أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا















المزيد.....


ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 14:37
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


عندما انكشف القناع

وقف النائب البلجيكي مارك بوتينغا، عضو حزب العمل الشيوعي ، في البرلمان الاوروبي، ليلقي كلمة هزّت أسوار المؤسسة الأوروبية التي طالما صاغت خطاباً براقاً عن حقوق الإنسان والديمقراطية. لم يكن خطاب بوتينغا مجرد موقف سياسي عابر، بل كان كشفاً لستار كثيف عن حقيقة الصراع في منطقة الساحل الإفريقي، تلك البقعة الجغرافية التي باتت تشكل قلب الصراع العالمي الجديد على الموارد.

قال بوتينغا ما لم يجرؤ غيره على البوح به داخل القاعات الأوروبية المكللة بالخطاب الناعم: إن الأسلحة التي تشتريها أوروبا بالمليارات، والتي يزعم أنها موجهة لردع روسيا، إنما صُممت بعناية لتُستخدم في الساحل الإفريقي، في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد . وكشف النائب عن حقيقة اقتصادية صارخة: الساحل الإفريقي ليس مجرد بقعة جغرافية تعاني من الإرهاب، بل هو أحد أهم ممرات التعدين في العالم، حيث تختزن ثروات معدنية هائلة من الذهب والنحاس والزنك والليثيوم واليورانيوم، وهي المعادن التي ستحدد معالم الاقتصاد العالمي في العقود القادمة .

وذكّر بوتينغا بما حدث في ليبيا، حيث دُمرت دولة بكاملها تحت شعار حماية المدنيين، لتُترك بعد ذلك للفوضى، ويُنهب ثرواتها، وتُفكك مؤسساتها . إنه النموذج الأوضح للاستعمار الجديد الذي يتحدث عنه النائب البلجيكي، حيث تُستخدم القوة العسكرية تحت غطاء إنساني لتحقيق أهداف اقتصادية بحتة.

هذا التصريح، الذي لم يكن مجرد موقف سياسي، كان إعلاناً عن انهيار السردية الأوروبية التي حاولت لعقود أن تخفي حقيقة الصراع في أفريقيا. ومن هنا يبدأ هذا النص، ليغوص في أعماق المشهد الجيوسياسي المتغير في الساحل، مستعرضاً التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل خريطة النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة.

الساحل – الجغرافيا الجديدة للصراع العالمي

لم يعد الساحل الإفريقي هامشاً جغرافياً كما كان يُقدّم في الخطاب الغربي لعقود. فهذا الإقليم الممتد من موريتانيا إلى تشاد، والذي كان ينظر إليه باعتباره مجرد منطقة صحراوية تعاني من التهميش، يتحول اليوم إلى قلب الصراع العالمي على الموارد. ففي باطن هذه الأرض، تتجمّع الثروات التي ستحدد مستقبل الطاقة والصناعة في العالم.

في بوركينا فاسو، تتركز كميات هائلة من الذهب والنحاس والزنك والمغنيسيوم. وفي مالي، ثاني أكبر احتياطي لليثيوم في أفريقيا، ذلك المعدن الحيوي الذي بات أساس ثورة السيارات الكهربائية. وفي النيجر، يورانيوم يضيء مدن فرنسا بينما يعيش شعبها في الظلام . وفي تشاد، النفط والمعادن الحرجة التي تدخل في صناعة الإلكترونيات الدقيقة.

هذه الثروات ليست مجرد موارد طبيعية تقليدية؛ بل هي الأساس المادي للثورة الصناعية الجديدة: بطاريات السيارات الكهربائية، الصناعات العسكرية المتطورة، الإلكترونيات الدقيقة، الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي. فمن دون الليثيوم، لا توجد بطاريات؛ ومن دون المعادن النادرة، لا توجد هواتف ذكية ولا أسلحة متطورة.

وهكذا، فإن ما يسمى "الإنفاق العسكري الأوروبي" ليس موجهاً نحو روسيا كما يُروَّج، بل نحو إعادة استعمار الساحل، حيث تتنافس القوى الكبرى على المعادن الحرجة التي ستحدد شكل القرن الحادي والعشرين. هذا المشهد ينسجم تماماً مع نظرية "المركز والأطراف": مراكز رأسمالية تستهلك الموارد وتراكم الثروة، وأطراف تُستنزف وتُحرم من ثمارها. فالدول الأوروبية، التي تحتاج إلى هذه المعادن لتغذية صناعتها والحفاظ على مستوى معيشتها، تجد نفسها مضطرة للتنافس بشراسة على منابعها في الساحل.

