|
|
مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 09:38
المحور:
الادب والفن
( اوبرا الفواتير السبعة)
إهداء: إلى كل مواطن تحول من "شريك في الوطن" إلى "فاتورة مستحقة الدفع".
الشخصيات الرئيسية:
· الجنرال فرمون (سليل الاستعمار القديم): ضابط استعماري متقاعد، يرتدي خوذة من القرن التاسع عشر، يملك شركة استشارات، يُعلن بفخر أنه "حلّق شعره الأخير منذ أن تنازلت بريطانيا عن الهند". · السيد بروفيت (رأس المال الخليجي): رجل أعمال يرتدي ثوباً مطرزاً بخريطة بيروت، وعيناه خلف نظارته السوداء تشبهان عدادَي الكهرباء، يصرخ دوماً: "الخسارة الحقيقية هي الفائدة الضائعة". · المولانا داعش (الأيديولوجيا التكفيرية للقاعدة والإخوان المسلمين وهيئة تخريب الشام ): رجل دين بلحية لا تنمو إلا بالدولار، يحمل مكبر صوت يبث تكفيراً، لكنه يخفض صوته كلما سمع همهمة بورصة نيويورك. · سعادة المهندس قوقاز (المقاول التركي بالباطن للسي اي ايه ): يرتدي بزة عسكرية صنعت في بريطانيا، ويحمل طائرة مسيّرة من كرتون، يُعلن باستمرار: "نحن نصنع المحركات.. من وحي الخيال التركي، وأرواح الأوكرانيين". · متعب الحرير الثاني (الوكيل المحلي): يحمل مطرقة ذهبية ودستوراً ممزقاً، يرتدي بدلة "سوليدير" المطلية بالذهب، يرحب بالجميع في "جمهورية بيروت المالية". · جمعان الفقير (المواطن): رجل بجسده خريطة دولة الخدمات القديمة، حافي القدمين، يحمل فاتورة كهرباء بطول قامته.
…..
(الفصل الأول: غرفة العمليات الإمبراطورية)
(المكان: غرفة مظلمة تحت الأرض، على جدرانها خريطة للمشرق العربي مقسمة كقطع بيتزا. يجلس الجنرال فرمون والسيد بروفيت والمولانا داعش وسعادة المهندس قوقاز حول طاولة عليها ثلاث عصائر وبعض الدنانير الذائبة).
الجنرال فرمون (يمسح على شاربه): سادتي، لقد أنهكنا هذا الكابوس المسمى "دولة الخدمات". كهرباء مجانية، ومياه نقية، وطبابة عامة! والقشة التي قصمت ظهر البعير: التعليم! كيف يمكن لعبيدٍ سابقين أن يصبحوا أطباء ومهندسين ويسرقوا منا عقود الصيانة؟
السيد بروفيت (بضحكة حادة): لا تقلق يا جنرال. لدي الحل: لنحوّل كل كيلوواط إلى دين. سنبيع الماء بالملّي، والهواء بعد إعادة تدويره في شركاتنا.
المولانا داعش (يرفع لحيته كأنها راية): عليكم بالفتنة الطائفية! اقتلوا الجغرافيا الممتدة بالتاريخ، وحوّلوها إلى طوائف صغيرة تتناحر على كرسي. أضمن لكم أنه كلما كبرت الطائفة في عين نفسها، صغرت في جيبها!
سعادة المهندس قوقاز (يقلب طائرته المسيّرة وهي تطير في دوائر): أنا أضمن لكم الفوضى، أحتاج فقط لعقود صيانة وهمية، وجواسيس بملابس مدنية. سأوفر لكم "إعادة الإعمار" التي تأكل ما تبقى من الأساسات.
الجنرال فرمون (يقرع الطاولة): إذن هي خطة "الهندسة العكسية للدولة": نأكل جسد الدولة، ونترك عظامها ديوناً، وروحها طائفية. لننطلق!
…….
