|
|
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في فصلين
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 07:56
المحور:
الادب والفن
مسرحية: "الفاتورة الأخيرة" أو: "كيف ضحك المشرق حتى بكى"
مسرحية كوميدية ساخرة في فصلين وستة مشاهد
الشخصيات:
· جبران - مواطن سوري، في الأربعينات، حامل هموم وطنه على كتفيه، وفاتورة كهرباء في جيبه · نادين - لبنانية، صاحبة مطعم صغير في بيروت، تتحدث بسرعة الرصاص وتضحك كي لا تبكي · أبو سيف - عراقي، تاجر خردة، لديه نظرية مؤامرة لكل شيء، حتى للرغيف · د. طرابيشي - اقتصادي سعودي الجنسية، خليجيّ الهوى، أمريكيّ التدريب، يبتسم دائمًا وهو يبيعك وطنك · والي - تركي، ممثل شركة مقاولات، يرتدي بدلة أنيقة، يتحدث العربية بلكنة كأنه يغني أغنية شعبية · الشيخ نجيب - وهابي متجول، يوزع الطمأنينة الدينية والسياسية بالتساوي، جواله لا يتوقف عن الرنين · الصوت التعليقي - صوت غير مرئي، رومانسيّ ساخر، يشبه صوت الراوي في مسرحيات بريخت
الفصل الأول: حيث كانت الدولة حلماً
المشهد الأول: "مقهى آخر الزمان"
(المكان: مقهى متهالك في بيروت، طاولات خشبية، كراسي بلاستيكية، لوحة مكتوب عليها "قهوة الروح" بخط عربي جميل. يجلس جبران ونادين وأبو سيف حول طاولة، أمامهم فناجين قهوة فارغة منذ زمن)
الصوت التعليقي: (بصوت مدرّس تاريخ مسنّ) في البدء خلق الله المشرق العربي... وجعل فيه نفطًا كالجبال، وعهدًا اجتماعيًا كالأشجار، وماءً كالأحلام. ثم نظرت إليه القوى الكبرى من فوق سبع طباق من المصالح... فقالت: "هذا عيب في المنظومة!"
(يدخل الدكتور طرابيشي مبتسمًا، يرتدي نظارة شمسية رغم أن المكان مظلم)
طرابيشي: (بصوت المرشد السياحي) صباح الخير يا سادة! صباح الخير يا عشاق الدولة الاجتماعية! كيف الحال؟ كيف الخدمات العامة اليوم؟
جبران: (ينظر إلى فاتورة كهرباء في يده) الخدمات؟ يا دكتور، الخدمات صارت أحلامًا عابرة. عندي هنا فاتورة كهرباء تعادل راتب ثلاثة أشهر... مقابل أربع ساعات ضوء يوميًا. يعني الدنيا عندي صارت مسرحية: أربع ساعات جوع، عشرين ساعة ظلام.
نادين: (تضحك ضحكة عصبية) ظلام؟ يا حبيبي، الظلام عندنا في بيروت صار فخامة. أشتري شموعًا أكثر مما أشتري خبزًا. والأغرب أن المصارف تبيعنا العملة بسعر، وتشتريها منا بسعر آخر. يعني أنا في مطعمي أبيع المزة بسعر الدولار، وأشتري المواد الخام بسعر الليرة. يا دكتور، هل هذا ما تسمونه اقتصادًا؟
طرابيشي: (يرفع أصبعه كأنه يلقي محاضرة في هارفارد) هذا يا سادتي ما يسمى "تحرير السوق"! إنها ديمقراطية الأرقام! إنها... (ينظر إلى سماء المقهى كأنها قاعة محاضرات) إنها رحمة الله التي أنزلها على الأسواق! فالخدمات المجانية يا أصدقائي، هذه شيوعية متخلفة! المواطن يجب أن يدفع ثمن كل شيء، لأن الدفع يرفع القيمة، والقيمة تخلق النمو، والنمو...
أبو سيف: (يقاطعه بلهجة عراقية ثقيلة) والنمو يخلق فواتير جديدة، والفواتير تخلق ديونًا، والديون تخلق استدانة جديدة، والاستدانة تخلق... خلصت على راسي. بس اسألني أنا: ليش حينما صارت النفط غالية، صار الخبز غالي؟ والكهرباء؟ والموت؟ حتى الموت صار غالي!