أوروبا بين أزمة الطاقة وأزمة الهيمنة

بعد حرب أوكرانيا، وجدت أوروبا نفسها أمام أزمة وجودية حقيقية. فقدت الغاز الروسي الذي كان يغذي صناعتها ويدفئ بيوتها؛ وفقدت جزءاً من صناعتها الثقيلة التي كانت تشكل عماد قوتها الاقتصادية؛ وتواجه منافسة صينية ساحقة في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة. في هذا السياق، لم يعد الساحل مجرد "منطقة مكافحة إرهاب"، بل أصبح قلب الأمن القومي الأوروبي بامتياز.

لهذا السبب، تحاول أوروبا اليوم إعادة بناء وجودها العسكري في الساحل، تحت غطاء الاستقرار ومكافحة الإرهاب، بينما الهدف الحقيقي هو تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية. وكما قال بوتينغا، فإن شركات التعدين الأوروبية كانت لعقود تحصل على هذه الموارد بأسعار رخيصة، بينما تعيش شعوب هذه الدول في فقر مدقع .

لكن هذه المرة، لم تعد أوروبا وحدها في الساحة. فقد دخلت روسيا بقوة، وباتت تقدم نفسها كحليف بديل لدول الساحل التي سئمت الهيمنة الفرنسية. كما دخلت الصين عبر الاستثمارات الاقتصادية، والجزائر والمغرب عبر التنافس الإقليمي. وبدأت دول الساحل نفسها تتخلص من الهيمنة الفرنسية، وتبني تحالفات جديدة، أبرزها تحالف دول الساحل (AES) الذي جمع مالي والنيجر وبوركينا فاسو في جبهة واحدة موحدة.

روسيا – الردع غير المتكافئ وتغيير قواعد اللعبة

منذ بداية الصراع مع الغرب، تبنت روسيا استراتيجية واضحة وممنهجة: عدم مواجهة الغرب مباشرة على أراضيه، بل تغيير ميزان القوى في الأطراف. وفي الساحل الأفريقي، وجدت موسكو أرضاً خصبة لتنفيذ هذه الاستراتيجية. من خلال تزويد دول الساحل بالأسلحة المتطورة والدعم الاستخباراتي، تمكنت روسيا من كسر احتكار الغرب للنفوذ في المنطقة.

تقدم روسيا لدول الساحل مسيّرات استطلاع وهجوم، وأنظمة تشويش إلكترونية متقدمة، وأسلحة مضادة للدروع، وتدريباً لوحدات خاصة، ودعماً استخباراتياً مباشراً. لكن الأهم من ذلك كله، هو التعاون النووي الذي تقدمه موسكو لدول الساحل . فقد وقعت روسيا اتفاقيات تعاون نووي مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تشمل بناء محطات للطاقة النووية ومفاعلات بحثية، وتوريد الوقود النووي، وتدريب الكوادر المحلية .

هذه المفاعلات النووية ليست مجرد مشاريع كهرباء؛ بل هي إعلان استقلال عن فرنسا التي كانت تضيء باريس بيورانيوم النيجر بينما يعيش شعب النيجر في الظلام. إنها لحظة تاريخية: للمرة الأولى، تطلب دول الساحل بناء مفاعلات نووية على أراضيها، وتختار روسيا بدل فرنسا، وتعلن أن زمن التبعية قد انتهى. هذا التحول ينسجم تماماً مع مفهوم فك الارتباط: امتلاك التكنولوجيا، بناء قاعدة صناعية، والتحرر من شروط المركز. تخطط النيجر، على سبيل المثال، لبناء مفاعلين نوويين بقدرة 2000 ميغاواط بالتعاون مع روساتوم الروسية .

الجزائر – القوة الإقليمية الصاعدة

في قلب هذا المشهد المتغير، تظهر الجزائر بوصفها قوة إقليمية جديدة، لا تعتمد على العقائد أو الجماعات، بل على الدولة الوطنية، والموارد، والجيش، والدبلوماسية. فبعد عقود من الحياد والحذر، بدأت الجزائر تلعب دوراً أكثر فاعلية في الساحل، مقدمة بديلاً للهيمنة الغربية.