(الفصل الثاني: سوق بيروت - ماكينة النهب العاملة)
(المكان: وسط بيروت التجاري، تحفه أبنية مدمرة وأخرى ذهبية. متعب الحريري الثاني يقف على خشبة، يلوّح بجداول Excel).
متعب الحريري الثاني (بصوت المذيع): أيها السادة! مرحباً بكم في الدولة الجديدة: "دولة الفواتير". نعم، كنا في الماضي دولة خدمات، لكننا الآن دولة ربح! (يصفق) شركة "سوليدير 2" ستحوّل كل ركنٍ إلى كنز. وحتى الأطلال، اشتروها بالتقسيط المريح!
(يدخل جمعان الفقير بفاتورته الطويلة).
جمعان الفقير (بلهاث): سيدي، أنا من سكان هذه الشوارع! أين الحديقة العامة؟ أين المدرسة التي علمتني القراءة؟
رفيق الحريري الثاني (يضرب كتفه): الحديقة؟ تم خصخصتها، صارت موقف سيارات للأغنياء. والمدرسة؟ تحوّلت إلى جامعة خاصة تُدرّس "كيف تصبح مليونيراً في أسبوع". بالنسبة لك، يا صديقي، هذه الفاتورة (يشير إلى الفاتورة الطويلة) هي هويتك الجديدة. ادفع أو احترق!
(يضحك الجميع عدا جمعان. ينطفئ الضوء فجأة).
جمعان: ماذا حدث للنور؟!
متعب الحريري الثاني (ببرود): لقد قُطع التيار. لم تدفع فاتورة الشهر الماضي. لكن لا تقلق، يمكنك شراء مولد.. من شركة ابن خالي.
…….
(الفصل الثالث: الوهابية - الإيداع الأمني للجنة)
(المكان: مدرسة دينية مؤقتة، على جدرانها صور لشيوخ وأخرى لشيكات مصرفية. المولانا داعش يوزع منشورات على أطفال).
المولانا داعش (بصوت نشاز): يا أبنائي، لا تدرسوا الفيزياء، فهي غربية. لا تدرسوا الاقتصاد، فهو يهودي. اقتصروا على درسٍ واحد: من ليس معنا فهو كافر، ومن هو كافر، ماله حلال عليَّ وعلى شركائي في محميات الخليج الصهيو أمريكية !
(يظهر السيد بروفيت من خلف المنصة).
السيد بروفيت (ماسحاً يديه): أحسنت يا مولانا. بهذه العقلية، سنحوّل كل مقاومة طبقاتٍ إلى حرب طوائف. لن يطالب أحد بأجره، بل سيتقاتلون على مسمى المذهب. وبينما هم يتقاتلون، سنشتري نفطهم وشوارعهم. صفقة رابحة!
جمعان الفقير (يدخل يحمل كتاباً مدرسياً ممزقاً): لكن العلم كان مجانياً! كيف نعيش بلا تعليم؟
المولانا داعش (يخطف الكتاب): التعليم؟ هذا ضلال. إقرأ هذه الخريطة (يخرج خريطة مزيفة): هذه هي الجنة، وكل من يدفع "الزكاة" لنا، نضمن له دخولها... نقداً أو بالتقسيط.
……..
(الفصل الرابع: مصنع المقاول التركي)
(المكان: ورشة تركية في بلدة الريحان على الحدود السورية، مكتوب عليها "صُنع في NATO". سعادة المهندس قوقاز يلحم أجزاء من طائرة مسيّرة بصوف قطني).
سعادة المهندس قوقاز (لمرشد سياحي وهمي): هذه هي عبقريتنا! نشتري محركات من أوكرانيا، وشرائح من بريطانيا، وأفكاراً من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، ونضيف عليها لمستنا التركية: علبة كولا فوارة، وراقصة فلكلورية. ثم نعلن أنها "طائرة تحريرية"!
(يدخل جمعان الفقير، مكبل اليدين).
جمعان: أيها القائد، لقد بعت كل ممتلكاتي في الشمال لشراء الخبز، فوجدت أن الخبز صنعته شركتك التركية، وهو مصنوع من العلف!
