغرل (شاحب الوجه، يجلس بسرعة، يهمس): لعنة الله عليك يا نتن ياهو. لكن... اتفقنا.
(الجميع يضحك ضحكة عصبية. الجوقة تهمس من خلف المسرح: "هكذا تُباع الأمم. على طاولة عشاء. مقابل ملف وابتسامة.")*
بوكو ترامب (يقف فجأة على الطاولة، يدوس بالأطباق): أيها الأصدقاء، لدي إعلان مهم. لقد قررت أن أجعل سوريا منتجعًا سياحيًا. أول منتجع في العالم للإرهابيين السابقين. الجولاني سيكون مدير المنتجع. ستباع الأسهم في البورصة الأسبوع القادم. اسم السهم: "JIHAD INC". سيحقق أرباحًا خيالية، صدقوني.
(يخرج الشرع بن الجولان من تحت الطاولة، مرتديًا بدلة زرقاء وربطة عنق حمراء، يحمل حقيبة جلدية.)
الشرع بن الجولان (بلهجة رجل أعمال، وكأنه يبيع عقارات في دبي): السادة، السيدات، الكائنات الفضائية التي قد تكون بيننا... أنا هنا لأؤكد لكم: لست إرهابيًا. لقد كنت إرهابيًا. هذا صحيح. لكن الماضي مضى. واليوم أنا رجل أعمال. أنا رئيس سوريا بالوكالة عن ترامب. أنا شريككم في صفقة إعادة الإعمار. مقابل كل دولار تضعونه في جيبي... سآخذ سنتًا وأعيد الباقي إلى أوروبا على شكل قوارب مهاجرين جدد.
(ضحكة مدوية. فون كاردينال يبتسم للمرة الأولى في المسرحية.)
فون كاردينال (بصوت ضعيف لكن حاد): هذا... هذا هو إرثي. أنا علمتكم. أنا من قال لكم: "الضمير يتوقف عند حدود المصالح". أنا من جعل من الإرهابيين شركاء، ومن الشركاء أمراء، ومن الأمراء آلهة صغرى.
(يبدأ فجأة بالسعال الشديد. الجميع يقتربون منه قلقين – ليس قلقًا عليه، بل قلقًا على الجنازة التي استثمروا فيها.)
الجوقة (في الخلفية، بهدوء أكبر هذه المرة): القاتل يعلم تلاميذه كيف يقتلون والتلاميذ يقتلون أسيادهم في النهاية هكذا دارت الدائرة منذ بدء الزمان فلماذا تتعجبون أيها السادة؟
………
الفصل الثالث
"حظيرة الدجاج التذكارية"
(الطابق السفلي من الفندق. غرفة صغيرة مبلطة بالأسمنت، في زاويتها قفص دجاج صدئ. على الجدران، صور لفون كاردينال مع ملوك بلجيكا الثلاثة. في وسط الغرفة، طاولة عليها برميل ممتلئ بسائل أصفر. مكتوب على البرميل: "حمض كبريتيك نقي – يحفظ الذكريات إلى الأبد.")
فون كاردينال (يُدخل على كرسي متحرك، يطلعه اثنان من الخدم): هنا... هنا بدأ كل شيء. هنا مات لومومبا. لا، ليس هنا بالضبط. كاتانغا. حظيرة دجاج حقيقية. لكن هذه التحفة... هذه هدية من أبنائي في الذكرى التسعين لميلادي. حظيرة دجاج تذكارية. فيها برميل حمض تذكاري. حتى لا ننسى. حتى لا ننسى كيف نصنع التاريخ.
باتريس العودة (جالسًا بالفعل على البرميل، يضرب عليه برجله كأنه طبل): ألم تنسَ بعد يا سيد فون؟ ألم تنسَ أن الرصاص لا يقتل الأفكار؟ ألم تنسَ أن كل سن ذهبي من أسناني سينمو شجرة في مكان ما في إفريقيا؟
فون كاردينال (يحدق فيه بغضب متعب): لماذا تطاردني؟ لقد مت. أنا أيضًا سأموت قريبًا. اتركني أرحل بسلام.