بدأت الجزائر بتزويد دول الساحل بمحطات كهرباء جاهزة، وغاز مجاني أو مدعوم، ودعم تقني، وتدريب أمني، وتنسيق سياسي مباشر. هذا الدور يشبه، في وظيفته الاستراتيجية، ما فعلته إيران في غرب آسيا: بناء محور إقليمي مستقل، دعم الجوار، كسر الهيمنة الغربية، وتقديم نموذج تنموي بديل. لكن الجزائر تختلف عن إيران في أنها لا تدعم جماعات مسلحة، وتعمل ضمن إطار الدولة، وتعتمد على الطاقة والدبلوماسية، وتنسق مع روسيا والصين بدل الدخول في صراعات مفتوحة.

ومع ذلك، تواجه الجزائر تحديات كبيرة. فمنافستها المغربية تسعى أيضاً لتوسيع نفوذها في الساحل، خاصة من خلال مبادرة الأطلسي التي تقدم لدول الساحل منفذاً بحرياً عبر موانئ المغرب . كما أن علاقات الجزائر مع بعض دول الساحل، خاصة مالي، شهدت توترات بسيطة بسبب انسحاب مالي من اتفاق الجزائر للسلام لعام 2015 وتوجهها نحو الحلول الأمنية بدلاً من الحلول السياسية . إنها جزائر جديدة تسعى لتأكيد دورها كقوة إقليمية تمتد من المتوسط إلى الساحل، وإعادة تشكيل شمال أفريقيا بعيداً عن الهيمنة الفرنسية.

تركيا – نهاية دور "المقاول بالباطن"

في سورية، لعبت تركيا دور "المقاول العسكري" للسياسات الغربية، مستفيدة من الحدود المشتركة، والجماعات الإخوانية العميلة للغرب، والفراغ الدولي. لكن هذا الدور انتهى في الساحل وشمال أفريقيا، لخمسة أسباب حاسمة:

أولاً، لا حدود مشتركة بين تركيا ودول الساحل، مما يحد من قدرتها اللوجستية على التدخل العسكري المباشر. ثانياً، الجماعات الإخوانية، التي كانت تركيا تعتمد عليها في بعض مناطق نفوذها، أصبحت ضعيفة ومكروهة شعبياً في الساحل كما في سورية والعالم العربي . ثالثاً، وجود الجزائر ومصر كقوتين مانعتين يحد من التحركات التركية. رابعاً، روسيا أصبحت اللاعب الرئيسي في الساحل، وتتفوق على تركيا في الدعم العسكري والسياسي. خامساً، تركيا منهكة اقتصادياً وتزداد أوضاعها ،سنة بعد سنة ،سوء ولا تستطيع تمويل عمليات خارجية واسعة.

وهكذا، فإن تركيا اليوم لا تستطيع أن تكون ذراعاً استعمارية غربية في الساحل، ولا تستطيع لعب دور إقليمي مستقل، لأن البيئة الجيوسياسية تغيّرت جذرياً. الدور التركي يقتصر حالياً على تصدير التكنولوجيا العسكرية، خاصة المسيرات، لدول الساحل ، لكنها تبقى لاعباً ثانوياً مقارنة بروسيا والجزائر والمغرب.


نحو عالم جديد – سقوط المركز وصعود الأطراف

إن ما يحدث في الساحل ليس مجرد صراع على الموارد، بل هو إعادة تشكيل للنظام العالمي بأسره. أوروبا تحاول الحفاظ على هيمنتها عبر مشاريع عسكرية واقتصادية، لكنها تواجه منافسة شرسة. روسيا تبني نفوذاً جديداً من خلال التعاون النووي والعسكري، مغرية دول الساحل ببديل عن الغرب. الصين تدخل عبر الاقتصاد، مستثمرة في البنى التحتية والموارد. الجزائر تبني محوراً إقليمياً، متنافسة مع المغرب الذي يسعى بدوره لتوسيع نفوذه عبر مبادرة الأطلسي . دول الساحل تتحرر من فرنسا، وتعلن استقلالها السياسي والاقتصادي. الجماعات المتطرفة تتراجع أمام التحولات السياسية والأمنية الجديدة. تركيا تفقد دورها الوسيط. والمفاعلات النووية الروسية تفتح باباً جديداً للاستقلال الطاقي .

إنه زمن التحولات الكبرى، زمن سقوط المراكز القديمة، وصعود الأطراف التي كانت تُنهب لعقود. الساحل اليوم ليس هامشاً، بل قلب العالم الجديد، حيث تتشكل ملامح النظام العالمي القادم، وحيث تتحدد موازين القوى للقرن الحادي والعشرين. ففي ظل المنافسة العالمية على المعادن النادرة والطاقة، أصبح الساحل ساحة المواجهة الجديدة بين القوى العظمى والإقليمية.

