احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 19:53
المحور:
الادب والفن
تمهيد: في مدارات السرد المقارن
حين يكتب كاتب عن الفقر في قلب أوروبا، وعن تحويل المواطنين إلى فائض عن الحاجة، فإنه لا يكتب في فراغ أدبي. بل يكتب في سياق من النصوص التي سبقته، والتي تناولت الاستعمار بوجهيه: الخارجي والداخلي. لكن ما يميز "قوس قزح بروكسل الرمادي" هو أنها تنقل عدسة الاستعمار من المستعمرات إلى المركز، من الكونغو إلى بروكسل، من "الآخر" البعيد إلى "الذات" القريبة.
في هذه الدراسة المقارنة، سنحلل كيف تتفاعل روايتنا مع الأدب البلجيكي والكونغولي والعالمي الذي تناول موضوع الاستعمار، وكيف تبتكر رؤيتها الخاصة، وكيف تساهم في إغناء هذا الحقل الأدبي الحيوي.
………..
المحور الأول: الاستعمار الداخلي في الأدب البلجيكي المعاصر
أ. من "القرية" إلى "المستعمرة": جدلية المكان في الأدب البلجيكي
في دراسة فنية بعنوان "السرد الوطني البلجيكي وخلفيته"، يطرح الباحثان بولين فونسني وجولي جاروشيفسكي إشكالية جوهرية: كيف يمكن لبلد مثل بلجيكا، الذي كان مركزًا لاستعمار وحشي في الكونغو، أن يتحول إلى ساحة لاستعمار جديد، ولكن هذه المرة من الداخل؟ يعبران عن ذلك بقولهما:
"نحن نعيش في عالم تُفترض فيه الدولة القومية لجميع المجتمعات، حيث تُطرح الرأسمالية الاستخراجية كبديل قابل للحياة الوحيد، وحيث يستمر الاستعمار الماضي في الحاضر في شكل ديون غير قابلة للسداد واحتلالات عسكرية مقنعة بزي الإنسانية الخيّرة" .
هذه النظرة النقدية تشكل الخلفية الفكرية لرواية "قوس قزح بروكسل الرمادي". فجاك دوبوا ليس مستعمرًا في الكونغو، بل هو مواطن بلجيكي يعيش في قلب العاصمة، ومع ذلك يُعامل كما يُعامل "الآخر" في الخطاب الاستعماري. الفقراء في الرواية يصبحون "مستعمرين داخليين"، يسكنون أطراف المدينة، ويعيشون في غرف صغيرة، ويُقصون من سوق العمل، ويُخضعون لآليات ضبط اجتماعي تشبه تلك التي استُخدمت في المستعمرات.
في مشهد من الرواية، يقارن جاك نفسه بالكلب الضال في الشارع، قائلاً: "نحن متماثلان، أيها الصديق. كلانا تركته الدولة تائهًا في هذا العالم." هذه المقارنة ليست عابرة، بل هي إعادة إنتاج لخطاب استعماري قديم، حيث يُشبه المستعمرون السكان الأصليين بالحيوانات، ولكن هذه المرة، الساخر هو الضحية نفسه، وهو ما يضفي على النص بعدًا نقديًا ساخرًا.
ب. مسرح القرية والمستعمرة: فونسني وجاروشيفسكي ورواية جاك
يشير فونسني وجاروشيفسكي إلى مشروعين فنيين يعملان عليهما: مسرحية "انقراض القرى" وفيلم "مستعمرة 7". يقولان:
"نحن نتعمق في التاريخ البلجيكي، ونكشف عن روايات منسية لأجساد مهمشة وأقليات. على الرغم من أن الفضاءين اللذين نعمل فيهما متميزان (المسرح والسينما، والونيا وفلاندرز)، إلا أن لديهما الكثير من القواسم المشتركة من حيث الذاكرة المدفونة لأولئك الذين طردهم التاريخ" .
هذا الاهتمام بالذاكرة المدفونة، وبالأجساد المهمشة، وبالتاريخ من الأسفل، هو ما تقوم به رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" أيضًا. ولكن الفرق أن فونسني وجاروشيفسكي ينظران إلى الماضي، إلى تاريخ الاستعمار البلجيكي في الكونغو، بينما تنظر الرواية إلى الحاضر، إلى الاستعمار الداخلي الجديد الذي يُمارس على المواطنين البلجيكيين أنفسهم.