طرابيشي: (يضحك ضحكة اقتصادية بحتة) هذا هو سحر العرض والطلب يا صديقي! عندما يرتفع الطلب على الحياة، يرتفع سعرها!
(يقفز من مكانه، يفتح ذراعيه كأنه يحتضن المقهى) أنظروا إلى هذه المعجزة! لبنان الذي يبيع وسط بيروت لشركة سوليدير، ثم تشتري سوليدير لبنان بالتقسيط! سورية التي تبيع كهرباءها، والعراق الذي يبيع ماءه، ومصر التي تبيع... آه مصر حالة خاصة.
نادين: (تنظر إليه نظرة شك) دكتور... إنت متأكد إنك من هذا الكوكب؟ لأن كلامك يذكرني بمسرحية قديمة... مسرحية اسمها "أحلام الفقراء"!
المشهد الثاني: "دروس في التفكيك"
(يدخل الشيخ نجيب، لحية كثيفة، جلابية بيضاء، ساعة ذهبية في يده، وجوال يرن كالجرس)
الشيخ نجيب: (يمسح جبينه) السلام عليكم! أهلاً بالمسلمين! وأهلاً بغير المسلمين، سنصلح أمركم قريبًا.
(يجلس قربهم، يوزع ابتساماته كالصدقات)
جبران: (بارتياب) أهلاً بالشيخ. هل لك أن تفسر لنا حكمة هذا الانهيار؟ وما دخل الدين في كل هذه المصائب؟
الشيخ نجيب: (يشير بإصبعه إلى السماء كأنه يخطب) يا بني، الدولة الوطنية كفر! الدولة التي توزع الخدمات مجانًا هي اشتراكية ملحدة! نحن في عصر "التوحيد الاقتصادي": السوق حر، والربح حلال، والمواطن... (يضرب على جواله ليصمت) آسف، هذا اتصال من الرياض... نعم أخي، نعم الأموال وصلت، الفاتورة الجديدة ستُرسل الأسبوع القادم.
أبو سيف: (ينظر إليه بفضول) الشيخ! أنت تبيع الفتاوى بالجملة؟ كم سعر فتوى تحريم الدولة الاجتماعية؟
الشيخ نجيب: (يبتسم ابتسامة تسويقية) هذا للتحرير الفكري! تحرير العقول من أوهام الدولة... وارتباطها بالله أولا... وبمن وكلهم الله ثانيًا.
طرابيشي: (متحمسًا) برافو! برافو يا شيخ! أنت تفهم السياسة المالية! الدين + رأس المال = خلاص للشعب. الدين يوزع الطمأنينة، ورأس المال يوزع الفواتير، والشعب... يوزع نفسه على الطوائف ليتسلى!
نادين: (تقف بحماس) يعني حسب فلسفتكم... النهب المسمى استثمارًا، والتدمير المسمى تحريرًا، والجهل المسمى تقوى، كل هذا هو "الخلاص" الذي انتظرناه؟!
(تدخل والي مرتديًا بدلة زرقاء، حاملًا حقيبة جلدية، بلكنة تركية ثقيلة ولكن ممتعة)
والي: (يقف كالمذيع) عفواً! أنا من شركة "السلطان المحدودة" للمقاولات! نقدم عروضًا خاصة لإعادة إعمار المدن المدمرة! لدينا عروض تشمل: تدمير البنية التحتية مجانًا، وبيع الأنقاض بأسعار الجملة، وإعادة الإعمار بأسلوب "مقاول تحت الطلب"!
جبران: (مصدومًا) أي إعادة إعمار؟ أنتم من دمّر!
والي: (يضحك كأنه يغني) أوه، هذا نموذج عمل متكامل! أولاً: تفكيك الدولة الاجتماعية. ثانيًا: خلق فراغ سياسي. ثالثًا: بيع الحلول. نحن الترك... قوم لا يتعبون! (يرفع خاتمًا في يده) هذا الخاتم يحمل شعار "مسيرات النهضة"! نصف ثمنه... ديون!
