أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور والأباطيل















المزيد.....

الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور والأباطيل


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:36
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


لا يمكن للباحث المنصف أن يطالع تاريخ الأديان دون أن يقف مبهوراً أمام عراقة الزرادشتية، ذلك الكيان الروحي الذي يفوح بعبق الفلسفة الأولى، ويتصل بجذور الحكمة الإنسانية في أعمق منعرجاتها. ففي زرادشت، ذلك النبي الفارسي الذي عاش قبل ألف عام من المسيح، نلمح بذرة التوحيد الأولى، وميلاد فكرة الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له، تلك الفكرة التي ستغدو لاحقاً جوهر الديانات التوحيدية الثلاث . إن التشابه الذي يخطفه البصر بين تعاليم الأفيستا ومتون التوراة والإنجيل والقرآن، ليس ضرباً من الصدفة، بل هو دليل على أن الأديان التوحيدية إنما هي نفحات من مشكاة واحدة، وأن الزرادشتية كانت بحق أمّاً روحانية أرضعت هذه الديانات من لبنها الأول .

ففي الزرادشتية نجد بذور الصلاة خمس مرات في اليوم، والوضوء قبلها، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، والصراط والميزان، والجنة والنار . بل إن عقيدتها في الإله الأوحد الأحد تسبق بقرون طويلة نزول القرآن ، حين صاح زرادشت من على قمم الجبال: "إني لأدرك أنك أنت وحدك الإله وأنك الأوحد الأحد" . وكأن التاريخ يهمس في آذاننا أن الرسالة واحدة، وأن الأنبياء إخوة، وأن الأديان في جوهرها ليست سوى امتداد روحي لحكمة إنسانية واحدة.

غير أن السؤال الأعمق، والذي يطل برأسه كالغول من دهاليز التاريخ، ليس عن الجذور الروحية للزرادشتية، بل عن كيف تم اختطاف هذه الروحانية النقية، وتوظيف الأديان التي انبثقت عنها لتصبح أداةً فتاكة في يد القوى الاستعمارية. إن التأمل في مسار التاريخ يكشف عن حقيقة مروعة: الأديان التي جاءت لتحرر الإنسان، تحولت إلى أغلال يكبّل بها المستعمر رقاب الشعوب، وإلى سيوف تسلّها الاحتكارات المالية والصناعية لذبح أحلام النهضة في المشرق والمغرب على حد سواء.

التوظيف الاستعماري للأديان.. قراءة في تاريخ التزييف

إن فكرة أن الأديان استُخدمت كبيادق في لعبة الاحتكار العالمي ليست ضرباً من التخريف، بل هي حقيقة يثبتها الواقع المرير. فالاستعمار الغربي، في بصيرته الماكرة، أدرك منذ وقت مبكر أن الدين هو العصب الأكثر حساسية في جسد المجتمعات الشرقية، وأن النفاذ إليه يعني التحكم في العقول والقلوب. وهنا تكمن مأساة العصر الحديث: تحويل الأديان من منارات للهداية إلى أدوات للهيمنة، ومن رسالات للسلام إلى وقود للحروب والفتن.

لقد أنفقت المراكز الاستعمارية مئات المليارات على الدراسات الاستشراقية والتضليل الدعائي ، ليس من باب حب المعرفة، بل لتفتيت المجتمعات التي احتلتها، وتفكيك وحدتها الوطنية، وإشعال نار الفتنة بين مكوناتها، تحت شعار "فرق تسد" الذي ظل ولا يزال حجر الزاوية في السياسة الاستعمارية . إن إعادة تفسير اليهودية بشكل صهيوني استعماري، هو أبرز مثال على هذه الآلية الخبيثة، حيث تم اختطاف دين التوحيد لخدمة مشروع استيطاني عنصري، أصبح خنجراً مسموماً في قلب طموحات مصر والعرب في نهوض حضاري شرقي جديد .

ومثلما حدث مع اليهودية، حدث مع الإسلام أيضاً. فالوهابية، ذلك المذهب الذي نشأ في أحضان عصور الانحطاط الإسلامي، وارتبط اسمه بابن تيمية الذي عاش في زمن التمزق السياسي والفكري ، تم تبنيه وترويجه من قبل القوى الغربية ومحميات الخليج الصهيوامريكية لتدمير مشاريع النهضة العربية الحديثة. فلم تكن الوهابية ومعها ربيبتها الإخوان المسلمين وهيئة تخريب الشام والقاعدة وداعش وعصابات جعجع ، سوى أداة لتفكيك الدولة الوطنية، وإشاعة الفكر المتطرف، وإلهاء الشعوب عن خياراتها التنموية التقدمية. إن ما حدث في سورية وليبيا والجزائر والسودان، ليس سوى فصول من هذه المأساة، حيث تم تسليح الفكر المتطرف لتمزيق أوطان بأكملها، وتدمير مشاريعها الوطنية، وإفقار شعوبها .