الرواية تخلق جسرًا بين هذين الزمنين: فالسياسات التي تُمارس ضد كبار السن اليوم هي نفس الآليات التي استُخدمت في المستعمرات: الإفقار، الإقصاء، التجريد من الكرامة. الفرق أن الخطاب تغير: لم يعد خطابًا عنصرِيًا صريحًا، بل خطابًا اقتصاديًا محايدًا عن "الانضباط المالي" و"الاستدامة" و"القدرة التنافسية".
---
المحور الثاني: الأدب البلجيكي-الكونغولي ومقاربة "الدين الاستعماري"
أ. رواية "الدين الاستعماري" لماغوي كابامبا: مقاربة مغايرة
تقدم رواية ماغوي كابامبا "الدين الاستعماري" (La dette coloniale، 1995) نموذجًا مثيرًا للاهتمام في مقاربة موضوع الاستعمار من منظور المهاجرين الكونغوليين في بلجيكا. في الرواية، يبرر المهاجرون سلوكياتهم غير القانونية (تزوير الشيكات، تهريب المخدرات، سرقة الملابس) باعتبارها "سدادًا للدين الاستعماري". كما يوضح أحد النقاد:
"تُصوّر هذه الفلسفة أي حيازة للمال والسلع، قانونية كانت أم غير قانونية، كسداد شرعي للدين الاستعماري. فالميغليستيون (المهاجرون) يبررون سلوكهم في بلجيكا بإقامة تشابه بين أنفسهم والمستعمر البلجيكي: لقد استعمروانا طوال ثمانين سنة كاملة، ولم يتردد ليوبولد الثاني في تحويل الكونغو إلى ممتلكاته الخاصة لعقود " .
في "قوس قزح بروكسل الرمادي"، هناك تشابه مثير للاهتمام: جاك، ضحية السياسات النيوليبرالية، يبدأ في رؤية نفسه كضحية لنظام استعماري جديد. لكن الفرق أن جاك لا يبرر أي سلوك غير قانوني، بل يختار المقاومة من خلال الكلمة: كتابة الرسائل، المشاركة في التحقيقات الصحفية، الانضمام إلى حركة احتجاجية. بينما شخصيات كابامبا تستخدم خطاب "الدين الاستعماري" لتبرير أفعالها، يستخدم جاك خطابًا مختلفًا: خطاب الكرامة والمقاومة السلمية.
ب. السخرية في أدب إينوغو بوفان ومقارنتها بسخرية الرواية
يتناول أدب الكاتب الكونغولي-البلجيكي إينوغو بوفان موضوع الاستعمار من زاوية ساخرة. كما يشير أحد النقاد:
"على الرغم من أن الفكاهة والسخرية تتخللان روايات بوفان، إلا أنها لا تجعلنا نضحك دائمًا، بل تولد إحساسًا بعدم الارتياح. نضحك ضحكة مريرة، كما لو كنا محرجين. السرد، الذي يُقدّم بنبرة مسلية، يتخلله باستمرار مشاهد عنف تنقل نقدًا لاذعًا للواقع الكونغولي أو، على نطاق أوسع، الأفريقي" .
هذه السخرية المريرة، التي تجمع بين الفكاهة والنقد الاجتماعي اللاذع، هي السمة الأبرز في "قوس قزح بروكسل الرمادي". الرواية تستخدم السخرية كأداة نقدية: السخرية من خطابات المفوضية الأوروبية، من توصيات الفصل الأوروبي، من اجتماعات المسؤولين الذين يتحدثون عن "مكافحة الفقر" بينما ينتجونه.
لكن هناك فرق جوهري: بينما يسخر بوفان من الواقع الأفريقي والكونغولي من موقع المهاجر الذي ينظر إلى وطنه من الخارج، تسخر الرواية من الواقع الأوروبي من موقع الداخل. جاك ليس مهاجرًا، بل هو مواطن بلجيكي "أصلي"، عاش وعمل في هذا البلد طوال حياته. سخرية الرواية هي سخرية الذات، سخرية من الداخل، وهي أكثر إيلامًا لأنها تعني أن النظام لا يستهدف "الآخر" فقط، بل يستهدف "أبناءه" أيضًا.
