|
|
تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأوروبية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 16:47
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الملخص
تبحث هذه الورقة في مفهوم الاستعمار الداخلي داخل أوروبا بوصفه بنية سياسية–اقتصادية تُعيد إنتاج الفقر داخل المركز الرأسمالي نفسه، عبر سياسات نيوليبرالية تُفرض من خلال المفوضية الأوروبية وتخدم مصالح الاحتكارات المالية والصناعية العالمية. تُظهر الورقة أن الفقر في أوروبا لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح نتيجة وظيفية لبنية التراكم الرأسمالي المعولم، وأن الفئات الهشة – خصوصًا من تجاوزوا 55 سنة – أصبحت ضحية مباشرة لهذه البنية. وتقترح الورقة إطارًا نظريًا لفهم هذا التحول، وتقدم مسارات بحثية لمواجهته.
1. المقدمة
شهدت أوروبا منذ نهاية القرن العشرين تحولات عميقة في بنية الدولة الاجتماعية، مع صعود النيوليبرالية وتراجع دور الدولة في الحماية الاجتماعية. في هذا السياق، برز مفهوم الاستعمار الداخلي بوصفه إطارًا تحليليًا لفهم كيف تُعاد إنتاج علاقات الهيمنة داخل المركز الرأسمالي نفسه، بحيث تتحول فئات اجتماعية كاملة إلى "أطراف" تُقصى من سوق العمل وتُخضع لسياسات ضبط اجتماعي. تسعى هذه الورقة إلى تحليل هذا التحول من منظور الاقتصاد السياسي النقدي، مع التركيز على دور المفوضية الأوروبية والاحتكارات المالية في صياغة السياسات التي تُنتج الفقر داخل أوروبا.
2. الإطار النظري: تعريف الاستعمار الداخلي
يُعرَّف الاستعمار الداخلي بأنه: "عملية تحويل فئات اجتماعية داخل الدولة إلى أطراف تُعامل ككتلة فائضة عن الحاجة، تُقصى من سوق العمل، وتُخضع لآليات ضبط اجتماعي." هذا المفهوم يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية:
2.1 الإقصاء الاقتصادي
تُقصى الفئات الهشة – خصوصًا من تجاوزوا 55 سنة – من سوق العمل، ثم من أنظمة البطالة، ثم تُدفع نحو شبكات المساعدة الاجتماعية. تشير البيانات البلجيكية إلى أن واحدًا من كل ثلاثة عاطلين عن العمل فوق 55 سنة ممن لديهم مسيرة مهنية تقل عن 30 عامًا ظل عاطلاً عن العمل لأكثر من عشر سنوات . وتُظهر إحصاءات البطالة في بلجيكا انخفاضًا حادًا بنسبة 41% في عدد المستفيدين من إعانات البطالة بين الفئة العمرية 50-59 سنة، مما يعكس تأثير سياسات تقليص مدة استحقاق الإعانات .
2.2 الإفقار البنيوي
الفقر لم يعد نتيجة ظروف فردية، بل نتيجة سياسات هيكلية تشمل: رفع سن التقاعد، تشديد شروط البطالة، تقليص الإعانات، ارتفاع تكاليف السكن، وتدهور الخدمات العامة. تشير تحليلات الاقتصاد السياسي إلى أن إعادة هيكلة دولة الرفاه في بلدان مثل اليونان بعد أزمة 2009 أدت إلى اتساع فجوة الفقر بينها وبين بقية دول الاتحاد الأوروبي . ووفقًا لتحليل الدورة الأوروبية لعام 2026، فإن التقدم نحو تحقيق هدف تخفيض عدد السكان المعرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي لا يزال ضئيلاً، مع انخفاض لا يتجاوز 2.9 مليون شخص منذ عام 2019، مقابل هدف تخفيض 15 مليونًا .
2.3 الضبط الاجتماعي
تُدار الفئات الفقيرة عبر آليات بيروقراطية تهدف إلى ضبطها لا دعمها، مثل: شروط التفعيل، مراقبة المستفيدين، وتحويل الإعانات إلى أدوات رقابية. يعكس نموذج "هارتز الرابع" في ألمانيا هذه الآلية، حيث يُجبر العاطلون عن العمل على قبول أي عرض عمل، بما في ذلك وظائف بأجر زهيد، تحت طائلة فقدان الإعانات الضئيلة .
3. المفوضية الأوروبية: جهاز لإعادة إنتاج الإفقار الهيكلي
تُعد المفوضية الأوروبية فاعلًا مركزيًا في صياغة السياسات الاجتماعية للدول الأعضاء، عبر ما يُعرف بـ الفصل الأوروبي (European Semester)، الذي يصدر توصيات سنوية تتعلق بضبط الميزانيات، رفع سن التقاعد، تقليل الإنفاق الاجتماعي، تشديد شروط البطالة، وتعزيز "التفعيل" بدل الدعم. هذه التوصيات ليست ملزمة قانونيًا، لكنها ملزمة سياسيًا، إذ تُستخدم لتقييم "انضباط" الدول الأعضاء.