إيران نموذج الاستثناء.. والأديان كأداة للهيمنة

في هذا السياق المظلم، يبرز التفسير الإيراني للزرادشتية والإسلام كاستثناء فريد، حيث حمل فكر المستضعفين وارتبط بمشروع تحرري تقدمي. إن إيران، بفضل موقعها الجغرافي وتاريخها الحضاري العريق، كانت قادرة على استيعاب التراث الزرادشتي وإعادة تأويله في سياق مقاوم للهيمنة الغربية، ما جعلها تشكل نموذجاً مختلفاً عن بقية العالم الإسلامي الذي وقع في فخ التوظيف الاستعماري للأديان. وقد تجلى ذلك بوضوح في موقفها من المشروع الصهيوني، وفي دعمها لحركات التحرر في العالم، وفي مشروعها التنموي الذي تحدى العقوبات الغربية.

لقد كان الاتحاد السوفييتي، ذلك الصديق الحقيقي للعرب والعالم الثالث، نموذجاً آخر للبديل التحرري. فبينما كانت الأديان تُستخدم لإلهاء الشعوب عن التنمية، كان الاتحاد السوفييتي يشيد سد أسوان الذي أنقذ مصر من المجاعات، وسد الفرات الذي وفّر لسورية الماء والزرع والضرع والحياة. لقد كانت معجزاته التنموية دليلاً مادياً على تفوقه على كل دول الغرب الاستعمارية مجتمعة، ولذلك كان لا بد من تدميره وتشويه صورته، ليظل الدين هو البديل الوحيد المطروح للشعوب، بديلاً عن الشيوعية التي كانت تمثل الخطر الحقيقي على الهيمنة الغربية. و الذي أثبتته تجربة الصين بقيادة حزبها الشيوعي ، الذي بات كابوسا للاحتكارات المالية الغربية بمعجزاتها التنموية ، و تفوقها على الغرب الاستعماري مجتمعا

نحو استعادة الروح التحررية للأديان

إن هذه القراءة العميقة للتاريخ لا تهدف إلى تشويه الأديان أو نفي قيمتها الروحية، بل إلى كشف الأقنعة التي اختبأت وراءها القوى الاستعمارية، وإعادة الاعتبار للرسالة التحررية التي حملتها الأديان في جوهرها. فكما كانت الزرادشتية أمّاً روحانية للأديان التوحيدية، يمكن لهذه الأديان أن تكون أمّاً للنهضة والتحرر، إذا ما تم تجريدها من التوظيفات الاستعمارية التي ألصقت بها. إن المطلوب اليوم هو مراجعة نقدية للخطاب الديني، وإعادة تأويله في سياق مناهض للهيمنة، وداعم لمشاريع التحرر الوطني والتنمية المستقلة.

إن تدمير سورية وليبيا والسودان، وتفكيك العراق واليمن، ليس إلا نتاجاً حتمياً لتوظيف الأديان في صراعات القوى الكبرى. ولن يكون الخلاص إلا بفضح هذه اللعبة القذرة، والعودة إلى جوهر الأديان التي هي رسالات الشيوعية للسلام والعدالة، وإلى استعادة الروح الزرادشتية الأولى التي كانت تنشد النور والحقيقة والخير، بعيداً عن تزييف الاستعمار الغربي وكيانه المارق وأدواته محميات الخليج الصهيو أمريكية الرخيصة.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
- روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
- قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك ...
- المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا ...
- التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت ...
- أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة ...
- نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا ...
- الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س ...
- بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف ...
- مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال ...
- الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين ...
- عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط الق ...
- كيف يتم سحق العدالة الدولية حماية لمرتكبي الإبادة الجماعية م ...
- ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة الي ...
- في انتظار وطن لا يُباع... السيادة بين المطرقة والسندان
- غرب آسيا : رقعة شطرنج تتبدّل عليها قواعد اللعبة
- بين الدواء الممنوع والدم المباح: كيف تُعاد صياغة الحقيقة في ...
- محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام ب ...
- الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطي ...
- نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا ...


المزيد.....




- مواجهة “العسكرة” أبرز معارك رئيس نادي القضاة الجديد
- كيف وصلنا إلى 30 يونيو؟
- اللجنة المركزية لحزب النهج الديمقراطي العمالي تقرر مقاطعة ال ...
- When Trump Sounds the Alarm Against Mamdani’s “communists” a ...
- What is There to Celebrate on the 250th Anniversary of the U ...
- Albert Interviewed About His Latest Book: The Wind Cries Fre ...
- How Russia and China Learned to Love Their Border
- Let a Thousand Flowers Bloom or None at All: the Comprador P ...
- محتجون في جنوب أفريقيا يطالبون برحيل مهاجرين غير نظاميين
- السفير عرفة يدعو للاعتراف بدولة فلسطين خلال لقائه نائبة رئي ...


المزيد.....

- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور والأباطيل