الساحل ليس هامشاً بل مركزاً

إن ما كشفه النائب البلجيكي مارك بوتينغا في البرلمان الأوروبي ليس مجرد فضح لسياسات أوروبا في الساحل، بل هو اعتراف ضمني بحقيقة التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالساحل الإفريقي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره هامشاً فقيراً يعاني من الإرهاب التكفيري الوهابي الخليجي ، يتحول إلى مركز الصراع العالمي على الموارد، وإلى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية لتشكيل النظام العالمي القادم.

الاستعمار الجديد، الذي يتحدث عنه بوتينغا، لم يعد يتمثل في السيطرة المباشرة على الأراضي، بل في السيطرة على الموارد الاقتصادية الحيوية، وتثبيت التبعية عبر الأسلحة والديون والتكنولوجيا. لكن دول الساحل، وعلى رأسها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بدأت تكسر هذه التبعية، وتعلن استقلالها السياسي، وتتجه نحو شركاء جدد، وفي مقدمتهم روسيا والصين والجزائر.

المفاعلات النووية الروسية التي تخطط لها دول الساحل ليست مجرد مشاريع طاقة؛ إنها رمز للتحرر من الهيمنة الغربية، وإعلان لدخول عصر جديد من السيادة الوطنية والتنمية المستقلة. وفي هذا السياق، تتجلى مفاهيم الاستقلال النسبي في أبهى صورها: الأطراف التي كانت مستنزفة بدأت تستعيد زمام المبادرة، وتبني تحالفات جديدة خارج هيمنة المركز القديم.

الساحل اليوم ليس هامشاً؛ بل هو مركز العالم الجديد. ففي باطنه ثروات تشعل الصراعات، وفي شعبه عزيمة تقهر المستعمرين، وفي سياساته الجديدة وعود بمستقبل مختلف، تسقط فيه الإمبراطوريات، وتنهض فيه الدول. وكما قال بوتينغا في ختام كلمته، بدلاً من الحرب والتدخل، على أوروبا أن تساعد هذه الدول في تنميتها السيادية. لكن السؤال الأهم: هل تستطيع أوروبا التخلي عن شهيتها للمعادن النفيسة، أم أنها ستواصل حربها الخفية على الساحل؟ إن الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

……….
النسخة الساخرة :

مخابيل الوهابية في خدمة السيد الاستعماري: كوميديا سياسية بدماء أفريقية


في رثاء الأسلحة الضائعة

قال النائب البلجيكي مارك بوتينغا في البرلمان الأوروبي، وهو يمسح دمعاً واهماً من عينه اليسرى: "يا للعار! هذه الأسلحة التي اشتريناها بمليارات اليورو، تلك التي صُممت خصيصاً لترهيب الروس، ها هي تذهب إلى الساحل الأفريقي!".

فضحك البرلمان بأكمله، ليس لأنه وجد كلماته طريفة، بل لأنه كان يعلم ما لا يعلمه بوتينغا: أن الأسلحة الأوروبية تشبه العطر الفرنسي، تباع في أفريقيا بثلاثة أضعاف ثمنها الحقيقي، ويُكتب عليها "هدية من السيد الاستعماري إلى عبيده المخلصين".

وفي تلك اللحظة التاريخية، وقف تنظيم "بوكو حرام" كمنصة عائمة في بحر من السخرية، يلوح بكتاب الله في يمناه وبخنجر البترودولار في يساراه، ويصرخ: "نحن نحارب العلمانية!"، بينما كان الذهب المالي يُشحن في صناديق مكتوب عليها "مساعدات إنسانية".


عندما التقت الوهابية بالاستعمار في موعد غرامي

في غرفة مظلمة بالعاصمة الفرنسية، اجتمع ضباط المخابرات مع ممثل عن "الجماعة الإسلامية المسلحة" (اسم حركي: أبو النووي)، وقالوا له بلهجة ديبلوماسية باريسية: "يا عزيزي، هل يمكنكم تفجير منجم يورانيوم في النيجر؟ وسنخبر العالم أنها عملية إرهابية مدعومة من روسيا".

فرد أبو النووي بلهجة سعودية ممزوجة بفرنسية مكسرة: "طبعاً يا سيدي، لكن الميزانية... هذه السنة لم نستلم مرتباتنا من الخليج".