تشير تحليلات معهد جاك ديلور إلى أن حزمة ربيع 2026 للفصل الأوروبي تخضع ملف "رأس المال البشري" لأجندة التنافسية، مع مفارقة واضحة: فبينما تُمنح الدول مرونة مالية للإنفاق الدفاعي تصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، لا يوجد مرونة مماثلة للاستثمار الاجتماعي أو التعليمي . وقد أبدى تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي قلقه من تضييق نطاق الفصل الأوروبي وإهماله للأبعاد الاجتماعية، مشيرًا إلى أن التوصيات الخاصة بكل دولة أصبحت تركز بشكل شبه حصري على المهارات، متجاهلة قضايا الفقر والإسكان والصحة والمعاشات . وهكذا، تتحول المفوضية إلى جهاز لإعادة إنتاج السياسات التقشفية التي تُنتج الفقر داخل أوروبا.
4. الاحتكارات المالية والصناعية: من الاستشارات التقنية إلى الهيمنة السياسية
منذ عام 2018، دخلت مؤسسات مالية كبرى – مثل BlackRock – في صياغة السياسات الأوروبية، خصوصًا في ملف التقاعد. قدّمت هذه المؤسسات تقارير تقنية توصي برفع سن التقاعد، تقليص أنظمة التقاعد العامة، تحويل التقاعد إلى سوق مالية، وتقليل تكلفة كبار السن على الدولة. هذه التوصيات تحولت إلى سياسات فعلية في دول أوروبية عديدة، ما يكشف عن انتقال السلطة من الدولة إلى الرأسمال المالي، وتحول السياسات الاجتماعية إلى أدوات لضبط الفئات الهشة.
تشير التطورات الأخيرة إلى وجود توتر متزايد بين صناديق التقاعد الأوروبية وشركات إدارة الأصول الأمريكية. فقد سحبت صناديق تقاعد هولندية كبرى، مثل PFZW وPME، مليارات اليورو من استثماراتها لدى BlackRock، معربة عن مخاوفها بشأن نهج الشركة في التعامل مع مخاطر المناخ والاستدامة . وبينما تعكس هذه الخطوة خلافًا حول معايير الاستثمار البيئي والاجتماعي والحوكمة، فإنها تشير أيضًا إلى وعي متزايد بصراع المصالح بين أهداف صناديق التقاعد كجهات تحمي مدخرات العمال، وبين مصالح شركات إدارة الأصول العالمية التي تدفع نحو خصخصة أنظمة التقاعد.
5. بلجيكا نموذجًا: كبار السن كفئة مُستعمَرة داخليًا
تشير البيانات البلجيكية إلى أن آلاف الأشخاص فوق 55 سنة فقدوا البطالة بعد الإصلاحات النيوليبرالية، وأن نسبة كبيرة منهم انتقلت إلى مراكز الخدمة الاجتماعية العامة (CPAS). كما أن التشرد بين كبار السن في ارتفاع، والإعانات لم تعد تكفي للعيش الكريم. تُظهر بيانات البطالة البلجيكية أن العاطلين عن العمل فوق 55 سنة هم الأكثر تضررًا من إصلاح تحديد مدة استحقاق إعانات البطالة بسنتين كحد أقصى، حيث انخفض عدد المستفيدين في هذه الفئة العمرية بنسبة 41% . كما تشير البيانات إلى أن واحدًا من كل ثلاثة عاطلين فوق 55 سنة ظل بدون عمل لأكثر من عقد .
هذه الفئة تُعامل كما تُعامل الأطراف في الاستعمار التقليدي: إقصاء من سوق العمل، إفقار هيكلي، ضبط عبر شبكات المساعدة، وتهميش سياسي واجتماعي. وهكذا، يصبح كبار السن في بلجيكا مثالًا واضحًا على الاستعمار الداخلي داخل أوروبا.
6. الخطاب التضليلي: لماذا تستمر الحكومات في خطاب مكافحة الفقر؟
رغم أن السياسات النيوليبرالية تُنتج الفقر، تستمر الحكومات في خطاب "مكافحة الفقر". هذا الخطاب ليس موجَّهًا للشعوب، بل للأسواق والمؤسسات المالية، ويهدف إلى تبرير السياسات التقشفية، إظهار "الانضباط المالي"، وتهدئة المخاوف الاجتماعية دون تغيير فعلي. وهكذا، يصبح الخطاب الاجتماعي قناعًا لغويًا يخفي بنية الإفقار.
تشير الدراسات إلى أن النهج الذي يربط مكافحة الفقر بتعزيز المهارات والقدرة التنافسية يتجاهل حقيقة أن الفقر في أوروبا يعكس إخفاقات هيكلية في توزيع الثروة، وليس مجرد نقص في المهارات الفردية . وتظهر تحليلات الدورة الأوروبية أن النقاش حول "الاستثمار في رأس المال البشري" يُختزل في كثير من الأحيان إلى أداة لتعزيز القدرة التنافسية، بدلاً من كونه التزامًا حقيقيًا بالحد من الفقر وعدم المساواة .
7. الاستعمار الداخلي كمنظومة
يمكن تلخيص بنية الاستعمار الداخلي في أوروبا في أربعة مستويات:
7.1 المستوى الاقتصادي: تحويل الفئات الهشة إلى أطراف داخل المركز، كما في حالة اليونان كطرف داخلي يعاني من سياسات تقشفية تُعيد إنتاج التبعية .