المشهد الثالث: "يوم الحساب المالي"
(يقرع جبران على الطاولة، فينتبه الجميع)
جبران: (بصوت يخنقه الألم) هل تعلمون ما هو الأكثر إيلامًا؟ أنني أتذكر أيامًا كانت سورية تقدم لنا الكهرباء شبه مجانية. كان النور ينير بيوتنا كالأمل. كان الدواء في المستشفيات متاحًا... كان التعليم مجانيًا... لكن الآن؟
(يسحب فاتورة من جيبه، يرتجف بها) الآن ندفع الثمن. ندفع ثمن الخبز، ثمن الضوء، ثمن الهواء، ثمن الدواء... حتى ثمن الحلم! هل تعلمون أن طفلي الصغير سألني بالأمس: "بابا، هل يستطيع الفقراء أن يحلموا؟ أم الحلم أيضًا صار بفاتورة؟"
نادين: (تضرب بقبضتها على الطاولة) قصة بلدي! لبنان الضائع. كنا دولة خدمات! والآن... ديون. فواتير. نهب. سوليدير اشترت وسط بيروت، وباعت الأحلام. صرنا ننظر إلى البحر كوجهة هجرة لا كمنظر جميل.
أبو سيف: (يأخذ نفسًا عميقًا) العراق... كلّ ما يمكن قوله: دولة تنهب تحت شعار طائفي. تحت أسماء الله، تُباع الأرض. (ينظر للشيخ نجيب) والمفتي يبارك. لم يعد السؤال "من أين لنا بالخبز؟" بل "من أي طائفة سنشتري الخبز؟"
والي: (يقترب منهم كأنه يقدم عرضًا خاصًا) أيها الأصدقاء، لا تحزنوا! نحن نقدم لكم "باقة التفكيك الشامل": تفكيك الوعي الطبقي، تفكيك النسيج الوطني، تفكيك الخدمات، وتأسيس "دولة فواتير" جديدة. اشترك الآن واحصل على قسيمة خصم لشراء أنقاض منزلك القديم!
طرابيشي: (مصفقًا) هذا المشروع الاستعماري الجديد! من أروع ما أنتجته العولمة! المال الخليجي، الأيديولوجيا الوهابية، المقاول التركي، والوكلاء المحليون... كلهم في تناغم إلهي. يا سادة، هذه سيمفونية نهب على نطاق كوني!
الشيخ نجيب: (واقفًا كأنه يخطب الجمعة) لا نهب يا أبنائي! إنها "إعادة توزيع"! وما كانت الدولة تفعله كان احتكارًا للخيرات! أما نحن... (يلمس جواله) آسف، هذا اتصال من أبو ظبي... (يتنحى جانبًا)
جبران: (يسخر) "إعادة توزيع"؟ إعادة توزيع الفقر! إعادة توزيع الجوع! إعادة توزيع الموت! (يقترب من الشيخ) هل هذا ما جلبتوه؟ "وهابية" تحتضن البنوك، و"إخوان" يبيعون الوطن، و"تركيا" تجمع الفتات، وخليج يغسل أمواله بدمائنا؟
الشيخ نجيب: (يعود من مكالمته، مبتسمًا) يا بني، الحياة رحلة. أنتم في مرحلة "الامتحان". بعدها الجنة. أو ربما... الخصخصة!
الفصل الثاني: فاتورةٌ بلا نهاية
المشهد الرابع: "نظرية المؤامرة المرحة"
(يقف جبران في منتصف المسرح، يحدق في الجمهور)
جبران: يا أصدقائي، اجتمعوا واسمعوا هذه الملحمة! لنقلها كما يرويها الأجداد: كانت عندنا دولة... دولة تُنير البيوت وتُطعم الجياع وتُعلّم الجاهل. دولة كان المواطن فيها شريكًا، لا فاتورة. ثم جاء المهندسون الجدد. بدأوا بمشروع عبقري: "خصخصة كل شيء". خصخصة الخبز، خصخصة الدواء، خصخصة التعليم، خصخصة الأحلام. وفجأة... صرنا في "دولة الفواتير"!