فضحك الضابط الفرنسي حتى اختلطت دموعه بأنفاسه، وقال: "سنرسل لكم طائرات مسيّرة دون أن نُخبر البرلمان. فهذه الألعاب الإلكترونية مخصصة للدفاع عن أوروبا، لكننا نفضل استخدامها لقتل الأفارقة. المهم أن تكتبوا على جباههم كافرون أو مرتدون ، حتى لا نُتهم بجرائم حرب".

ومضى الضابط الفرنسي يشرح نظرية المؤامرة الجديدة: "روسيا في أوكرانيا تحتاج إلى يورانيوم، ونحن في النيجر نملكه. لذا، يا عزيزي بوكو ، ستهاجمون المناجم، ونحن سنحميها، ثم نسرقها معاً!"

وهكذا، أصبح تنظيم القاعدة في بلاد المغرب يشبه شركة استشارات أمنية فرنسية، بلباس أفغاني وجوازات سفر مزورة.


خطاب السيد بوتينغا وسقف الأوهام

وقف بوتينغا يخطب من جديد، وهذه المرة بعينين لم تريا أفريقيا إلا في أفلام ناشيونال جيوغرافيك:

"أيها السادة، أليس من العار أن تُباع الأسلحة الأوروبية لتنظيمات إرهابية داعشية؟ أليس من العار أن نُموّل الجماعات المتطرفة لنشغل دول الساحل عن التنمية؟"

فاعترضه نائب ألماني قائلاً: "لكننا نُموّلهم عبر قطر والسعودية، وهذا ليس خطأنا، فنحن لا نعرف كيف تصل الأموال".

فضحك بوتينغا ضحكة مريرة، وقال: "نعم، أنتم لا تعرفون! مثلما لا تعرفون أين تذهب المساعدات، وكيف يختفي الذهب، ولماذا تبيعون الأسلحة بأسعار بخسة للجماعات المتطرفة بينما تمنعونها عن الحكومات الشرعية".

وعندها، وقف ممثل شركة "توتال" الفرنسية مبتسماً، وقال: "دعني أوضح الأمر، يا صديقي بوتينغا. الوهابية بما فيها عصابة الإخوان المسلمين هي واجهة تسويقية رائعة. فمن خلالها نبيع أسلحتنا، ونشتري مواردهم، ونُبقي المنطقة في حالة فوضى. فالفوضى تعني ضعف الحكومات، وضعف الحكومات يعني عقود استخراج بثمن بخس، والأهم: أن الفقراء الأفارقة يظلون مشغولين بالبخش و بقتل بعضهم بدلاً من التفكير في ثرواتهم".



في رثاء الثروات الأفريقية أو كيف تتعلم أوروبا السرقة من الوهابيين

سأل صحفي فرنسي ممثل تنظيم داعش في الصحراء: "لماذا تهاجمون المناجم؟"

فأجابه الإرهابي بلهجة شبيهة بلهجة مستشار مالي سويسري: "نحن نحمي الأمة من النهب الغربي... لكننا نتفق مع الفرنسيين على تقاسم الأرباح 50-50. هم يأخذون اليورانيوم ونحن نأخذ السمعة الإعلامية. فهم يُصوّروننا كمجانين، ويُصوّرون أنفسهم كمنقذين للعالم. إنها شراكة استراتيجية رائعة!"

هنا اقترح جنرال أمريكي فكرة عظيمة: "لنرسل قواتنا الخاصة لمحاربة التنظيمات، لكن مع ترك صناديق ذخيرة في الطريق، ليلتقطها الإرهابيون، ونعيد شراءها منهم عندما ينتهون منها! بهذه الطريقة ننعش اقتصادنا الحربي ونقتل عصفورين بحجر... أو بالأحرى، نقتل مليون أفريقي ونبيع رصاصتين".

وعندها أطلقت الناتو عملية عسكرية اسمها "الحرية الدائمة"، لكن التنظيمات الإرهابية أطلقت عليها اسم "الموسم الجديد لبيع الأسلحة المستعملة بأسعار الجديدة".


مؤتمر القمة الساخر

عُقد مؤتمر في باريس تحت شعار "مكافحة الإرهاب في الساحل"، وقرروا فيه تزويد مالي وبوركينا والنيجر بمعدات عسكرية متطورة... مقابل تسهيل استخراج المعادن النادرة. وعندها، نهض ممثل النيجر وقال:

"يا سادتي، أنتم تبيعوننا أسلحة لمحاربة الإرهاب، لكن الإرهاب هو صنيعتكم. أنتم تدعمون الوهابية سواء كانت القاعدة أو داعش أو الإخوان المسلمين عبر الخليج، والخليج يدعم الإرهابيين، والإرهابيون يقطعون الطرقات، ونحن نشتري أسلحتكم لحمايتها، فتأخذون ثرواتنا، ثم تبيعوننا أسلحة جديدة، وتأخذون ثروات جديدة... إنها دورة اقتصادية رائعة لكم يا سادتي!"