---
المحور الثالث: النقاش حول الاستعمار الداخلي في السياق البلجيكي المعاصر
أ. إعادة قراءة التاريخ الاستعماري في الأدب البلجيكي الحالي
تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن الأدب البلجيكي المعاصر يشهد موجة من إعادة قراءة التاريخ الاستعماري، ومحاولة إدماج هذا الماضي في السرد الوطني. كما يوضح أحد الباحثين:
"تستكشف رواية في بطن الكونغو لبليز ندالا بالتفصيل الحاضر الماضي للكونغو الاستعماري بالنسبة للبلجيكيين والكونغوليين المعاصرين. تؤسس الرواية حوارًا بين طبقات زمنية مختلفة من التاريخ البلجيكي-الكونغولي، من تأسيس دولة الكونغو الحرة إلى بداية القرن الحادي والعشرين" .
هذه المحاولة لإعادة قراءة التاريخ، وكشف الروايات المنسية، هي ما تقوم به رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" أيضًا، ولكن على مستوى مختلف. الرواية لا تعيد قراءة الماضي الاستعماري، بل تعيد قراءة الحاضر، وتكشف عن "الاستعمار الداخلي" الذي يحدث الآن، تحت أنوفنا.
في الرواية، يكتشف جاك حقيقة ما يحدث من خلال فيلم وثائقي للصحفي جان بيير مارسيل. هذا الفيلم، في سياق الرواية، يقوم بنفس وظيفة الروايات التاريخية التي تعيد قراءة الماضي: يكشف الخيوط الخفية، ويظهر العلاقة بين السياسات والألم البشري. لكن الفرق أن الفيلم لا يتحدث عن الماضي، بل عن الحاضر، مما يجعله أكثر إلحاحًا وأكثر إيلامًا.
ب. فضيحة "الأطفال المختلطين" والاستعمار الداخلي
يشير الباحثون إلى قضية "الأطفال المختلطين" في الكونغو البلجيكي، حيث تم انتزاع آلاف الأطفال من أمهاتهم الأفريقيات وإرسالهم إلى دور الأيتام الدينية. كما يوضح أحد المصادر:
"بين عامي 1945 و1960، كان من المقبول قانونيًا في الكونغو البلجيكي ورواندا-أوروندي إزالة الأطفال المختلطين عرقيًا قسرًا من عائلاتهم وإرسالهم إلى دور الأيتام الدينية. في عام 2021، رفعت خمس نساء تعرضن لهذه المعاملة دعوى قضائية ضد الدولة البلجيكية لارتكابها جريمة ضد الإنسانية" .
هذه القضية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان تحت غطاء "الحماية" و"الرعاية"، تجد صدى لها في رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي". فسياسات التقاعد وإعانات البطالة في الرواية تُقدّم تحت غطاء "الحماية" و"الاستدامة" و"الانضباط المالي"، لكنها في الواقع تؤدي إلى إفقار وتهميش فئات بأكملها.
العلاقة بين القضيتين تكمن في آلية الضبط الاجتماعي: في كلتا الحالتين، يُستخدم الخطاب الإنساني لتبرير سياسات القمع والإقصاء. في حالة الأطفال المختلطين، كان الخطاب عن "الحماية" و"الرعاية". في حالة كبار السن في الرواية، كان الخطاب عن "الاستدامة" و"الانضباط". الوجه واحد، لكن القناع يتغير.
---
المحور الرابع: الاستعمار الداخلي في الأدب العالمي
أ. الأدب الجزائري ونموذج "الجوع" كآلية استعمارية
تقدم الدراسات عن الأدب الجزائري في فترة الاستعمار نموذجًا مثيرًا للاهتمام لفهم آليات الإفقار كأداة استعمارية. كما يوضح أحد الباحثين، مستندًا إلى نظرية بيير بورديو:
"يقوم المستعمر، من خلال نظرية البيوباور التي سجلها فوكو، بتنفيذ شكل من أشكال السيطرة الاقتصادية القائمة على الرفاهية. وهذا هو الحال في هذه الروايات حيث يقدم المستعمرون توزيع القمح ، بهدف مفترض تكملة النظام الغذائي للمستعمرين. يخلق المستعمر انطباعًا بأنه يساعد المستعمرين من خلال إصدار حصص غذائية على شكل قسائم طعام. لكن هذه المساعدة... هي في الواقع أداة للسيطرة" .
هذه الآلية، التي تقدم المساعدة كأداة للسيطرة بدلاً من أن تكون أداة للتمكين، هي جوهر ما يحدث في رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي". نظام CPAS (مراكز الخدمة الاجتماعية العامة) في الرواية يُقدّم المساعدة، ولكن بشروط تعجيزية تفرضها المفوضية الأوروبية وحكومتها النيوليبرالية ، وإجراءات مرهقة ، ومراقبة مستمرة. الهدف ليس دعم الفقراء، بل "ضبطهم"، وإبقائهم تحت السيطرة بتهديد الحكومة بدفع المساعدة ام لا اي حتى الموظفين يريدون إخضاعهم لقسوة الاحتكارات المالية عبر الضغوط المعيارية على مراكز المساعدة والتهديد بالتوقف عن الدفع رغم أنه الحد الأدنى اللازم للبقاء الفيزيو لوحي .