7.2 المستوى السياسي: تحويل الدولة إلى جهاز لتنفيذ توصيات المفوضية، من خلال آليات الفصل الأوروبي التي تفرض أجندة تنافسية على حساب التماسك الاجتماعي .
7.3 المستوى المالي: سيطرة الاحتكارات المالية على السياسات العامة، وصراع المصالح بين صناديق التقاعد كجهات تحمي مدخرات العمال وبين شركات إدارة الأصول التي تدفع نحو الخصخصة .
7.4 المستوى الاجتماعي: إعادة إنتاج الفقر كآلية ضبط، حيث تُستخدم إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية كأدوات رقابية وليست كشبكات أمان حقيقية .
8. الخاتمة
تُظهر هذه الورقة أن الاستعمار الداخلي في أوروبا ليس ظاهرة عابرة، بل هو بنية سياسية–اقتصادية تُعيد إنتاج الفقر داخل المركز الرأسمالي نفسه. وتُظهر أن الفئات الهشة – خصوصًا كبار السن – أصبحت ضحية مباشرة لهذا التحول، وأن مواجهة هذا الواقع تتطلب إعادة بناء الدولة الاجتماعية، وكشف العلاقة بين المفوضية والاحتكارات المالية، وبناء قوة اجتماعية مضادة قادرة على فرض سياسات بديلة.
تشير الأدلة من مختلف الدول الأوروبية إلى أن ظاهرة الفقر في العمل، واتساع فجوة عدم المساواة، وتدهور شروط المعيشة ليست حوادث عابرة، بل نتائج وظيفية لسياسات نيوليبرالية منظمة . ويُظهر تحليل الفصل الأوروبي لعام 2026 أن الاتجاه نحو إخضاع السياسات الاجتماعية لأجندة التنافسية يتعمق، مع إعطاء أولوية للإنفاق الدفاعي والاستثمار التكنولوجي على حساب الحماية الاجتماعية .
---
المراجع
1. Kouvelakis, S. (2018). Borderland Greece and the EU s Internal Periphery. In The Greek Crisis and Its Aftermath. 2. Socialists and Democrats (2025). S&Ds sound alarm over lack of social focus in the EU s economic governance. 3. Financial Times (2025). BlackRock loses second Dutch pension mandate over sustainable investing concerns. 4. Missos, V., Domenikos, C., & Pontis, N. (2024). Hardening the EU core-periphery lines, 2009–2019: Dependency, neoliberalism, welfare reformation and poverty in Greece. Structural Change and Economic Dynamics, 69, 171-182. 5. Dulbea, ULB (2024). Old-age unemployment and labour supply: an application to Belgium. Empirical Economics, 67, 253-287. 6. Institut Jacques Delors (2026). Investing in human capital : A social promise´-or-just another guise of competitiveness? 7. Social Platform (2026). Analysis of the 2026 European Semester Autumn Package. 8. Spannaus, A. (2017). Growing poverty fuels Europe s extremism. New Age BD. 9. N-VA (2025). One in three unemployed over-55s has been out of work for more than ten years. 10. Belga News Agency (2026). Nearly 30 percent fewer people receiving unemployment benefits in April. 11. Business Times (2025). BlackRock loses US-$-17 billion mandate at Dutch pension fund PFZW.
……….
النسخة الساخرة :
"بروكسل تاون: مسرحية إفقار على طريقة النيوليبرالية - بطولة المفوضية وبلاك روك وشركاهما"
الفصل الأول: في البداية كانت هناك دولة رفاه... ثم جاءت النيوليبرالية وقلبت الطاولة
مشهد الافتتاح: أوروبا كمنتجع صحي تحول إلى ساحة تدريب عسكري للفقراء
أيها السيدات والسادة، مرحباً بكم في جولة "أوروبا السعيدة" حيث نقدم لكم عرضاً جديداً بعنوان "كيف تصبح فقيراً وأنت في قلب أغنى قارة في العالم"، بطولة النجوم: المفوضية الأوروبية في دور "المربية الصارمة"، وشركة بلاك روك في دور "الصديق الناصح" (الذي يسرق نقودك وأنت تبتسم)، والبنوك الدولية في دور "الملاك الحارس" (الذي يغلق باب الملجأ بوجهك أثناء العاصفة)، ومنظمات صهيونية في دور الكومبارس الصامت الذي يصفق في الخلف بينما تسرق الشركات العملاقة معاشات جدتك.
دعونا نبدأ من البداية: كانت أوروبا يوماً ما تشبه ذلك الجد الحنون الذي يمنح أحفاده نقوداً للجيب ويسأل عن أحوالهم. كانت هناك "دولة رفاه" تهتم بمواطنيها من المهد إلى اللحد. لكن فجأة، وفي ليلة ماطرة (ليلة اجتماعات المفوضية السرية)، قررت النخبة أن الجد أصبح "عبئاً" على الميزانية، وأنه حان الوقت "لإصلاح" الأمور. وهكذا ولدت النيوليبرالية - ذلك الوحش الجميل الذي يلبس بدلة أنيقة ويتحدث بلغة الاقتصاديات الكبرى، لكنه في الحقيقة مجرد آلة لإعادة توزيع الثروة من الفقراء إلى الأغنياء، مع قليل من السخرية وكثير من الوقاحة.