فهتف الضباط الفرنسيون والأمريكيون: "برافو! هذا ما نسميه بالاستعمار الذكي!"

وعندها طلب ممثل السعودية إضافة تعديل بسيط في البيان الختامي: "أضيفوا أننا نُمول المساجد لا الإرهاب، وأن من يكفروننا خونة، وأن كل من يموت في انفجار فهو شهيد، وكل من ينجو فهو جبان".

فوافق الجميع، لأن التعديلات لا تغير واقع الحال: أن أفريقيا تُنهب باسم الدين، وتُقسّم باسم الحرية، وتُحرق باسم السلام.


حين تضحك أفريقيا أخيراً

في نهاية اليوم، التقى زعماء الساحل الأفريقي في قصر مؤقت، وقرّروا تأسيس شركة جديدة اسمها "نحن لا نضحك عليكم بل أنتم تضحكون على أنفسكم"، وبدأوا يطبعون عملاتهم الذهبية، ويوقعون عقوداً مع روسيا والصين، ويبيعون معادنهم لمن يدفع أكثر، ويطردون المستشارين الفرنسيين، ويُشغلون خطوط إنتاج محلية... بينما ظل الأوروبيون والأمريكيون يتساءلون: "لماذا يُحبّنا الأفارقة بهذا القدر؟"

فأجابهم قائد انقلاب في مالي: "نحن لا نحبكم، بل نحب أموالكم، وأسلحتكم، وطائراتكم المسيّرة التي تسقط في أراضينا فنجمعها ونبيعها لروسيا... يا للهول! لقد تعلمنا منكم فنون الاستعمار... لكننا استعمرنا عقولكم بالضحك!"

فخرّ الإعلام الغربي في نوبة هستيرية من الضحك، وأعلن أن أفريقيا أصبحت سوقاً ناشئة للسخرية، وأن تنظيم داعش افتتح فرعاً جديداً باسم "داعش للترفيه"، وبدأ يُصدر بيانات طريفة عن ضرورة اغتنام الفرص في قطاع التعدين باسم الجهاد.

أما النائب بوتينغا فظل واقفاً في البرلمان الأوروبي، يردد: "أنا قلت لكم... أنا قلت لكم..."، لكن الجميع كانوا يضحكون بصوت عال، لأنهم أدركوا الحقيقة الأبلغ من كل الخطابات: أن الوهابية والاستعمار وجهان لعملة واحدة، يبيعان الأوهام ويشترون الدماء، ويتبادلان الأدوار في مسرحية عالمية لا يضحك فيها إلا من يملك البترودولار أو البنادق.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
- سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري ...
- الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
- الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور ...
- الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
- روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
- قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك ...
- المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا ...
- التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت ...
- أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة ...
- نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا ...
- الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س ...
- بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف ...
- مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال ...
- الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين ...
- عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط الق ...
- كيف يتم سحق العدالة الدولية حماية لمرتكبي الإبادة الجماعية م ...
- ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة الي ...
- في انتظار وطن لا يُباع... السيادة بين المطرقة والسندان
- غرب آسيا : رقعة شطرنج تتبدّل عليها قواعد اللعبة


المزيد.....




- السفير عرفة يدعو للاعتراف بدولة فلسطين خلال لقائه نائبة رئي ...
- بعد الولايات المتحدة.. تشيلي وجهة جديدة للهجرة يغلقها اليمين ...
- نائب يهودي يرد على مقطع فيديو يُظهر مواجهة متظاهرين له بشأن ...
- المتحدث باسم حركة -حماس-: الحركة والفصائل الفلسطينية طرحت مق ...
- لا تزال مشاعر الإحباط والغضب تملأ الشارع السوري
- -نار بروميثيوس الروحية-.. معرض روسي يكشف عن دواوين مناهضة لل ...
- وفاة بطل المصارعة المصري جمال عبد الناصر والداخلية توضح
- من الشاشة إلى البرلمان.. نسرين جعفر تخوض غمار الانتخابات الج ...
- Trump and the Structural Crisis of Liberal Democracy: Capita ...
- Unchecked Billionaire Oligarchs Are Undermining American Dem ...


المزيد.....

- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا