|
|
كتاب لإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده .. رواية وثائقية في ثلاثة فصول وختام
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 21:19
المحور:
الادب والفن
"كتاب الإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده"
(رواية وثائقية في ثلاثة فصول وختام)
تمهيد: عن القوائم التي لا تُنشر
ليس سهلاً أن تكتب عن جريمة تسبق كتابتك. أن ترصد كيف يتحول جسد الإنسان إلى خريطة، والخريطة إلى جريمة، والجريمة إلى سياسة تُدرّس في الأكاديميات العسكرية. هذا الكتاب ليس تحقيقاً، بل هو محاولة لاستنطاق ما لم ينطق به الضحايا خوفاً من العار، وما لم تذكره التقارير الدولية خوفاً من الإسقاطات الدبلوماسية.
سأحكي هنا عن ثلاث لحظات فارقة: 1948، 2004، 2024. ثلاث محاولات لطرد الشعب الفلسطيني ليس فقط من أرضه، بل من ذاكرته الجسدية، عبر سلاح قديم كقدم الاستعمار: الاغتصاب كسياسة. ليست الحالات التي سأرويها استثناءات، بل هي القاعدة التي أُخفيت تحت عبارة "تجاوزات فردية".
كل الأسماء في هذا النص خيالية، لكن كل واقعة هي إعادة تشكيل أدبي لشهادة حقيقية موجودة في أرشيفات الأمم المتحدة، أو منظمة "بتسيلم"، أو تقرير "اليونيفيل" السري لعام 2025.
……
الفصل الأول: سفر التهجير (1948) – قرية "الغابسية"
1.
في خريف 1948، لم تكن حرب فلسطين حرباً بالمعنى التقليدي. كانت تطهيراً عرقياً قوامه 750 ألف إنسان طُردوا، و531 قرية و بلدة مُحيت. لكن ما لم تقله كتب التاريخ الرسمية هو أن ثلث هذه القرى شهدت اغتصابات جماعية نُفذت كجزء من "الخطة دالت" التي أعدتها "الهاغاناه" تحت إشراف مستشارين بريطانيين.
قرية الغابسية، الواقعة على تلة تطل على بحر الجليل، اشتهرت بزراعة الباذنجان الأسود. لم تكن استراتيجية، ولا تحتوي على مواقع عسكرية. لكنها كانت قبيحة في نظر المستعمر: جميلة، خصبة، والنساء فيها معروفات بحرير شعرهن الطويل.
في 31 أكتوبر 1948، دخلت كتيبة "جولاني" القرية. كان معهم ضابط ارتباط بريطاني يُدعى الرائد "كولن ماكاي"، الذي سبق أن درّب قوات "ملك الخيانة عبد الله" في الأردن، ثم انتقل لتدريب "اللواء اليهودي". كان ماكاي يحمل كاميرا "ليكا" ألمانية، ودفتراً صغيراً دوّن فيه أسماء النساء اللواتي اعتبرهن "عنيدات".
لم يكن ماكاي مجرد مراقب. تشير وثائق من الأرشيف البريطاني فُتحت عام 2023 إلى أنه أوصى بـ "بروتوكول خاص للتعامل مع القرى العربية العنيدة"، يتضمن: "نزع الملابس كإجراء استخباري أولي، والتصوير الفوتوغرافي لتوثيق الردود، واستخدام الكهرباء المنزلية كوسيلة استجواب، وجلد النساء البالغات في الأماكن الحساسة أمام عائلاتهن".
هذا البروتوكول – الذي أسماه ماكاي "الاستجواب المتقدم" – طُبق أولاً في الغابسية.
2.
سمية، 19 عاماً، خياطة ماهرة.