سعادة المهندس قوقاز (ناظراً إلى السقف): يا صديقي، الحرب علمتنا أن البطون الجائعة هي أسهل البطون قيادة. ونحن هنا (يضرب صدره) نقدم لك "الأمن" بدل الخبز. وكم ثمن الأمن؟ كل نفطك وقطنك، وكل ما تبقى من روحك. (يبتسم) هذا هو عقد الباطن، وقع هنا.
………
(الفصل الخامس: ندوة تدمير الوعي الطبقي)
(المكان: قاعة مؤتمرات فاخرة، على المسرح ثلاثة مقاعد: للسيد بروفيت، والمولانا داعش، وسعادة المهندس قوقاز. شاشة العرض تكتب: "كيف نقسم ونحكم؟". الجنرال فرمون في الصف الأول يوزع الحلوى).
المولانا داعش (خطيباً): أيها السادة، قاتلوا "الطبقة" أولاً. اقتلوها بالتكفير. اجعلوا العامل يعتقد أن ابن الفلاح من طائفة أخرى ليس أخاه في الشقاء، بل عدوه الأبدي. حينها، سنأكل نحن، ويبقى الفقر مقدساً!
السيد بروفيت: أحسنت. وسنعزز هذا بـ"الفقر الأيديولوجي". سنجعلهم يرددون أن الفقر "قضاء وقدر"، والغنى "فضل من الله". وسنبيع لهم كتب التنمية الذاتية بدلاً من الخبز، ونعلن أن الدولة الاجتماعية هي "صنيعة شيطانية".
سعادة المهندس قوقاز (واقفاً): أنا أقدم الضمانات العسكرية للفوضى. متى احتجنتم لتفجير كهرباء، أو تفجير مصنع، أو تفجير مدرسة، فأنا في الخدمة. بالطبع، سأفعل ذلك باسم "الأخوة" و"الحرية".
جمعان الفقير (يقتحم القاعة، صارخاً): أين الخدمات؟ أين الكهرباء؟ أين المستقبل؟!
الجنرال فرمون (صاعداً إلى المنصة): اسمع يا بني. المستقبل هو هذه الفاتورة (يضع فاتورة على صدر جمعان). وكلما ازددت فقراً، أصبحت أكثر حرية من أعباء المطالبة! (يضحك بكآبة استعمارية).
……..
(الفصل السادس: مشهد المجتمع المدني المموَّل)
(المكان: حفلة كوكتيل في أحد فنادق بيروت الفاخرة. ناشطون يرتدون بدلات، ويمسكون بآخر صيحات "مشاريع التقسيم").
مناضل "المجتمع المدني" الأول (ممسكاً بمنحة أوروبية): يجب أن ننسى الماضي. الماضي كان ديكتاتورياً لأنه وفر الخدمات! نحن نريد "دولة القانون"... أي قانونٍ يضمن فواتيرنا مع شركات الكهرباء الخاصة!
مناضلة "حقوقية" ثانية (بتبرع): بالضبط! سنحارب من أجل "حق المواطن في دفع الفواتير" و"حق الشركات في مقاضاته" إن لم يدفع.
السيد بروفيت (يقترب منهما): أنا فخور بكم. أنتم النخبة الجديدة. تبدلتم شعارات التحرر بشعارات "الحوكمة"، والنتيجة واحدة: ديونكم ستثقل كاهل أطفالكم، وشركاتنا ستستحوذ على موانئكم.
جمعان الفقير (خادماً في الحفلة، ينظف الطاولات): أنا الذي حررت... من أي شيء؟ (يبتسم بمرارة). لقد حولتم كل إنجاز إلى ذنب، وكل خدمة إلى جريمة، وكل فقير إلى عميل.
……..
(الفصل السابع: النهاية... أم البداية؟)
(المكان: ساحة شعبية، يطل عليها برج ساعة مكسور. جمعان الفقير واقف أمام مرآة تعكس له صورة "دولة الخدمات القديمة" - مدارس، مشافي، مصانع).