في الرواية، عندما يذهب جاك إلى CPAS، يواجه بيروقراطية معقدة، وشروطًا مستحيلة، وموظفين مفروض عليهم أن يكونوا غير مبالين. هذا المشهد يعيد إنتاج نفس الآلية الاستعمارية التي وصفها بورديو: تقديم المساعدة كأداة للسيطرة، وليس كأداة للتحرر.
ب. الأدب المغربي-البلجيكي واستعادة الفضاء في المدينة
تقدم دراسات الأدب المغربي-البلجيكي نموذجًا آخر لفهم كيفية استعادة المهمشين للفضاء في المدينة. كما يوضح أحد الباحثين، في تحليل لرواية "ليل افتراضي" لعبد القادر السرغيني:
"يعبر ألويس، بطل الرواية، عن رغبته في استعادة الفضاء الحضري عندما يواجه خطابًا عنصريًا. يرد على الخطاب السياسي الذي يصوّر كل الأجانب ككتلة واحدة، متخيلًا نفسه مجسدًا الهويات العرقية المتنوعة التي تُلوم كوحدة جماعية على مشاكل الأمة. ثم يكشف عن هشاشة الفهم الاستبعادي للهوية الوطنية" .
هذا الفعل من استعادة الفضاء، وإعادة تسمية المعالم، وتحدي الخطاب السائد، هو ما تقوم به رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" أيضًا، ولكن بطريقة مختلفة. جاك لا يعيد تسمية المعالم، بل يعيد تسمية التجربة. هو يحوّل معاناته الفردية إلى قصة جماعية، ويحوّل غرفته الصغيرة في بروكسل إلى رمز لمأساة كبار السن في أوروبا.
في الرواية، يكتب جاك رسالته الشهيرة، التي تنتشر وتصبح صوتًا للكثيرين مثله. هذا الفعل الكتابي هو شكل من أشكال استعادة الفضاء: فضاء السرد، فضاء القصة، فضاء المقاومة. وهو ما يذكّرنا بقول الشاعر: "إذا لم نستطع تغيير الواقع، فلنغيّر كيف نرويه."
---
المحور الخامس: النيوليبرالية كاستعمار داخلي - تحليل مقارن
أ. الاستعمار الاقتصادي في الأدب الكونغولي المهاجر
يقدم أدب المهاجرين الكونغوليين نموذجًا لفهم الاستعمار الاقتصادي في العصر النيوليبرالي. كما يوضح أحد الباحثين، في تحليل لرواية "أزرق أبيض أحمر" لألان مابانكو:
"يصور مابانكو ثقافة عدم الرضا، حيث تتجه كل الأنظار نحو الخارج بحثًا عن الإشباع. هذا الشوق، الذي يتم تأسيسه في الرواية من خلال الانخراط في النظام الاقتصادي الرأسمالي النيوليبرالي، يشير إلى أن حالة التوازن المفترضة هي ما قبل الاستعمار وما قبل النيوليبرالية" .
هذه الثقافة من عدم الرضا، والتوجه نحو الخارج بحثًا عن الخلاص، هي ما تعكسه رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" أيضًا، ولكن من منظور مغاير. في الرواية، لا يتجه جاك نحو الخارج، بل يكتشف أن الخلاص لا يوجد في أي مكان. السياسات النيوليبرالية جعلت حتى "المركز" الاحتكاري الإمبريالي غير آمن، وجعلت المواطنين يشعرون بأنهم غرباء في وطنهم.
الفرق أن شخصيات مابانكو تبحث عن الخلاص في الهجرة إلى أوروبا، بينما يكتشف جاك أن أوروبا نفسها أصبحت ساحة استعمار. السخرية المريرة هنا أن الحلم الأوروبي، الذي يطمح إليه المهاجرون، يتحول إلى كابوس لأولئك الذين ولدوا فيه.
ب. إعادة تعريف الاستعمار في العصر النيوليبرالي
ما تقدمه رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" هو إعادة تعريف للاستعمار في العصر النيوليبرالي. فالاستعمار لم يعد مجرد سيطرة عسكرية وسياسية على أراضٍ بعيدة، بل أصبح سيطرة اقتصادية وبيروقراطية على الفئات الهشة داخل المركز نفسه.