باتريس (يقف، يقترب منه، يضع يده الشفافة على كتفه): السلام؟ ما تعرفه عن السلام يا قاتلي؟ السلام هو ما أراده شعبي. السلام هو أن تعود ثروات الكونغو إلى الكونغوليين. السلام هو أن تقف المحاكم الدولية منتصبة لا جبانة. أنت لم تعرف السلام يومًا. أنت عرفت فقط الصفقات. والخنوع. والمكاتب المكيفة.
(يدخل كوفيو، البواب الكونغولي، يحمل صينية شاي. ينظر إلى برميل الحمض، إلى صور فون كاردينال، إلى باتريس الشبح الذي يراه وحده تقريبًا.)
كوفيو (لباتريس، كأنه يراه منذ زمن): جدي... جدي كان هناك. في كاتانغا. لم يخبرني قط بما رأى. كان يصمت. كان يشير إلى فمه ويقول: "هذا الفم لم يبصق كلمة عن تلك الليلة". ثم بكى. بكى كثيرًا.
باتريس (ينظر إلى كوفيو بحب وحزن): جدك كان بطلاً. لم يطلق النار. لكنه حمل الماء للجلادين. لأنه كان خائفًا. لا تلوم جدك. لوم من جعله خائفًا. لوم من اشترى خوفه بقطعة خبز.
فون كاردينال (يحاول أن يتكلم، لكن سعاله يمنعه): كوفيو... أخرج... هذا ليس مكانك.
كوفيو (يضع صينية الشاي على الأرض، وينظر إلى فون كاردينال بعيون لا تخلو من شفقة): سيدي، أنا ابن الكونغو. كل مكان هو مكاني. حتى هذه الحظيرة التذكارية. حتى هذا البرميل من العار.
(يخرج كوفيو ببطء. يتبعه باتريس كالظل. يبقى فون كاردينال وحيدًا، ينظر إلى البرميل، ثم إلى صورته مع الملوك، ثم يهمس لنفسه.)
فون كاردينال (بصوت طفل صغير خائف): أريد أن أموت... أريد أن أموت... أين أولادي؟ أين ماريام؟ أين أحد؟ لا أحد... لا أحد... هم فقط ينتظرون موتي لميراث النفوذ. أنا وحدي. كما كان لومومبا وحدَه في تلك الليلة.
(تطفأ الأنوار. نسمع صوت قطرات من سائل كثيف تسقط. ثم صوت الجوقة، وكأنهم يغنون تهويدة لمحتضر:)
الجوقة: نام يا قاتل، نام عيونك لن تغمض أبدًا الضحايا ينتظرونك في الحلم وفي اليقظة وفي كل مرآة ترى فيها وجهك سيرون وجهه هو وجه لومومبا لا يموت.
………
الفصل الرابع (الأخير)
"جنازة بلا جثمان"
(القاعة الرئيسية للفندق. تحولت إلى قاعة عزاء ضخمة. نعش من خشب الأبنوس موضوع على منصة. فوق النعش، صورة كبيرة لفون كاردينال مبتسمًا. لكن النعش فارغ. حوله النخبة واقفون، يرتدون السواد، يبكون بدموع تمثيلية. بعضهم يفرك عينيه ببصل مزيف. الكاميرات تسجل. مذيعو التلفزيون يهمسون بنبرة حزينة.)
هنري الصقر (لا يزال في جرة الزجاج، يحاول البكاء لكن عينيه الجافتين لا تدمعان): لقد فقدنا أبًا روحياً. معلمًا. صديقًا. رجلاً قال للعالم كلمة "لا" عندما أراد الجميع أن يقولوا "نعم". رجل...
ماريام الألماسة (تمسح عينًا جافة بمنديل كشميري): رجل آمن بأوروبا. رجل ضحى بحياته من أجل قيمنا. رجل...
باتريس العودة (يقف في آخر القاعة، لا يراه أحد إلا كوفيو وناديا وبعض الخدم): رجل قتلني. رجل أذاب جسدي. رجل جعل من سني الذهبي تذكارًا لعائلته. هذا هو "الأب الروحي" الذي ترثونه اليوم. قاتل. مجرم. جبان.
(فجأة، يرتعش النعش. يهتز. ثم يسقط غطاؤه على الأرض. النعش فارغ تمامًا. لا جثة. لا شيء. فقط وسادة من حرير وعليها ورقة صغيرة مكتوب عليها: "لقد هربت. سامحوني.")