كانت تخيط فستان زفافها على قماش الكتان الأبيض، عندما سمعت دوي المدفع الأول. لم تصرخ حين اقتحموا البيت، بل اختبأت تحت كومة من القماش. اكتشفها الجندي "موشيه روزنبرغ"، مهاجر من رومانيا، كان قد تدرب في معسكر "سيركين" على تقنيات "كسر العانسات" – وهو مصطلح عسكري إسرائيلي لتعذيب النساء اللواتي يرفضن الكلام.
اقتيدت سمية إلى عمارة البلدية المهجورة. هناك، على طاولة البلدية الخشبية التي كان رئيس البلدية العثماني يوقع عليها قرارات الضرائب، اغتُصبت سمية من قبل أربعة جنود بينهم الرائد ماكاي نفسه الذي وقف يصوّر.
وثيقة إسرائيلية سرية رقّمها المؤرخ "إيلان بابي" في كتابه "التطهير العرقي لفلسطين" تشير إلى أن سمية عولجت في مستشفى حيفا بعد خمسة أيام، حيث سُجلت حالتها كـ "نزيف داخلي حاد في منطقة الحوض، وتمزقات متعددة، وصدمة نفسية حادة". لكن التقرير نفسه نسب إصابتها إلى "سقوط من علو".
توفيت سمية بعد أسبوعين في منزل خالتها بنابلس. شهادة وفاتها دوّنت "فشل تنفسي حاد". لم يُفتح أي تحقيق، ولم يُسأل أي جندي.
أما صور ماكاي، فقد عُثر عليها عام 2015 في علبة معدنية في حي "الموسرارا" بغرب القدس. كانت العائلة التي اشترت المنزل تظنها صوراً تذكارية من حرب 1948. كانت في الواقع دليلاً على جريمة حرب موثقة بكاميرا "ليكا" ثلاثية الأبعاد.
رفضت المحكمة الجنائية الدولية قبول الصور كدليل، لأنها "لم تلتقط بواسطة طرف محايد".
3.
أم خليل، 45 عاماً، أرملة.
كانت أم خليل تخبز لسبعة أطفال، حين دخل الجنود بيتها الطيني. لم يطلبوا منها شيئاً، بل أخرجوها وإياها إلى ساحة القرية، وجردوها من ثيابها أمام الجيران. لماذا؟ وفقاً لشهادة الجندي "يهوشع سادان" في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس" عام 1988، فإن الهدف كان "إذلال القرية بأكملها عبر إذلال أمها الكبيرة".
ثم اقتيدت إلى كنيسة القرية المهجورة (كانت كنيسة بيزنطية حولها المحتلون العثمانيون إلى مخزن قمح). هناك، اغتُصبت من قبل سبعة جنود، بينما جثت بناتها الصغيرات في الزاوية يبكين. إحدى البنات، التي أصبحت لاحقاً معلمة في مخيم جنين، وصفت ما رأته بأنه "ذبح ليس بالحديد".
بعد ثلاثة أيام، أُطلقت سراح أم خليل، فمشت حافية إلى قرية مجاورة. كانت تمشي منحنية كمن يحمل جداراً على ظهره. لم تنطق بأي كلمة عن التفاصيل طوال حياتها، لكنها كانت كل ليلة تجلس أمام الموقد، تمسح وجهها بقطعة قماش مبللة، وتهمس: "ليس الأمر أنهم فعلوا ذلك بي، بل أنهم فعلوه أمام أطفالي".
توفيت أم خليل عام 1996 في مخيم نهر البارد بلبنان. آخر ما قالته لابنتها: "لا تدفنوني في أرضهم. ادفنوني حيث لا يجدوني أبداً. لا في أرض، ولا في ذاكرة".
لم يُدفن جثمانها. دفنت المخيم تحت القصف عام 2007.
4.
ماكاي بعد خمسين عاماً.
في عام 1998، قابلت صحفية أسترالية الرائد كولن ماكاي في دار رعاية المسنين في "برايتون". كان مصاباً بالخرف، لكنه فجأة استعاد وعيه حين رأى صورته في مجلة عربية.