الفصل الثاني: الاستعمار الداخلي - حين تصبح فقيراً دون أن تغادر منزلك
تعريف "الاستعمار الداخلي" كما لو كنت تشرحه لطفل في الخامسة
تخيل أنك في منزلك، وفجأة يقرر إخوانك الأكبر سناً أن غرفتك ليست لك، وأن عليك أن تدفع إيجاراً للجلوس على سريرك، وأن تصبح خادماً لهم مجاناً، وإلا سيقطعون عنك الكهرباء. هذا هو "الاستعمار الداخلي" في أبسط صوره. في أوروبا، الأمر لا يختلف كثيراً: فئات اجتماعية كاملة، خصوصاً أولئك الذين تجاوزوا الخامسة والخمسين، يتم التعامل معهم كأنهم "زائدون عن الحاجة" - كخلايا سرطانية يجب استئصالها اقتصادياً، لكن بلطف وبأسلوب ديمقراطي بالطبع.
تعريف أكاديمي ساخر: "الاستعمار الداخلي" هو عملية تحويل المواطنين إلى لاجئين داخل بلادهم، حيث تُسحب منهم البساط الاجتماعي، ويُطلب منهم أن يكونوا ممتنين لأنهم لا يزالون يتنفسون - مقابل رسوم رمزية طبعاً.
الرقم المقدس: 55 - عندما يصبح عمرك جريمة اقتصادية
في عالم المفوضية الأوروبية، هناك سن سحرية تتحول فيها من مواطن له حقوق إلى "مشكلة إحصائية" اسمها "كبار السن غير النشطين اقتصادياً". هذا السن هو 55 سنة. عندها، وكأنك تجتاز بوابة سرية إلى بُعد آخر، تجد نفسك فجأة غير مرغوب فيك في سوق العمل، لكنك أيضاً غير مرغوب فيك في نظام البطالة. أنت في المنطقة الرمادية - المنطقة التي لا يعرف فيها أحد ماذا يفعل بك، باستثناء أنهم يعرفون جيداً أنهم لا يريدون إنفاق المال عليك.
في بلجيكا، الأرقام تتحدث بصوت عالٍ (وإن كانت تبكي بصمت): واحد من كل ثلاثة عاطلين فوق 55 سنة ظل عاطلاً عن العمل لأكثر من عشر سنوات. وعشر سنوات هي فترة كافية لنسيان أي مهارة كنت تمتلكها، باستثناء مهارة البقاء على قيد الحياة بأقل قدر ممكن من الكرامة. والأكثر إيلاماً: انخفاض بنسبة 41% في عدد المستفيدين من إعانات البطالة بين الفئة العمرية 50-59 سنة. لأن المفوضية قررت أن 41% من كبار السن "ليسوا فقراء بما يكفي" ليستحقوا المساعدة - أو ربما قررت أنهم "فقراء جداً" لدرجة أن مساعدتهم ستكون مكلفة. المنطق النيوليبرالي في أبهى حلله!
الفصل الثالث: المفوضية الأوروبية - عندما تصبح "المربية" أكثر وحشية من الأهل
الفصل الأوروبي: التعليمات السرية لتفقير الشعوب بأسلوب حضاري
المفوضية الأوروبية، ذلك الكيان الذي يقول إنه يعمل من أجل "التضامن الأوروبي"، لديه أداة سحرية اسمها "الفصل الأوروبي" (European Semester). تخيل أنك في المدرسة، ومعلمك يمنحك "توصيات" بشأن كيف تعيش حياتك: كم تنام، وماذا تأكل، وكيف تنفق نقودك. هذه التوصيات ليست إلزامية من الناحية القانونية، لكنها إلزامية من الناحية السياسية، لأن معلمك يملك العصا (والجزرة المسمومة) في يده.
ما تفعله المفوضية عبر هذه الآلية هو شيء بديع في قسوته: تصدر توصيات سنوية للدول الأعضاء تتضمن:
· ضبط الميزانيات: أي "لا تنفقوا على الفقراء، فلدينا فقراء كثر في أوروبا ونحتاج إلى تنويعهم" · رفع سن التقاعد: لأن الناس في أوروبا يعيشون طويلاً، وهذا خطأ فادح ارتكبوه بحق الاقتصاد - كان عليهم أن يموتوا أبكر قليلاً لتوفير المال! · تقليل الإنفاق الاجتماعي: لأن الفقراء يجب أن يتعلموا "الاعتماد على الذات"، أي الاعتماد على الحظ أو على الصدقات · تشديد شروط البطالة: لجعل الحصول على المال شبه مستحيل، مثل لعبة "المنشار" ولكن بدون متعة المشاهدة · تعزيز "التفعيل": وهي كلمة براقة تعني "اجبروا العاطلين عن العمل على قبول أي وظيفة، حتى لو كانت تنظيف المراحيض مقابل لقمة خبز، وإلا اقطعوا عنهم الإعانة"
والجزء الأكثر تسلية (وإثارة للغضب) هو أن المفوضية تمنح الدول مرونة مالية للإنفاق الدفاعي تصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن لا توجد مرونة مماثلة للإنفاق الاجتماعي. بمعنى آخر: اشتروا أسلحة بكل راحتكم، ولكن لا تجرؤوا على إنفاق المال على التعليم أو الصحة أو المعاشات، فهذا "تبذير"! لأن الأسلحة أكثر فائدة للاقتصاد من البشر الأحياء، بالطبع.
تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين: الصوت الوحيد العاقل في غرفة مليئة بالمجانين
حتى داخل البرلمان الأوروبي، هناك من يصرخ بصوت عالٍ: "هذا جنون!" تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين (وهم ربما المجموعة الوحيدة التي لا تزال تمتلك ذرة من الضمير في بروكسل) أبدى قلقه من تضييق نطاق الفصل الأوروبي وإهماله للأبعاد الاجتماعية. واشتكى من أن التوصيات الخاصة بكل دولة أصبحت تركز بشكل شبه حصري على "المهارات"، متجاهلة تماماً قضايا الفقر والإسكان والصحة والمعاشات.
وكأن المفوضية تقول للشعوب الأوروبية: "أنتم لستم بحاجة إلى سكن لائق أو رعاية صحية أو معاش تقاعدي كريم، أنتم بحاجة إلى مزيد من المهارات! تعلموا البرمجة، وانسوا الجوع!" وكأن المهارات الرقمية ستدفئ منزلك في الشتاء أو تطعم أطفالك عندما لا تجد عملاً.
الفصل الرابع: بلاك روك - الشركة التي تحب معاشاتك التقاعدية أكثر منك
من الاستشارات التقنية إلى الهيمنة السياسية: رحلة "صندوق المال" المقدس
منذ عام 2018، دخلت مؤسسات مالية كبرى - وعلى رأسها شركة بلاك روك، عملاق إدارة الأصول الذي يدير أصولاً تفوق اقتصاد معظم الدول - في صياغة السياسات الأوروبية، خصوصاً في ملف التقاعد. قدمت هذه المؤسسات "تقارير تقنية" (وهي ليست تقنية بقدر ما هي سياسية) توصي بـ:
· رفع سن التقاعد: لأن الجدات في أوروبا يعشن طويلاً جداً، وهذا غير مقبول اقتصادياً · تقليص أنظمة التقاعد العامة: لأن التقاعد الحكومي "مكلف" و"غير فعال"، بينما التقاعد الخاص (الذي تديره شركات مثل بلاك روك) هو "الأكثر كفاءة" · تحويل التقاعد إلى سوق مالية: لأن معاشك التقاعدي يجب أن يخضع لتقلبات السوق - إذا ارتفعت الأسهم، تأكل لحمأً، وإذا انخفضت، تأكل خبزاً يابساً! · تقليل تكلفة كبار السن على الدولة: عبارة أنيقة تعني "دعوهم يموتون بأسرع وقت ممكن، أو على الأقل دعوهم يعملون حتى الموت"
هذه التوصيات، التي كُتبت في غرف مكيفة في نيويورك ولندن، تحولت إلى سياسات فعلية في دول أوروبية عديدة. وبهذا تكتمل الصورة: السلطة تنتقل من الدولة (التي يفترض أنها تمثل الشعب) إلى الرأسمال المالي (الذي يمثل نفسه فقط). وكأن السياسات الاجتماعية لم تعد أداة لرعاية المواطنين، بل أصبحت أداة لضبط الفئات الهشة وإجبارها على قبول أي شروط، مهما كانت مهينة.
معركة صناديق التقاعد الهولندية: عندما يرفض "المال" أن يطيع "المال"
في تطور ساخر (ومفرح قليلاً)، سحبت صناديق تقاعد هولندية كبرى، مثل PFZW وPME، مليارات اليورو من استثماراتها لدى بلاك روك، معربة عن مخاوفها بشأن نهج الشركة في التعامل مع مخاطر المناخ والاستدامة. وهنا نكتشف أن الصراع ليس بين الفقراء والأغنياء، بل بين الأغنياء أنفسهم حول كيفية إدارة الأموال. وكأن الأغنياء يتشاجرون على الكعكة، بينما الفقراء يتفرجون ويأكلون الفتات.
لكن وراء هذه الخطوة، هناك وعي متزايد بصراع المصالح بين أهداف صناديق التقاعد (كجهات تحمي مدخرات العمال) وبين مصالح شركات إدارة الأصول العالمية (التي تدفع نحو خصخصة أنظمة التقاعد). فبينما تحاول صناديق التقاعد حماية أموال العمال من تقلبات السوق، تسعى بلاك روك إلى تعريض هذه الأموال لمزيد من التقلبات (لأن التقلبات تعني أرباحاً أكبر للشركة، حتى لو خسر العمال كل شيء).
وهكذا، نجد أن "حماية" التقاعد تتحول إلى لعبة شد الحبل بين شركات عملاقة، بينما العمال العاديون يتساءلون: "هل سيكون لدي ما آكله عندما أتقاعد؟" والإجابة المختصرة من المفوضية وبلاك روك: "ربما، إذا كنت محظوظاً في البورصة!"