الشرع بن الجولان (يركض نحو النعش، يقلبه، يحاول أن يجد شيئًا): أين الجثة؟ أين هو؟ لا يمكن أن تكون الجنازة بلا جثة! لقد بعت حقوق البث لـ12 شبكة! ماذا سأقول لهم؟ "آسف، الرجل لم يمت بعد، لكنه لا يريد الحضور"؟
بوكو ترامب (يغرد بهاتفه بغضب): فضيحة! أكبر فضيحة في تاريخ الجنازات! هذا أسوأ من انتخابات 2020! هذا أسوأ من انسحاب أفغانستان! سأرفع دعوى قضائية... سأقاضي النعش... سأقاضي الفندق... سأقاضي فون كاردينال نفسه!
(يدخل فون كاردينال فجأة من باب جانبي، يمشي على قدميه ببطء، دون كرسي متحرك، عيناه زرقاوان شابتان، يبدو أصغر بعشرين عامًا.)
فون كاردينال (بصوت واضح، قوي): لم أمت. ألم أقل لكم؟ أنا لا أموت. لقد تجاوزت الموت بفضل تقنيات الـCRISPR وهرمونات النمو السوداء. سأعيش مئة عام أخرى. ربما مائتين. سأدير بيلدربيرغ حتى نهاية الزمان. أنا الفكرة. أنا النظام. أنا...
(لم يكمل جملته. باتريس العودة يقف خلفه فجأة، يهمس في أذنه كلمة واحدة. فون كاردينال يتجمد. يتحول لونه إلى رمادي. ينهار على الأرض. مات حقًا هذه المرة.)
باتريس العودة (ينظر إلى الجثة بهدوء، ثم يلتفت إلى الجمهور/النخبة): ماذا قلت له؟ قلت له: "لقد انتصرتُ." هذا كل شيء. كلمة واحدة. "لقد انتصرتُ." لأن من يموت وفي قلبه فكرة لا تموت، هو المنتصر. ومن يموت وفي قلبه جريمة لا تُغتفر، هو الخاسر.
(يسكت الجميع. حتى ماريام تتوقف عن البكاء التمثيلي. هنري الصقر ينكمش في جرة الزجاج. بوكو ترامب يغمى عليه. الجوقة تخرج من خلف الكواليس، تبدأ بالغناء بصوت عالٍ وجهوري:)
الجوقة: قُتل لومومبا في حظيرة دجاج فأصبح كل حظيرة دجاج في العالم مزارًا قُتل ألف مرة، وأذيب جسده فأصبح كل سن ذهبي في الأرض يذكّر به مات القاتل في سريره فأصبح كل سرير نوم في بلجيكا سرير عار لا يصنع الانتصار من يقتل بل من يموت ويُخلّد.
(تتحول القاعة فجأة. تسقط الثريات. تتكسر المرايا. تتطاير صور فون كاردينال في الهواء كأوراق خريف. بدلًا منها، تظهر صور لومومبا على الجدران. مئات الصور. آلاف. عيون لومومبا تنظر من كل مكان.)
ناديا النادلة (تخلع مريلة الفندق، ترميها على الأرض، وتصرخ بأعلى صوتها): لقد سقط الطاغية! فلتحيا المقاومة! فلتحيا فلسطين! فلتحيا أفريقيا! فلتحيا كل أرض يموت فيها شهداء ويحيى أحرار!
كوفيو (يحطم برميل الحمض التذكاري. ينكسر البرميل، لكن لا حمض يخرج. بدلًا منه، تتدفق زهور بيضاء على الأرض): هذا هو إرثك يا سيد فون كاردينال. زهور بيضاء. من دم لومومبا. لا حمض يذيب. زهور تزهر.
(المسرحية تصل إلى ذروتها. النخبة تفر في كل اتجاه. الكاميرات تسقط. المذيعون يصرخون. ثم... يهدأ كل شيء. يبقى فقط باتريس العودة، جالسًا على كرسي فون كاردينال الذهبي، مبتسمًا.)
باتريس العودة (إلى الجمهور مباشرة، كسر الحائط الرابع): وأنتم أيها الجالسون في الظلام... هل تعتقدون أن هذه مجرد مسرحية؟ هل تعتقدون أن فون كاردينال شخصية خيالية؟ هل تعتقدون أن حظيرة الدجاج التذكارية مجرد ديكور؟
(يضحك ضحكة طويلة، مريرة، لكن في نهايتها لمحة أمل.)
باتريس العودة: أتمنى لو كانت خيالًا. أتمنى لو كنت مجرد شبح على خشبة مسرح. لكني حقيقة. ودمي حقيقة. وأسناني الذهبية التي تحولت إلى زهور... حقيقة.
(يقف، يمشي ببطء نحو كواليس المسرح، يتوقف قبل أن يختفي، يلتفت.)
باتريس العودة: والفكرة... الفكرة لا تموت. تذكروني حين تخرجون من هذه القاعة. تذكروني حين ترون طفلًا فلسطينيًا يرشق دبابة بحجر. تذكروني حين ترى زهرة بيضاء تنبت بين الخراب. تذكروني. فأنا لست ميتًا. أنا منتصر.
(تطفأ الأنوار تمامًا. في الظلام، نسمع صوت الجوقة وهم يرددون بصوت هامس ثم يعلو تدريجيًا:)
الجوقة: لومومبا حي في كل ثائر في كل ضوء ينبعث من سجن في كل كلمة تكسر جدار الصمت في كل دمعة تتحول إلى قبضة في كل ابتسامة طفل فلسطيني رغم الحصار في كل عودة إلى الديار رغم القصف في كل سن ذهبي ينبت زهرة بيضاء لومومبا حي لومومبا منتصر والقاتل... القاتل مجرد حكاية تروى في ليالي الشتاء الطويلة للأطفال قبل النوم ليعلموا أن الشر يموت دائمًا وأن الخير وإن تأخر لا بد آتٍ... لا بد آتٍ.
(ستارة سوداء تسقط ببطء. ثم فجأة، تفتح الستارة مرة أخرى لثوانٍ، ونرى على المسرح الخالي مجرد سن ذهبي صغير يتدلى من خيط رفيع، يضيء كالقمر في ليلة مظلمة. ثم تغلق الستارة للنهاية.)
النهاية
………
السرد المتشابك مع الكتاب الأصلي
كل مشهد في المسرحية يحيل إلى فصل محدد في كتاب "إتيان دافينيون":
· الفصل الأول ← المقدمة والجريمة التأسيسية. · الفصل الثاني ← الفصل الثالث (الطغمة المالية وصناعة الإسلام السياسي) والفصل الرابع (ازدواجية المعايير). · الفصل الثالث ← الفصل الأول (تفاصيل اغتيال لومومبا) والخاتمة. · الفصل الرابع ← الفصل الخامس (الإرث المستمر) والخاتمة.
المسرحية بهذا المعنى هي تطبيق عملي لأسلوب "السردية المتشابكة" الذي ابتكره الكتاب الأصلي، ولكن على خشبة المسرح بدل الصفحة المكتوبة.
…….
كتبت هذه المسرحية تخليدًا لباتريس لومومبا، وموريس مبولو، وجوزيف أوكيتو، ولكل شهيد لم يمت جسده قبل أن تموت فكرته.
ولكل قارئ يخرج من هذه السطور وفي قلبه قبضة من نور.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة مقارنة -إتيان دافينيون، من اغتيال لومومبا إلى عراب الأ
...
-
-إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية الع
...
-
غرب آسيا بين أفول الهيمنة وصعود البدائل: ملحمة التحوّل الجيو
...
-
-ما تبقى مني بعد أن فرغوني-..مشهد روائي في ثلاثة أصوات: صوته
...
-
كتاب لإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده .. رواية وثائقية
...
-
-أشباح لا تستظل-..سلسلة قصصية قصيرة من 7 قصص
-
دراسة مقارنة لرواية ( البارون وبرميل كاتانغا) أو (ظل الحامض
...
-
زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على
...
-
بيروت: -تشريح الجمال المقاوم- – قراءة في قصيدة أحمد صالح سلو
...
-
قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاو
...
-
الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية
-
حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
-
قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي
...
-
الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
-
كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
-
قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
-
بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
-
فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا
...
-
رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد
...
-
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
المزيد.....
-
ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي
...
-
ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
-
النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك
...
-
من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
-
الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس
...
-
مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن
...
-
الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ
...
-
منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت
...
-
بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية
...
-
مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|