قالت الصحفية: "هل ندمت على شيء؟"
نظر إليها بعينين زرقاوين شاردتين، ثم قال: "أنا فقط نفذت الأوامر. البريطانيون علمونا أن العدو ليس إنساناً. العدو هو موضوع تجربة. إذا نجحت التجربة، تصبح دليلاً تدريبياً للعالم الحر".
سألته: "حتى لو كان الهدف امرأة حامل؟"
قال: "خاصة الحامل. الرحم هو أقوى أداة للمقاومة. من يسيطر على الرحم يسيطر على الأجيال."
توفيت الصحفية بعد عام بحادث سيارة مريب. لم تُنشر المقابلة كاملة.
……..
الفصل الثاني: سفر نقل الجينات (2004) – من أبو غريب إلى الخليل
1.
في 2004، فُتح باب جحيم جديد. سجن أبو غريب في العراق، حيث مارست القوات الأمريكية "التعذيب المتقدم" الذي طوّره مستشارون إسرائيليون في التسعينيات. لم يكن سراً أن ضباطاً من "الشاباك" و"الوحدة 504" التابعة للموساد قدموا دورات تدريبية لأفراد "الاستخبارات العسكرية الأمريكية" في قاعدة "فورت هوود" عام 2001، عنوان الدورة: "إدارة الغضب عبر الجسد".
لكن القليلين يعرفون أن نفس التقنيات طُبقت في نفس العام على فلسطينيين في معتقل "عوفر" و "النقب". الفرق هو أن إسرائيل لم تحتج إلى إخفاء الكاميرات كما فعلت أمريكا في أبو غريب، لأن الكاميرات الإسرائيلية كانت تصور علناً، بحجة "توثيق الاستجوابات".
شهادة المعتقل "إبراهيم أبو زينة" (27 عاماً من الخليل)، التي قدّمها لمنظمة "الضمير" عام 2005:
"اقتادوني إلى غرفة صفراء. علقوا كاميرا سوني على حامل ثلاثي. قال الضابط: سوف تبكي أمام الكاميرا، لأن بكاءك هو هدفنا الحقيقي. لا نريد اعترافات. نريد أن نرسل كاسيت إلى أهلك في الخليل. نريدهم أن يسمعوا صوتك وأنت تطلب الرحمة ".
قاموا بتعرية إبراهيم، وربطوه على كرسي معدني مقلوب. بدأوا بصعق كهربائي خفيف. كانوا يزيدون القوة كلما توقف عن البكاء. ثم دخل جندية – امرأة – ترتدي زي أسود. قامت بلمس أعضائه التناسلية، وقالت ضاحكة: "أليس هذا ما تحلمون به؟ امرأة يهودية تلمسكم؟".
ظل إبراهيم في الغرفة الصفراء 72 ساعة. صُور ونُقل ومُسحت أجزاء من جسده بعدسات مكبرة. في نهاية الجلسة، قال له الضابط: "أنت الآن لست رجلاً. أنت فيديو يمكن تكراره مليون مرة. أهلك سيرونك عارياً. زوجتك ستراك. أطفالك سيسألون لماذا صرخت هكذا".
لم يكن ما فعله الضابط كذباً. فقد أرسلوا الكاسيت إلى منزل إبراهيم في الخليل. شاهدته زوجته، التي كانت تبلغ من العمر 22 عاماً، ثم أجهضت بعد أسبوع. لم تشرح السبب للطبيب. قالت فقط: "رأيت ما لا يراه الأموات".
2.
منهجية "الاغتصاب التوثيقي" هو مصطلح صاغته المحققة في الأمم المتحدة "مونا ريشماوي" عام 2006. وتعني: "استخدام التصوير الفوتوغرافي والفيديو كجزء أساسي من فعل الاغتصاب نفسه، بحيث يصبح المشاهد جزءاً من الجريمة".