(يلتفت حوله كأنه يوزع منشورات وهمية)
جبران (يقلد صوت مذيع إعلانات): "إعلان هام من الشركة الاستعمارية المتحدة! نقدم لكم باقة "الفوضى الخلاقة"... وعدناكم بدولة حديثة، فجئناكم بدولة منهوبة. اخترناكم لنكون سوقًا، فصرتم ساحة حرب. وعدناكم بالتنمية، فأهديناكم الديون!"
(ينزل من مكانه، متجهًا نحو نادين)
نادين: (تسخر) يا جبران، كل ما تقوله صحيح، لكن اترك عنك "نظرية المؤامرة"!
جبران: (يضرب على صدره) نظرية المؤامرة؟! انظر بنفسك: المال الخليجي، الوهابية، المقاول التركي، خصخصة بيروت... كلها حلقات في سلسلة واحدة. هل هذا "نظرية"؟ هذا عقد موثق بالدم والديون!
والي: (يقف مهللاً) أوه، تعجبني حماسك! تفضل، وقع هنا على عقد "النهب المؤجل"... نضمن لك الدفع بالتقسيط المريح!
المشهد الخامس: "الكوميديا ترتفع.. حيث يضحك الجميع إلا الضحايا"
(يدخل الصوت التعليقي من جديد، على أنغام موسيقا حزينة تعزف على آلة كمنجة عربية)
الصوت التعليقي: في مقهى آخر الزمان، يجتمع أبطالنا، كل يحمل قصة إفلاسه: جبران الذي كان يحلم بدولة خدمة، صار يحمل فاتورة كهرباء. نادين التي كانت تطعم الفقراء، صار فقرها يأكلها. أبو سيف الذي كان تاجر خردة، صار الخردة تباع أسعاره. والشيخ نجيب وطرابيشي ووالي... شركة ممتازة لتجارة الدمار.
(يبدأون جميعًا في رقصة ساخرة، كأنهم يرقصون على أنغام "وداعا دولة الخدمات، أهلاً دولة الفواتير")
جبران: (وهو يرقص بثقل) أهلاً بفاتورة الكهرباء! فاتورة الماء! فاتورة الهواء! فاتورة الضحك! فاتورة البكاء!
نادين: (تتابع الرقصة كأنها في مهرجان بيروتي) أهلاً بفاتورة الموت! فاتورة الحياة! فاتورة النوم! فاتورة الحلم! الكل بفاتورة، الكل بفاتورة!
أبو سيف: (يرفع يديه كراقص شعبي) أهلاً بفاتورة الحب! فاتورة الخيانة! فاتورة الأوطان! كلها خردة تُباع في سوق النهب!
والي: (يصفق على إيقاع الرقصة، ضاحكًا) شركة السلطان تقدم عرضًا خاصًا: اشترِ ثلاثة فواتير واحصل على الرابعة مجانًا!
الشيخ نجيب: (يرفع عينيه للسماء كأنه يدعو) اللهم أعدل الأسعار! اللهم زدنا من الديون كي نزداد إيمانًا! اللهم ارزقنا شركات المقاولات التركية والأموال الخليجية والفتاوى المباركة!
طرابيشي: (يرقص كأنه يحتفل بعيد) هذه هي "الرأسمالية العادلة"! ينهبونك وأنت تشكرهم! يدمرون وطنك وأنت تدفع ثمن التذكرة! يسرقون مستقبلك وأنت تصفق لهم!
(يتوقفون جميعًا فجأة، ينظرون إلى بعضهم كأنهم استيقظوا من كابوس)
المشهد السادس والأخير: "متى ترفع الفاتورة النهائية؟"
(يسود صمت طويل. يقترب جبران من منتصف المسرح، ينظر إلى الجمهور كأنه يريد أن يبوح بسر)
جبران (بحزن ساخر، ودمعة في زاوية عينه): هل تعلمون ما هو أكثر شيء مؤلم في هذه المسرحية؟ أنها ليست مسرحية. إنها وثيقة. والضحكة التي نطلقها هنا، في هذا المقهى، هي آخر ما تبقى لنا من حياة طبيعية.
(يلتفت إلى نادين) نادين، كم سعر فنجان القهوة اليوم؟
نادين (تنظر إلى القائمة وكأنها تنظر إلى شهادة ميلاد): بالأمس كان بألف ليرة. اليوم بعشرة آلاف. وغدًا... غدًا سأبيع الفنجان نفسه.