جمعان الفقير (يتحدث إلى المرآة): هل كنت حقاً هناك؟ هل كانت الكهرباء تصل بلا شيكات؟ هل كان الدواء مجانياً؟ (يبكي). سرقوا مني وطني، وباعوه لي كفاتورة، وفرضوا عليّ كره أخي باسم الدين، واستعبدوني بفواتيري.
(يدخل الجنرال فرمون والسيد بروفيت والمولانا داعش وسعادة المهندس قوقاز و متعب الحريري الثاني، يحملون أعلاماً بيضاء مكتوب عليها "النظام القديم لن يعود").
الجنرال فرمون: لقد انتهى العهد يا فقير. أنتم الآن دولة فواتير، لا دولة خدمات. نحن نقسم ثرواتكم على سبع فصول، وأنت تدفع ثمنها بالدم والدموع!
(فجأة، يرفع جمعان صوته، متجهاً إلى الجمهور).
جمعان الفقير: هذا ليس الفصل الأخير! هذا هو الفصل الأول من الوعي. لقد رأيت خريطتهم، ولن أخاف منها بعد الآن. لن يكون الانتصار باستعادة الماضي، بل بخلق مستقبلٍ جديد، حيث لا مكان للوهابية المموَّلة، ولا للاستثمار في الدم، ولا للمقاولين بالباطن ولا للكيان المارق ولا لمحميات الخليج الصهيوامريمية ولا لقاعدة انجيرليك . سنكتب مسرحيتنا بأيدينا، وسيكون فصلها الأخير عنوانه: "استعادة الدولة".
(يُسدل الستار على جمعان وهو يشير بقبضته، بينما الشخصيات الأخرى تتراجع في ظل يحاول ابتلاعها، لكن صوت جمعان يعلو: "لم ينتهِ العرض بعد... نحن لم ندفع الفاتورة النهائية بعد").
…….
نهاية العرض (يُترك الجمهور أمام سؤال أخير: هل ستدفع أنت فاتورة النهب، أم ستقطع العداد؟)
………
المانيفستو الساخر
أو: "كيف تصنع دولةً منهوبةً في سبعة دروسٍ لا تحتاج إلى مختبر"
(نصٌّ أدبيٌّ ساخر، يُقرأ قبل رفع الستار، أو يُوزع على الجمهور كبرنامجٍ هزليٍّ للعرض)
البداية.. حيث كانت الدولةُ حلماً، فصارت فاتورةً
في البدء، خلقت الطبيعة المشرقَ العربي، وجعلت فيه نفطاً كالجبال، وعهداً اجتماعياً كالأشجار، وماءً كالأحلام. ثم نظرتْ إليه القوى الكبرى، فرأت فيه دولةً تقدمُ الخدمات: كهرباءَ شبهَ مجانية، وتعليماً يملأ العقولَ لا الجيوب، وطبابةً عامةً تجعل الموتَ يؤجلُ مواعيده. فقالت القوى: هذا عيبٌ في المنظومة! كيف يعيش عبدٌ سابقٌ وكأنه إمبراطورٌ رومانيٌّ؟ لا بد من إصلاحٍ جذريٍّ: تحويلُ المواطنِ من "شريكٍ في الوطن" إلى "فاتورةٍ مستحقةِ الدفع".
وهكذا بدأت الهندسةُ العكسيةُ لدولةِ الخدمات: لا بهدمِ الجسور، بل بخصخصةِ الأحلام. فلا حاجةَ إلى دباباتٍ عندما تستطيعُ فاتورةُ الكهرباءِ أن تهدِمَ ما لا تهدِمُه القنابل. فالدولةُ الاجتماعيةُ، تلك الكابوسُ الذي يُرهقُ الميزانياتِ الغربيةَ، يجبُ أن تُستبدلَ بدولةِ الفواتيرِ التي تُريحُ الضميرَ الاستعماريَّ، وتُغني المصارفَ، وتُلهي الشعوبَ بصراعِ الطوائفِ عن صراعِ الطبقات.