هذه المنهجية لم تظهر فجأة في أبو غريب. جذورها تعود إلى معسكرات الاعتقال البريطانية في كينيا خلال الخمسينيات (انتفاضة "الماو ماو")، حيث كان الجنود البريطانيون يصوّرون النساء الكينيات عاريات قبل اغتصابهن، ويرسلون الصور إلى أزواجهن في المعسكرات كوسيلة لكسر إرادتهم.
ثم تلقفها "الشاباك" في سبعينيات القرن الماضي، وطوّرها في معتقل "الدامون" حيث استُخدم التصوير الفوتوغرافي بالأبيض والأسود لإذلال أسرى الجبهة الشعبية. ثم وصلت إلى ذروتها التقنية في معتقل "بتاح تكفا" الجديد (2018) حيث الكاميرات مزودة بتقنية "تعرّف الوجه" و"قياس الألم" عبر التعرق واتساع البؤبؤ.
ما تغير الآن هو أن المشاهد لم تعد خاصة. تُنشر مقاطع فيديو مقنّعة الوجوه على تطبيقات "تيليغرام" و"واتساب"، بمعدل 47 مقطعاً شهرياً حسب تقرير "مركز القدس القانوني" لعام 2024. بعضها يحصل على مئات آلاف المشاهدات قبل أن تحذفه الإدارة.
3.
صورة رقم 1047 – الأرشيف السري للأمم المتحدة.
وصف الصورة (لن أصفها تفصيلاً): فتى فلسطيني لا يتجاوز الرابعة عشرة، جاثٍ على ركبتيه، وجهه مشوه من البكاء، خلفه جنديان إسرائيليان يبتسمان رافعين إصبع الإبهام. الفتى مغطى بالدماء. لا يظهر فيه أي جزء عارٍ بشكل صريح، لكن الوضعية والدماء تشير إلى اغتصاب شرجي حاد.
التقطت الصورة عام 2024 في معتقل "عزون" المؤقت. عُثر على نسخة منها في هاتف جندي إسرائيلي فقد هاتفه في سوق "محمود درويش" برام الله. رفع الجندي قضية ضد الفتى الفلسطيني بتهمة "سرقة ممتلكات عسكرية".
أما الفتى، واسمه وسام، فقد نُقل إلى المستشفى الإسرائيلي بعد أن فقد وعيه. تقرير طبي إسرائيلي سري (حصلت عليه "هيومن رايتس ووتش") وصف إصابته بـ "تمزقات شرجية متعددة الدرجات، ونزيف داخلي، وحروق كهربائية على الفخذين". نسب التقرير الإصابات إلى "محاولة إدخال جسم غريب إلى المستقيم بطريقة غير مقصودة أثناء التفتيش الأمني".
ما معنى "غير مقصودة" في ثقافة عسكرية تمتلك جيشاً يحتل شعباً منذ 76 عاماً؟ لا توجد إجابة. كل ما هو موجود هو جثمان وسام الذي دُفن بعد عشرة أيام في مقبرة الشهداء في قلقيلية. لم تسلم أمه جثمانه، بل استلمت صندوقاً بلاستيكياً أبيض. قالت للصحفيين: "أخفوا وجهه. حتى الموت لم يرحمهم من التصوير".
……
الفصل الثالث: سفر القائمة السوداء (2026) – الأمم المتحدة توثّق
1.
في 15 مايو 2026 وقف أنطونيو غوتيريش أمام مجلس الأمن الدولي. كانت يداه ترتجفان قليلاً، ليس خوفاً، بل لأنه كان على وشك قراءة قائمة من العار لم يشهد لها التاريخ من قبل. القائمة السوداء الثالثة في تاريخ الأمم المتحدة. الأولى كانت لجماعات مسلحة في الكونغو، والثانية لقوات ميانمار، والثالثة الآن – ولأول مرة – لدولة عضو في الأمم المتحدة: إسرائيل.