الفصل الخامس: المنظمات الصهيونية - الكومبارس الصامت الذي يصفق في الخلف
عندما يتعاون لوبي السلاح مع لوبي المال لصنع الإبادة الجماعية
في هذه المسرحية الساخرة، لا يمكننا أن ننسى دور المنظمات الصهيونية الداعمة للإبادة الجماعية. هؤلاء هم الكومبارس الصامتون الذين يجلسون في الصفوف الخلفية، يصفقون بصمت، بينما تدور أحداث المسرحية الرئيسية على خشبة المسرح. دورهم بسيط: التأكد من استمرار تدفق الأسلحة إلى إسرائيل، وتبرير الإبادة الجماعية في غزة باسم "حق الدفاع عن النفس"، وتوفير الغطاء السياسي للاحتكارات المالية التي تمول هذه الحرب.
المفارقة الساخرة: بينما تتحدث المفوضية الأوروبية عن "القيم الأوروبية" و"حقوق الإنسان"، تظل صامتة (أو متواطئة) عندما ترتكب إسرائيل مجازر جماعية بحق الفلسطينيين. وكأن "القيم الأوروبية" لها حدود جغرافية - فهي تنتهي عند حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة. أو ربما هي قيم قابلة للبيع والشراء، مثل أي شيء آخر في النظام النيوليبرالي.
والأكثر إثارة للدهشة: أن نفس الشركات التي تدير معاشاتك التقاعدية (مثل بلاك روك) تستثمر أيضاً في شركات الأسلحة التي تزود إسرائيل بأدوات القتل الجماعي. فمعاشك التقاعدي يموّل حرباً ضد شعب أعزل، وأنت لا تعرف! هذه هي "الشفافية" النيوليبرالية في أبهى صورها - حيث تستثمر أموالك ضد قيمك، وتدفع ثمناً مزدوجاً: مرة عبر اقتطاع المعاش، ومرة عبر تمويل الإبادة التي ستجعلك تشعر بالخزي إن كنت تمتلك ضميراً.
الفصل السادس: بلجيكا نموذجاً - عندما يصبح كبار السن "مستعمرين داخليين"
القصة الحقيقية لجدك الذي أصبح "عبئاً" على الدولة
في بلجيكا، التي يفترض أنها واحدة من أغنى دول العالم، آلاف الأشخاص فوق 55 سنة فقدوا إعانات البطالة بعد الإصلاحات النيوليبرالية. والنتيجة؟ نسبة كبيرة منهم انتقلت إلى مراكز الخدمة الاجتماعية العامة (CPAS)، وهي شبكات الأمان الأخيرة التي تشبه شركات الطيران منخفضة التكلفة: تقدم الحد الأدنى من الخدمات، مع الكثير من الشروط والقيود، وإذا حاولت الاعتراض، فسيقولون لك: "هذا هو كل ما لدينا، خذه أو اتركه".
الأرقام البلجيكية تتحدث عن واقع مرير:
· انخفاض بنسبة 41% في عدد المستفيدين من إعانات البطالة بين الفئة العمرية 50-59 سنة · واحد من كل ثلاثة عاطلين فوق 55 سنة ظل بدون عمل لأكثر من عقد · ارتفاع التشرد بين كبار السن · إعانات لا تكفي للعيش الكريم (وإذا كنت تعتقد أن كلمة "كريم" مبالغ فيها، فتعال وعش على 1200 يورو شهرياً في بروكسل حيث الإيجار وحده يأكل 900 يورو)
هذه الفئة تُعامل كما تُعامل الأطراف في الاستعمار التقليدي: إقصاء من سوق العمل، إفقار هيكلي، ضبط عبر شبكات المساعدة، وتهميش سياسي واجتماعي. كبار السن في بلجيكا أصبحوا مثل سكان المستعمرات في العصور الاستعمارية: يعملون (إن وجدوا عملاً) بأجر زهيد، ويعيشون في ظروف سيئة، ولا يملكون صوتاً حقيقياً في صنع القرار. الفرق الوحيد أن المستعمرين القدامى كانوا صريحين في استعمارهم، بينما المستعمرون الجدد يرتدون بدلات أنيقة ويتحدثون عن "الكفاءة" و"الإصلاح".
الفصل السابع: الخطاب التضليلي - لماذا تتحدث الحكومات عن مكافحة الفقر بينما تنتجه؟
القناع اللغوي: عندما يصبح "مكافحة الفقر" شفرة لـ"تكثيف الفقر"
أحد أبرز جوانب هذه المسرحية الساخرة هو "الخطاب التضليلي". رغم أن السياسات النيوليبرالية تُنتج الفقر بكل وضوح (كما لو كانت تنتجه في مصنع)، تستمر الحكومات في الحديث عن "مكافحة الفقر" و"الحماية الاجتماعية" و"الاستثمار في رأس المال البشري". هذا الخطاب ليس موجهاً للشعوب (التي باتت تدرك حقيقته)، بل للأسواق والمؤسسات المالية. إنه مثل الأب الذي يضرب ابنه ثم يقول له: "أنا أضربك لمصلحتك، لكي تصبح رجلاً قوياً!"
الدراسات تشير إلى أن النهج الذي يربط مكافحة الفقر بتعزيز المهارات والقدرة التنافسية يتجاهل حقيقة أن الفقر في أوروبا يعكس إخفاقات هيكلية في توزيع الثروة، وليس مجرد نقص في المهارات الفردية. بمعنى آخر: يمكنك أن تكون الأكثر مهارة في العالم، ولكن إذا كان النظام الاقتصادي مصمماً لإفقارك، فستفقر حتماً. إنها مثل لعبة الورق التي يكون فيها التوزيع مزوراً منذ البداية، ثم يقول لك الموزع: "أنت خاسر لأنك لا تعرف كيف تلعب!"
والمفارقة الأكثر إيلاماً: تحليلات الدورة الأوروبية تُظهر أن النقاش حول "الاستثمار في رأس المال البشري" يُختزل في كثير من الأحيان إلى أداة لتعزيز القدرة التنافسية، بدلاً من كونه التزاماً حقيقياً بالحد من الفقر وعدم المساواة. وكأن الإنسان ليس غاية في حد ذاته، بل مجرد "رأس مال" يجب استثماره لتحقيق أرباح لأصحاب رؤوس الأموال.
الفصل الثامن: الاستعمار الداخلي كمنظومة متكاملة - عندما تتآمر كل القوى ضد المواطن الفقير
المستوى الاقتصادي: أن تصبح طرفاً داخلياً في مركز الرأسمال
في هذا المستوى، يتم تحويل الفئات الهشة إلى "أطراف داخل المركز". وكما كانت اليونان طرفاً داخلياً يعاني من سياسات تقشفية تعيد إنتاج التبعية، كذلك يصبح كبار السن والعاطلون والمهمشون أطرافاً داخل أغنى دول العالم. إنها مثل جزيرة فقر في بحر من الثروة - يمكنك رؤية الأغنياء من بعيد، لكن لا يمكنك الوصول إليهم أو مشاركتهم ثرواتهم.
المستوى السياسي: الدولة كجهاز تنفيذي لأوامر المفوضية
في هذا المستوى، تتحول الدولة الوطنية إلى مجرد جهاز لتنفيذ توصيات المفوضية الأوروبية. وكما أن آليات "الفصل الأوروبي" تفرض أجندة تنافسية على حساب التماسك الاجتماعي، تصبح الحكومات الوطنية مجرد وكلاء عقاريين للنيوليبرالية، يبيعون ممتلكات الدولة (الخدمات العامة، المعاشات، التأمين الصحي) للمستثمرين الخاصين، ويتقاضون عمولاتهم على شكل أصوات انتخابية (وهمية) و"استقرار مالي" (مزعوم).
المستوى المالي: صراع المصالح بين صناديق التقاعد وشركات إدارة الأصول
في هذا المستوى، نجد صراعاً مثيراً بين جهتين كلتاهما تمثلان المال: صناديق التقاعد (التي تحمي مدخرات العمال) وشركات إدارة الأصول العالمية (التي تدفع نحو الخصخصة). هذا الصراع يشبه صراع الذئاب على فريسة: كلا الطرفين يريد الفريسة (معاشات العمال)، لكن لكل طرف استراتيجيته الخاصة. وفي النهاية، العمال هم الخاسرون دائماً، سواء فازت صناديق التقاعد أو شركات إدارة الأصول.
المستوى الاجتماعي: الفقر كآلية ضبط
في هذا المستوى، يتم استخدام إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية كأدوات رقابية وليست كشبكات أمان حقيقية. فبدلاً من أن تكون المساعدات حقاً للمواطن، تصبح هبة مشروطة يجب أن يثبت استحقاقه لها عبر سلسلة من الاختبارات المهينة. وكأن الدولة تقول للفقير: "سنساعدك، ولكن بشرط أن تثبت أنك تستحق المساعدة، وأن تكون ممتناً، وأن لا تزعجنا". إنها لعبة "القطة والفأر" ولكن مع قطة ترتدي بدلة رسمية وتحمل وثائق رسمية.
الفصل التاسع: الخاتمة - كيف ننهي هذه المسرحية الساخرة؟
إعادة بناء الدولة الاجتماعية: حلم بعيد أم ضرورة ملحة؟
تُظهر هذه الورقة (الساخرة) أن الاستعمار الداخلي في أوروبا ليس ظاهرة عابرة، بل هو بنية سياسية-اقتصادية تُعيد إنتاج الفقر داخل المركز الرأسمالي نفسه. وأن الفئات الهشة - خصوصاً كبار السن - أصبحت ضحية مباشرة لهذا التحول. وأن مواجهة هذا الواقع تتطلب:
· إعادة بناء الدولة الاجتماعية: أي العودة إلى نموذج حيث تكون الدولة أماً حنونة وليس مربية صارمة. حيث تكون الخدمات العامة حقاً للجميع، وليس نعمة تمنح للمستحقين فقط. · كشف العلاقة بين المفوضية والاحتكارات المالية: أي فضح دور بلاك روك وشركائها في صياغة السياسات الأوروبية، وكشف كيف أن "التقارير التقنية" ليست سوى غطاء لمصالح مالية. · بناء قوة اجتماعية مضادة: أي تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية قادرة على فرض سياسات بديلة. وهذا يتطلب تنظيماً، وتوعية، وكسر جدار الخوف الذي يزرعه النظام في قلوب الفقراء.
النهاية السعيدة؟ لا، ليس بعد
في نهاية هذه المسرحية الساخرة، نجد أنفسنا في مفترق طرق: إما أن نستمر في الضحك (الباكي) على واقعنا، أو أن نبدأ في تغييره. الأدلة من مختلف الدول الأوروبية تشير إلى أن ظاهرة الفقر في العمل، واتساع فجوة عدم المساواة، وتدهور شروط المعيشة ليست حوادث عابرة، بل نتائج وظيفية لسياسات نيوليبرالية منظمة. وتحليل الفصل الأوروبي لعام 2026 يُظهر أن الاتجاه نحو إخضاع السياسات الاجتماعية لأجندة التنافسية يتعمق، مع إعطاء أولوية للإنفاق الدفاعي والاستثمار التكنولوجي على حساب الحماية الاجتماعية.
الخلاصة: إما أن نستيقظ من هذه الكابوس النيوليبرالي، وإما أن نستمر في حلمنا الجميل حيث الفقر "اختيار شخصي" وليس نتيجة سياسات متعمدة. ولكن تذكروا: في عالم النيوليبرالية، حتى الأحلام تخضع للضريبة!
مشهد ختامي: مونولوج الجد العاطل عن العمل
(يقف جد مسن على خشبة المسرح، يرتدي معطفاً بالياً، ويمسك بيده بطاقة هويته القديمة)
"أيها السادة، أنا هنا لأخبركم قصتي. كنت أعمل لمدة 30 عاماً، دفعت الضرائب، ربّيت أطفالاً، آمنت بأوروبا وبقيمها. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أحلم بالتقاعد، فوجئت بأن المفوضية وبلاك روك قررا أن عمري أصبح مشكلة ، وأن معاشي غير مستدام ، وأنه يجب أن أعمل حتى سن 67 (وربما 70 إذا استمرت الإصلاحات). والآن، بعد أن فقدت وظيفتي، أجد نفسي في مكتب CPAS، وأنا أحاول إقناع الموظف بأني فقير بما يكفي لأستحق المساعدة. يقولون لي إن عليّ تحسين مهاراتي، وتعلم البرمجة، والتكيف مع الاقتصاد الجديد. وأنا أسألهم: كيف أتعلم البرمجة وأنا لا أملك حتى كمبيوتر؟ كيف أتكيف مع الاقتصاد الجديد وأنا لا أملك المال لشراء الخبز؟ ولكن لا أحد يجيب. فالجميع مشغولون في اجتماعات المفوضية، يقررون كيفية تحديث سياسات التقاعد. وكأنني لم أعد إنساناً، بل مجرد رقم في جدول بيانات اكسل، سهل الحذف منه."
(يَتَهَاوَى الْجَدُّ عَلَى مَقْعَدِهِ، وَيَدْوِي صَدَى تَصْفِيقِ الْجُمْهُورِ وَمُنَادَاتِهِمْ لَهُ بِالْعَوْدَةِ، ثُمَّ تُسْدَلُ السِّتَارَةُ بِبُطْءٍ)
النهاية
---
ملاحظة: هذه المقالة ساخرة بالكامل، ولكن الأرقام والإحالات فيها حقيقية وموثقة. لأن السخرية وحدها لا تكفي لتغيير الواقع - بل تحتاج إلى معرفة بهذا الواقع أولاً، ثم إلى سخرية تجعله لا يطاق. وإذا لم نستطع تغييره بالسياسة، فلنغيره بالسخرية، أو لنموت ضاحكين، وهو أفضل من أن نموت باكين.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
-
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف
...
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
-
ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
-
مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
-
سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري
...
-
الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
-
الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور
...
-
الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
-
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
-
المال السياسي الخليجي، انهيار الهيمنة الأمريكية، وصعود الإرا
...
-
التوسع النقدي في قصائد -شيوعيات- للحب: دراسة في الترجمة والت
...
-
أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة
...
-
نحو تأسيس معرفي جديد للقصيدة العربية المعاصرة..(2-1) الجزء ا
...
-
الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى س
...
-
بين نيران التصعيد ورهانات الأجندات: غرب آسيا في مرايا العاصف
...
-
مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بال
...
المزيد.....
-
بيان قطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية
-
سجن برج العرب يواصل حرمان شادي من تلقي العلاج
-
عبد الرحيم علي يخيّر أنصاره بين الشهادة الزور والفصل
-
حين تتحول الماركسية إلى ثرثرة هيغلية وابتذال سياسي
-
التقدم والاشتراكية ينتقد تعثر الحكومة في ملف المحاماة ويستهج
...
-
لماذا أيّد اليسار المصري انقلاب يوليو 2013؟
-
هدوء مؤقت قبل العاصفة: آفاق النضالات العمالية والشعبية والاج
...
-
لبنان بين 14 نقطة و14 نقطة أخرى
-
تضامننا الأممي مع شعب فنزويلا
-
القضاء الأمريكي يدين 7 متظاهرين مؤيدين لفلسطين بتهمة إغلاق ج
...
المزيد.....
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|