المال الخليجي.. حين يكون الإقراضُ إمبرياليةً مبتسمة
لا تظنوا أن اموالَ محميات الخليج الصهيو أمريكية التي تدفقتْ على المشرقِ كانت "تبرعاتٍ عربيةً خالصةً" كي تُبنى بها المدارسُ، كلا! بل كانت استثماراتٍ استعماريةً مبتكرةً، تضعُ الدولارَ في كفٍّ، وتنتزعُ الروحَ بالكفِّ الأخرى. إنها هندسةٌ ماليةٌ رشيقة: تُقرضُ الدولةَ لتنهار، ثم تشتري أصولَها حين تنهار، ثم تُعيدُ إقراضَها كي تتعافى، ثم تبيعُها ديوناً تتوارثُها الأجيال. إنه نموذجُ "الرأسماليةِ الرحيمة": تأكلُك حياً، ثم ترثُك ميتاً.
وفي بيروتَ، قامتْ معجزةُ "سوليدير" التي حوَّلتْ وسطَ المدينةِ إلى عملةٍ نادرةٍ، والمواطنَ إلى نادلةٍ تقدمُ القهوةَ للسياحِ على أنقاضِ بيته. فكلُّ دولارٍ استُثمرَ في الخرابِ أعادَ ثلاثينَ دولاراً إلى البنوكِ الغربيةِ، وتركَ للبنانيينَ لحظةَ صمتٍ مطولةً أمامَ الصرافِ الآليِّ الذي يستهزئُ ببطاقاتِهم الفارغة.
الوهابيةُ.. أو "الأيديولوجياُ التي تبيعُ الجنةَ بالتقسيطِ، وتشتري الأرضَ نقداً"
إنها ليست مجردَ دعوةٍ دينيةٍ، بل هي بطاقةُ عملٍ استعماريةٍ مذهبةٌ. فالوهابيةُ، منذ أن احتضنتْها بريطانيا في القرنِ التاسعِ عشرَ، ثم تبنَّتها أمريكا في الحربِ الباردةِ، لم تكنْ إلا أداةً لتفتيتِ الوعيِ الطبقيِّ، وتحويلِ النضالِ الوطنيِّ إلى مشاجرةٍ طائفيةٍ على مقعدِ البطريركِ أو المفتي.
تقومُ الفكرةُ على عبقريةٍ بسيطة: علِّمِ الفقيرَ أن أخاهُ الفقيرَ من طائفةٍ أخرى هو عدوُّه الأولُ، وأن الغنى علامةُ رضا الله، والفقرَ امتحانٌ إلهيٌّ، وأن الدولةَ الوطنيةَ كفرٌ، والخدماتِ العامةَ بدعةٌ، والنقاباتِ العماليةَ مؤامرةٌ يهوديةٌ. حينها، ستتقاتلُ الطبقاتُ الفقيرةُ تحتَ أسماءٍ سماويةٍ، بينما يضحكُ رأسُ المالِ الخليجيُّ الصهيوني في غرفتهِ المكيفةِ، ويحصي الأرباحَ من بيعِ السلاحِ للطوائفِ جميعها.
والأدهى من ذلك، أن هذه الأيديولوجيا تمتلكُ قدرةً فائقةً على التجديد: إن لم تجدْ مسلماً تُكفِّره، كفَّرتْ مسيحياً، وإن لم تجدْ مسيحياً، كفَّرتْ علمانياً، ثم تنتهي بتكفيرِ نفسِها لتبررَ انشقاقاً جديداً ينتجُ عنه تنظيمٌ أحدثُ يحملُ نفسَ الرايةِ ونفسَ الشيكِ المصرفيِّ.