التقرير الذي قدّمه غوتيريش كان بعنوان: "العنف الجنسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: 2023 -2026". عدد الصفحات: 784 صفحة. عدد الضحايا الموثقة بالاسم والتاريخ والموقع: 431 ضحية. لكن العدد الحقيقي، كما ذكر التقرير نفسه، هو أكبر بكثير بسبب الخوف من التبليغ والوصم الاجتماعي.
ما قاله التقرير باختصار:
· 31 ضحية موثقة في غزة والضفة: 14 رجلاً، 7 نساء، 9 أطفال، وفتاة واحدة. · 13 حالة وقعت في عام 2025 فقط. · الاغتصاب الجماعي تم توثيقه في 7 حالات. · استخدام الأدوات الحادة في الاغتصاب تم توثيقه في 4 حالات. · التصوير الإجباري تم توثيقه في 19 حالة. · التهديد بالاغتصاب ونشر الفيديوهات تم توثيقه في 22 حالة.
لكن الجملة الأهم في التقرير كانت: "تتأسس ثقافة الإفلات من العقاب في إسرائيل، حيث لم تُجرَ أي محاكمة واحدة لجندي أو ضابط بتهمة الاغتصاب الجماعي منذ عام 1948".
صمتت القاعة. سفراء 15 دولة حدقوا في وجوه بعضهم. مندوب إسرائيل، داني دانون، كان قد غادر القاعة قبل دقائق من التلاوة، تاركاً وراءه بياناً مكتوباً بخط اليد: "الأمم المتحدة عصابة معادية للسامية، وهذا التقرير هو هامش تاريخي لن يؤثر على أخلاق جيش الدفاع".
لكن التقرير لم يكن هامشاً. لأنه وثق أيضاً ما أسماه "الجريمة بالوكالة" : محميات الخليج الصهيوأمريكية – التي تموّل سجوناً خاصة داخل أراضيها يُعتقل فيها فلسطينيون بتهم غير محددة، وتُسلم إلى "خبراء استجواب إسرائيليين" يعملون بعقود خاصة. امتداد لأبو غريب، لكن تحت شمس الخليج.
2.
لنتوقف هنا عند "سجن الاتحاد" في إحدى محميات الخليج، ديسمبر 2024. شهادة "خالد م." (اسم مستعار)، عامل فلسطيني أُبعد من الخليج بعد سنتين من الاعتقال الإداري:
"لم أكن أعرف أنني في الخليج. حين وضعوا الكيس الأسود على رأسي، ظننت أنهم سينقلونني إلى إسرائيل. فوجئت حين فتحوا الكيس أنني في غرفة مكيفة، على الحائط علم الإمارات وصورة مكتوب تحتها محاربة الإرهاب . لكن الذي استجوبني كان إسرائيلياً. عرفته من اللكنة. كان معه مترجم خليجي.
سألني: هل أنت من حماس؟ قلت: لا . قال: حسناً، سأريك أن كل فلسطيني هو حماس إذا أردت .
بدأ بصعق كهربائي على أذنيّ. ثم قام بتعرية ساقيّ. ثم جلب قفازاً مطاطياً أسود. ثم قال: هذا ليس تعذيباً. هذا فحص شرجي. القوانين هنا تسمح بالفحص الشرجي للمشتبه بهم. تفضل .
استمر الفحص 40 دقيقة. لم يجدوا شيئاً. لكنهم قالوا لي: لن نطلقك لأننا نعلم أنك فعلت شيئاً. اعترف أو سندخل هذا القفاز إلى فمك ".
لم يعترف خالد بشيء. أُفرج عنه بعد 18 شهراً دون تهمة. لكنه عندما عاد إلى غزة، وجد أن بيته قد قُصف، وزوجته قتلت، وأطفاله في عداد المفقودين. قال لي بصوت لم يعد بشرياً: "الآن لا فرق. لا شيء يفرق. الاغتصاب في الخليج، القصف في غزة، القائمة السوداء في نيويورك. أنا مجرد جثة أتنفس".