في الرواية، تظهر هذه الآلية من خلال ثلاثة مستويات متشابكة:
1. المستوى المؤسسي: المفوضية الأوروبية تفرض سياسات تقشفية تحت غطاء "الانضباط المالي".
2. المستوى المالي: شركات الاستثمار الكبرى مثل BlackRock تؤثر على صياغة هذه السياسات لخدمة مصالحها.
3. المستوى الاجتماعي: الفئات الهشة تتحول إلى "فائض عن الحاجة"، وتُدار عبر آليات ضبط اجتماعي (CPAS حيث يعيش موظفي هذه المراكز تحت احكام قاسية تفرضها الحكومة النيوليبرالية ، البيروقراطية، المراقبة).
هذا التحليل الثلاثي المستويات، الذي تقدّمه الرواية، يتوافق مع التحليلات الأكاديمية للاستعمار الداخلي في الأدب البلجيكي المعاصر. كما يشير فونسني وجاروشيفسكي:
"تساهم العولمة التي ولّدتها الرأسمالية الاستعمارية في تفاقم انعدام الأمن وفقدان المكاسب الاجتماعية. وتساهم في محو الذكريات والثقافات والتواريخ واللغات، وتولّد تفريغًا ثقافيًا يخفي محنته في صرخة بحث استبعادي عن هوية وطنية" .
هذا التفريغ الثقافي، وهذا البحث الاستبعادي عن الهوية، هو ما تعكسه الرواية في شخصية جاك، الذي يكتشف أنه لم يعد يعرف من هو، أو ما هو مكانه في المجتمع. هو ليس "بلجيكيًا" بالمعنى الذي كان عليه، وليس "كونغوليًا" أو "مهاجرًا"، بل هو كائن هجين، عالق بين ما كان وما أصبح.
……
الخلاصة: نحو أدب مقاومة جديد
في نهاية هذه الدراسة المقارنة، يمكننا القول إن رواية "قوس قزح بروكسل الرمادي" تحتل موقعًا فريدًا في المشهد الأدبي البلجيكي والعالمي حول الاستعمار الداخلي. إنها تقدم رؤية جديدة، تجمع بين:
1. النقد الاجتماعي الحاد: من خلال كشف آليات الإفقار النيوليبرالي.
2. السخرية المريرة: كأداة للمقاومة والنقد.
3. الإنسانية العميقة: من خلال التركيز على حياة شخصية واحدة، جاك، كمرآة لمأساة جماعية.
4. التشابك التاريخي: ربط الاستعمار الخارجي في الماضي بالاستعمار الداخلي في الحاضر.
الرواية تختلف عن الأدب البلجيكي-الكونغولي الذي يركز على الهجرة والهوية، وعن الأدب الجزائري الذي يركز على الجوع كآلية استعمارية، وعن الأدب المغربي-البلجيكي الذي يركز على استعادة الفضاء. إنها تقدم فضاءً جديدًا: فضاء الاستعمار الداخلي في قلب أوروبا، حيث المواطنون أنفسهم يصبحون مستعمرين.
في النهاية، تبقى الرواية دعوة للأمل، كما يوحي عنوانها: "قوس قزح بروكسل الرمادي". قوس قزح في سماء رمادية هو رمز للمقاومة، للجمال الذي يولد من الألم، للحياة التي تستمر رغم كل شيء. وهو ما يجعلها إضافة مهمة لأدب المقاومة، الذي لا يكتفي بالتشخيص، بل يقدم أيضًا رؤية للمستقبل.
…….
المراجع
1. Fonsny, P., & Jaroszewski, J. (2024). "The Belgian national narrative and its backstage: Study of the historical and iconological modes of representation of the hunted of Belgium." FRArt Database.
2. "Colonial debt in Congolese literature." Journal of African Cultural Studies.
3. "Satire and irony in the novels of In Koli Jean Bofane." Tydskrif vir Letterkunde, 58(2), 2021.
4. "Colonialism and poverty in Algerian literature." Algerian Journal of Literature, 2(1), 2020.
5. Roemer, D. (2023). "Postcolonial Flânerie in Bruxellois Literature." Ghent University.
6. Mabanckou, A. (1998). Bleu blanc rouge. Paris: Présence Africaine. [cited in citation:6]
7. Ndala, B. (2021). Dans le Ventre du Congo. Paris: Seuil. [cited in citation:7
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