أبو سيف (يضحك كمن يبكي): في العراق، كنا نقول: "الحمد لله على كل حال". الآن نقول: "الحمد لله أن هناك حالًا نحمده عليه"!
(يتقدم الشيخ نجيب نحوهم، لكن جواله يرن من جديد، فيرفع يده معتذرًا)
الشيخ نجيب: آسف... اتصال من الدوحة... (يجيب بهمس) نعم سيدي، الخطة تسير حسب الجدول... ثلاث دول انهارت، والسعودية وافقت على تمويل الدفعة القادمة... نعم، الفقر يزداد، وهذا جيد للفتاوى الجديدة...
(يغلق الهاتف، ويرى الجميع ينظرون إليه نظرات متهمة) ماذا؟ هذه مجرد مكالمة عائلية!
والي: (يقترب وكأنه يلقي خطبة) أيها الأصدقاء، لا تثوروا. نحن في شركة السلطان نقدم لكم عرضًا لا يُرفض: "رحلة إلى دولتك الجديدة". سافر عبر فواتيرك! استمتع بالانقطاعات الكهربائية! تذوق طعم الدواء الفاسد! عش حياة الانهيار! واحلم بأن غدًا سيكون أفضل... أو على الأقل سيكون جديدًا!
طرابيشي: (ينظر إلى ساعته كأن موعدًا هامًا) معذرة، لدي اجتماع مع أحد المصارف الخليجية. سنناقش كيفية إعادة بيع ديون سورية للبنوك الأمريكية. (يضحك) يا للروعة! فهندسة النهب تتطلب عملًا دؤوبًا!
(يتجه نحو الباب، لكن جبران يمسك بكمه)
جبران: (بصوت مرتفع، كأنه يعلن ثورة) قف! لقد سئمت. سئمت فواتيرك. سئمت ابتساماتك الزائفة. سئمت الشيوخ الذين يبيعون الجنة بثمن الأرض. سئمت المقاولين الذين يبنون الخراب. سئمت الاقتصاديين الذين يفسرون الفقر بلغة العولمة.
(يقترب من الجمهور، يخاطبهم كأنهم محكمة) اسألوني: هل يمكن لشعب أن ينهض بعد هذا الهدم؟ هل يمكن لنا أن نسترجع دولة الخدمات بعد أن هُدمت على رؤوسنا؟ أقول لكم: ليس مستحيلاً. لكنه يتطلب شيئًا واحدًا فقط: أن نرفع "الفاتورة الأخيرة"... فاتورة الحساب مع كل مهندسي النهب.
الشيخ نجيب: (يضحك بازدراء) أي نهضة؟ لقد دمرنا الوعي الطبقي، واستبدلناه بالطائفية! مزقنا النسيج الوطني! حوّلنا المدارس إلى أنقاض والمستشفيات إلى أسواق! كيف ستقاومون ونحن نملك المال والسلاح والدين؟
نادين: (تقترب من الشيخ، بجرأة) دينكم؟! دينكم هذا ليس إلا أداة. أداة لاستعبادنا باسم السماء، وبيع بلادنا باسم الأرض الموعودة. لكن تعالوا... لنتكلم بصراحة: الفقراء بدأوا يفيقون. الفقراء بدأوا يدركون أن الجوع ليس قدرًا، بل سياسة.
(يجتمع الثلاثة (جبران، نادين، أبو سيف) في مواجهة الثلاثة الآخرين (الشيخ، طرابيشي، والي)
أبو سيف: (يخطو خطوة للأمام) نعم! أيها المهندسون الجدد... استمعوا: كل فاتورة تضعونها علينا، نضعها في حسابنا. وكل نهب تمارسونه، نذكره في ذاكرتنا. البلد التي نهبتموها اليوم، ستعود غدًا أقوى!