3.
بيان "حالة الطوارئ" الصادر عن 19 منظمة نسوية فلسطينية وعربية في 20 مايو 2025، جاء في مقدمته:
"لأول مرة، تنطق الأمم المتحدة باسم العار الذي صمتنا نحن أنفسنا عنه أحياناً خوفاً على شرفنا. ولكن ليس الشرف في الصمت. الشرف في أن نقول: هناك سياسة ممنهجة لاغتصاب الفلسطينيين، بدأت مع الاحتلال البريطاني، وتطورت مع الاحتلال الإسرائيلي، وتبنتها الإدارة الأمريكية كـ أداة استجواب محسنة ، وتمارسها بحقنا محميات الخليج بوصفها فحوصات أمنية . هذه السياسة ليست أعمالاً فردية، بل هي جزء من خطة شاملة لطردنا من أجسادنا قبل أن نُطرد من أرضنا."
وصف البيان الاغتصاب الجماعي بأنه "الهولوكوست الجسدي" للشعب الفلسطيني. أثار البيان جدلاً عالمياً، ودعت إسرائيل إلى "سحب عضوية" تلك المنظمات من الأمم المتحدة. لكن اللافت كان صمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. صمت عالٍ جداً، كصمت القاضي الذي يعرف أن المتهم هو ابنه.
….
كتاب لن يُغلق
في عام 2050، بعد 102 عام على نكبة 1948، سيجلس طفل فلسطيني في متحف افتراضي اسمه "غرفة الذاكرة". سيرتدي نظارة الواقع المعزز، وسيظهر أمامه جده المولود عام 2023. سيقول الجد الافتراضي:
"يا ولدي، لم أعد أذكر شكل بيتنا في غزة. لكنني أذكر أنهم جردوني من ثيابي ست مرات. في كل مرة كانوا يقولون لي: أنت لست إنساناً. وفي كل مرة كنت أقول لنفسي: ربما لو كانوا حقاً يعتقدون أني لست إنساناً، لما أهتموا كثيراً بتعرية جسدي. إنهم يريدون تدمير الإنسان الذي بداخلي. لأنهم يعرفون أنه حي"
لن يفهم الطفل هذه العبارة. لكنه سيبكي بدون سبب. البكاء هو اللغة الوحيدة التي لم يستطع الاحتلال سرقتها. اللغة التي لا تحتاج إلى مترجم، ولا إلى محكمة دولية، ولا إلى قائمة سوداء.
هذا الكتاب – الذي بين يديك الآن – هو محاولتي لأن لا ينسى أحد أبداً أن سياسة الطرد الفلسطيني لم تكن فقط بالدبابات والقنابل، بل أيضاً بالكوابح والقفازات والكاميرات. بكل ما يخجل الجسد الإنساني من رؤيته، لكن لا يخجل منه جسد الأمة حين يعرف أنه يحمل ضوءاً لا يطفئه أي عار.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-أشباح لا تستظل-..سلسلة قصصية قصيرة من 7 قصص
-
دراسة مقارنة لرواية ( البارون وبرميل كاتانغا) أو (ظل الحامض
...
-
زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على
...
-
بيروت: -تشريح الجمال المقاوم- – قراءة في قصيدة أحمد صالح سلو
...
-
قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاو
...
-
الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية
-
حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
-
قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي
...
-
الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
-
كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
-
قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
-
بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
-
فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا
...
-
رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد
...
-
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
-
-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
-
انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
-
فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
-
عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
-
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
المزيد.....
-
من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل
...
-
-لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ
...
-
-في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش
...
-
بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص
...
-
من فوضى الألوان !! ..
-
مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي
...
-
الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز
...
-
إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب
...
-
مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي
...
-
فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|