تركيا.. المقاولُ الباطنُ الذي يرتدي زياً صناعياً ويحلم بخلافةٍ إلكترونية
هنا نتوقفُ أمامَ مفارقةٍ تاريخيةٍ ساحرة: دولةٌ كانت يوماً خلافةً اشتراها ال روتشيلد عبر حصتهم في البنك الامبراطوري العثماني عام 1858، تحولتْ اليومَ إلى شركةِ مقاولاتٍ تحتَ الطلبِ، تُركِّبُ الطائراتِ المسيَّرةَ من مكوناتٍ بريطانيةٍ وأمريكيةٍ وأوكرانيةٍ، ثم تضعُ عليها طابعاً تركياً وتسميها "صناعةً وطنيةً". هذه الدولةُ الصنمُ، التي تسوقُ نفسها كقوةٍ إقليميةٍ مستقلةٍ، ليست في الحقيقةِ إلا مقاولاً بالباطنِ لمشروعِ الهيمنةِ الغربيةِ المتجددةِ.
تمتلكُ تركيا موهبةً نادرةً: الجمعُ بين دورِ الجنديِّ ودورِ التاجرِ في آنٍ واحدٍ. في ليبيا، تُديرُ البنكَ المركزيَّ باسمِ عصابة الإخوانِ المسلمين العميلة ، وفي سوريةَ، تفتحُ أسواقاً للقمحِ المسروقِ تحتَ اسمِ "المناطقِ الآمنةِ"، وفي العراقِ، تُديرُ ورشاتِ تهريبِ النفطِ باسمِ "مكافحةِ الإرهابِ". هي كالعنكبوتِ التي تنسجُ خيوطَها بينَ المدنِ المدمرةِ، وتتغذى على الحروبِ كأنها مأدبةُ عرسٍ تاريخيٍّ، بينما العرسانُ هم الشعوبُ العربيةُ التي تُزَفُّ إلى مذابحِ الديونِ.
سورية.. من نموذجٍ اجتماعيٍّ إلى مجردِ صورةٍ في متحفِ الخراب
إذا أردتم مثالاً حياً على الهندسةِ الاستعماريةِ الجديدةِ في أوجِ عملها، فتأملوا سوريةَ. دولةٌ كانت تقدمُ الكهرباءَ شبهَ مجانيةٍ، فصارتِ الكهرباءُ فيها سلعةً فاخرةً لا تتوفرُ إلا لمن يدفعُ راتبَ ثلاثةِ أشهرٍ مقابلَ أربعِ ساعاتِ ضوءٍ. دولةٌ كانت تعلِّمُ أبناءَ الفلاحينَ مجاناً، فصارتِ المدارسُ إما أنقاضاً، أو مراكزَ لتجنيدِ الأطفالِ باسمِ الجهادِ الداعشي لهيئة تخريب الشام والاخوانج ، أو فصولاً تدفعُ فيها أجراً للجلوسِ على الكرسيِّ الخشبيِّ. دولةٌ كانت تُعالجُ الفقراءَ في مستشفياتِها، فصارتِ المستشفياتُ سوقاً حراً تُباعُ فيه الأدويةُ المنتهيةُ الصلاحيةُ بأسعارِ الذهبِ.
لم تكن هذه التحولاتُ نتيجةَ حربٍ أهليةٍ فحسب، بل كانت نتيجةَ خطةٍ مرسومةٍ بدقةٍ: تدميرُ الطبقةِ الوسطى أولاً، فهي العمودُ الفقريُّ لأيِّ وعيٍ طبقيٍّ، ثم تشتيتُ البقيةِ عبرَ شبكاتِ الفسادِ المحليةِ المدعومةِ من "سلطةِ الأمرِ الواقعِ" المستوردةِ، ثم فتحُ الأبوابِ أمامَ شركاتِ المقاولاتِ التركيةِ والخليجيةِ مرهونة للبنوك الغربية لشراءِ ما تبقى من وطنٍ بثمنِ الخردةِ.