(يلتفت الصوت التعليقي للجمهور)
الصوت التعليقي: (بصوت هادئ وحزين، كأنه يخاطب كل مشاهد) أيها السادة، هذه المسرحية لم تنتهِ بعد. فصولها تكتب كل يوم على أرض المشرق. بعضهم يكتبها بالمال، وآخرون بالدم. لكن السؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء، كغيمة مطر لا تسقط: إلى متى ستبقى الشعوب العربية مجرد فواتير في دفاتر المستعمرين الجدد؟
(يقترب جبران من الجمهور، ينظر إليهم فردًا فردًا)
جبران: ربما يضحك القوم علينا الآن... ربما يقولون "مجرد مسرحية". لكن تذكروا: كل دولة عظيمة بدأت بمسرحية. ثورات الشعوب تولد من كلمة. ومن ضحكة. ومن دمعة. وأغلب الظن أن فاتورتنا النهائية ستدفع يومًا... ولكنها ستدفع من جيوبهم هم لا من جيوبنا.
(ينظر إلى الشيخ نجيب وطرابيشي ووالي، ويبتسم ابتسامة ثائرة) سنحاسبكم... في المسرح وفي التاريخ. وربما... في الحياة.
(ينطفئ النور فجأة. ظلام دامس. ثم يضيء نور خافت، نرى أبطالنا الثلاثة (جبران، نادين، أبو سيف) واقفين متماسكين كأنهم علم)
نادين: (تهمس كمن يقطع وعدًا) غدًا، سنعيد بناء الدولة. دولة الخدمات... لا دولة الفواتير.
أبو سيف: (يغمز للجمهور) وإن عاد المهندسون من جديد... (يضحك) سنفرض عليهم ضريبة! ضريبة على النهب، ضريبة على التخريب، ضريبة على كل فاتورة زائفة!
(يقهقه الجمهور في المسرح، بينما يخرج الثلاثة في مشهد أخير: يمشون خطوات ثابتة، حاملين فناجين قهوة فارغة كأنها أعلام)
الصوت التعليقي: (ختامي، كحكيم يغادر المسرح) وتبقى حكاية المشرق العربي مسرحية مفتوحة النهاية. يكتبها الفقراء بالجوع، والأغنياء بالشيكات. لكن الأمل، أيها السادة... الأمل فاتورة لم تُدفع بعد. وستُدفع. يومًا ما. بفائدة كبيرة. فائدة اسمها "الحرية".
ستار المسرح
النهاية
إخراج المسرحية:
· تعتمد على فصول سريعة ومشاهد متقاطعة. · الإضاءة: مزيج بين الأضواء الكوميدية الساخرة والظلال الحزينة. · الإيقاع: سريع في المشاهد الهزلية، بطيء في المشاعر الوطنية. · يُمكن استخدام "مونولوجات داخلية" بين الفصول مع إطفاء النور جزئيًا.
هذه المسرحية هي محاولة لتقديم الألم العربي بصياغة كوميدية، ارتقاءً بضحكة الشعب التي لا تموت، رغم كل فواتير العالم.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
-
ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
-
مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
-
سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري
...
-
الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
-
الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور
...
-
الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
-
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
-
المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا
...
-
التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت
...
-
أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة
...
-
نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا
...
-
الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س
...
-
بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف
...
-
مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال
...
-
الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين
...
-
عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط الق
...
المزيد.....
-
دار أزياء تواصل ترجمة الهوية السعودية بلغة الموضة العالمية
-
أمل لمرضى الشلل.. -ميتا- تعلن عن نظام ذكاء اصطناعي لترجمة ال
...
-
من البلاط القيصري إلى -حرب النجوم-.. حقائق تروي قصة -الكوكوش
...
-
مشروع روسي جديد لدعم السينما المحلية بتمويل من الأفلام الأجن
...
-
نصير شمة: الموسيقى تسهم بخفض مستوى هرمون التوتر
-
قطع مقابلة قاليباف يكشف صراع الرواية داخل النظام الإيراني
-
-كنت أطمح أن أصبح مترجمة-.. رئيسة الوزراء الإيطالية تتحدث عن
...
-
لجنة تشييع القائد الشهيد للأمة (رض): 14 ألف صحفي ومصور وإعلا
...
-
العثور على جثة الممثل ألكسندر فيسوكوفسكي في نهر أوكا بمقاطعة
...
-
ابنة حماة في مجلس الشعب.. من هي الفنانة روزينا لاذقاني التي
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|