الخلاصةُ الساخرةُ التي لا تخلو من ألمٍ: لقد تحولَ المشرقُ العربيُ من فضاءِ دولٍ إلى فضاءِ نهبٍ، ومن ساحةِ حضارةٍ إلى سوقِ فواتيرَ، ومن مجتمعِ تضامنٍ إلى غابةٍ طائفيةٍ تُدارُ بإدارةِ شركاتٍ دوليةٍ، وبتمويلٍ خليجيٍّ، وبغطاءٍ وهابيٍّ، وبهمهمةٍ تركيةٍ، وبقهوةٍ سعودية و بقناة قطرية ، وبتمتمةٍ أمريكية، وبصمتٍ دوليٍّ مطبقٍ. إنها المسرحيةُ الكبرى، ومؤلفوها لا يزالون يكتبون فصولاً جديدةً، بينما الجمهورُ العربيُ يدفعُ ثمنَ التذكرةِ من جسدهِ ودمهِ ومستقبلِ أولادهِ.
ولكن، ككلِّ مسرحيةٍ هزليةٍ عظيمةٍ، هناك دائماً لحظةٌ يرفعُ فيها الممثلُ الثانويُّ رأسَهُ، ويتلفتُ حوله، ثم يهمسُ في دهشةِ الصدمةِ الأولى: "مهلاً! هل أنا مجردُ فاتورةٍ قابلةٍ للتسديدِ، أم أنني كنتُ دولةً تستحقُ الحياة؟"
وهنا يسدلُ الستارُ على السؤالِ، ويُتركُ الجمهورُ يقررُ: هل سيواصلُ التصفيقَ للمهندسينَ الجددِ، أم سيطلبُ استردادَ ثمنِ التذكرةِ؟.
…….
تُروى هذه السطور بصوتٍ كوميديٍّ ثقيلِ السخرية، خفيفِ الروح، على أن تُقرأ كما تُقرأ نصوصُ "جوناثان سويفت" في "اقتراحٌ متواضع"، أو كما تُكتب فواصلُ "شارلي شابلن" في أفلامه الأخيرة، حيث الضحكةُ تعلو لتخفي دمعةً، والهجاءُ يضربُ لتكشفَ الحقيقةُ عن نفسها.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري
...
-
الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
-
الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور
...
-
الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
-
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
-
المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا
...
-
التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت
...
-
أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة
...
-
نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا
...
-
الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س
...
-
بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف
...
-
مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال
...
-
الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين
...
-
عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط الق
...
-
كيف يتم سحق العدالة الدولية حماية لمرتكبي الإبادة الجماعية م
...
-
ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة الي
...
-
في انتظار وطن لا يُباع... السيادة بين المطرقة والسندان
-
غرب آسيا : رقعة شطرنج تتبدّل عليها قواعد اللعبة
-
بين الدواء الممنوع والدم المباح: كيف تُعاد صياغة الحقيقة في
...
المزيد.....
-
من الإعلانات التجارية إلى الدعاية السوفيتية.. متحف موسكو يوث
...
-
دراسة: -ثقافة الرجولة- هي السبب وراء قصر عمر الرجال
-
مهندس المجاز والهوية.. خليل الشيخ يفكك -سردية محمود درويش ال
...
-
أمسية ثقافية في اتحاد الأدباء والكتاب بميسان بعنوان -نبوءات
...
-
كاميرا الجزيرة تفضح الرواية الإسرائيلية.. فرون أرض لبنانية ح
...
-
بصورة ورسالة مؤثرة.. فنانة مصرية تكشف تفاصيل صادمة عن حالتها
...
-
تيم حسن يعود إلى دمشق بـ-هلال رمضان-.. رهان درامي مبكر لموسم
...
-
قرابة 1300 حالة وفاة بسبب الحر.. لماذا ترفض أوروبا ثقافة أجه
...
-
الفنانة نورا رحّال تفقد ابنها البكر عن عمر يناهز 24 عامًا
-
هل وجد -ذات- وريثه السينمائي؟.. كيف يروي -القصص- تاريخ مصر م
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|