|
|
مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة الذنب وإبادة الشعب الفلسطيني
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 18:24
المحور:
الادب والفن
قائمة الشخصيات
· الدكتورة غريتا شولتس (55 عامًا): وزيرة الثقافة الألمانية، أرملة، تعيش في فيلا فخمة بضواحي برلين، تحمل إرثًا عائليًا مريبًا من أربعينيات القرن الماضي. تجيد الحديث عن "ثقافة التذكار" بطلاقة، وتتميز بقدرة فائقة على الفصل بين الأقوال والأفعال. · هانز شولتس (30 عامًا): ابن غريتا، ناشط يساري يعاني من أزمة هوية، يريد "تطهير" اسم العائلة من عار النازية، ويتضامن مع فلسطين... لكنه لا يستطيع التخلي عن ميراث جدّه. · أودي راز (45 عامًا): مؤرخ يهودي-ألماني، طُرد من متحف يهودي برلين لتطبيقه معايير مزدوجة، يحاول أن يكون صوت العقل في المهزلة. · السيد فريدريش (70 عامًا): خادم عجوز في منزل شولتس، كان يعمل لدى جد غريتا، يحتفظ بأسرار الماضي، يجيد التحدث باللغة النازية القديمة في لحظات الغضب. · رامي (28 عامًا): لاجئ فلسطيني من غزة، يعمل في حديقة منزل شولتس، يشاهد العبث الألماني عن كثب، ويحاول فهم كيف يتحول الذنب إلى قنابل. · الملياردير الأمريكي (60 عامًا): ممثل لأوليغارشيا المالية، يزور ألمانيا للتفاوض على صفقة أسلحة، اسمه غير مهم لأنه مجرد رمز، ولكن يمكن تسميته السيد غرين (أو "الرجل الأخضر" الذي يشتري كل شيء). · القنصل الإسرائيلي (50 عامًا): دبلوماسي بارع في استغلال "عقدة الذنب"، يجيد الحديث عن "حق الدفاع عن النفس" وكأن الإبادة الجماعية لعبة شطرنج. · جوقة الضحايا (5 ممثلين): يظهرون في المشاهد الرمزية، يمثلون الفلسطينيين واليهود السابقين وضحايا الإبادات المنسية.
---
الفصل الأول
المشهد الأول
فيلا فخمة في ضواحي برلين، غرفة معيشة واسعة مليئة بالتحف الفنية. على الحائط لوحة زيتية كبيرة لامرأة مسنة بملامح أرستقراطية. على طاولة القهوة مجلد فاخر عنوانه "ثقافة التذكار الألمانية: إرث من المسؤولية".
الدكتورة غريتا شولتس تجلس على أريكة جلدية، ترتدي بدلة أنيقة، تتصفح هاتفها. يدخل هانز، متحمسًا، يحمل لافتة كتب عليها باللون الأحمر: "فلسطين حرة".
هانز: (يرفع اللافتة عاليًا) أمي! لقد قررت! سأشارك في التظاهرة القادمة أمام السفارة الإسرائيلية. سأرفع هذه اللافتة عاليًا. سأصرخ باسم العدالة. سأكون صوت الضمير الألماني الجديد!
غريتا: (تنظر إليه بنصف عين) هانز، يا عزيزي، هل أغلقت النافذة؟ الجيران قد يرونك.
هانز: (باستغراب) أمي! هذه ليست نكتة! نحن نتحدث عن إبادة جماعية! أطفال يُقتلون في غزة، وألمانيا تمول كل هذا باسم "عقدة الذنب" المزيفة!
غريتا: (تضع الهاتف جانبًا، تتنهد) هانز، هانز... كم مرة أخبرتك؟ "ثقافة التذكار" ليست مجرد شعارات تُرفع في التظاهرات. إنها مسؤولية مؤسسية. إنها أخلاق الدولة. إنها...
هانز: (يقاطعها) إنها خرافة! تستخدمونها لتبرير كل شيء! الهولوكوست حدث منذ 80 عامًا، وآباؤنا لم يكونوا كلهم نازيين، لكنكم تتصرفون وكأن كل ألماني يحمل سكينًا في جيبه ويريد أن يطعن يهوديًا! ثم تذهبون وتمولون إسرائيل التي تقتل الفلسطينيين، وكأن "الذنب الألماني" هو بطاقة خصم في متجر الأسلحة!
غريتا: (تهز رأسها باستعلاء) أنت لا تفهم، يا بني. إنها "ستاتسرازون". أمن إسرائيل هو جزء من الهوية الألمانية. واجب تاريخي. كيف يمكننا أن نرفض دعم دولة يهودية بعد ما فعلناه؟
هانز: (يسخر) يا للروعة! "واجب تاريخي"؟ أي واجب؟ هل كان أجدادنا يصوتون لصالح هتلر؟ نعم. هل كانوا يقطعون الأشجار ليعلقوا عليها اليهود؟ ربما ليس كلهم. ولكن الآن، أنتم تشترون القنابل التي تقتل الأطفال العرب، وتسمون ذلك "واجبًا"؟ إنه مثل قاتل يسرق سيارة، ثم يشتري سيارة أخرى لصديقه القاتل، ويقول: "أنا أتكفّر عن ذنبي!"
غريتا: (تنهض بغضب) هانز، كفى! أنت لا تعرف شيئًا عن التاريخ. هل تعلم كم عانى جدّك؟ هل تعلم أن جدّك...
يصمت هانز فجأة. يظهر السيد فريدريش من باب جانبي، يحمل صينية عليها قهوة وكعك، يتوقف عند كلمة "جدك".
فريدريش: (بهدوء، بعيون زائغة) عذرًا، سيدتي... السيد هانز... هل تريدون القهوة الآن؟
ينظر هانز إلى فريدريش بارتياب. هناك صمت ثقيل.
هانز: (لفريدريش) فريدريش، لقد كنت تعمل مع جدّي منذ الخمسينيات. ماذا تعرف عنه؟ هل كان نازيًا حقًا؟
فريدريش: (يضع الصينية على الطاولة، يبتسم ابتسامة غامضة) أوه، السيد هانز... الماضي... الماضي مليء بالغبار. من الصعب رؤية الحقيقة تحت الغبار.
غريتا: (بسرعة) فريدريش، هذا يكفي. اذهب إلى المطبخ.
يغادر فريدريش، لكنه يلقي نظرة على اللوحة على الحائط ويبتسم.
هانز: (ينظر إلى اللوحة) هذه الجدة؟ هل كانت نازية أيضًا؟
غريتا: (بغضب) هذه جدّتك الكبرى، آنا. وكانت... كانت امرأة مثقفة. أحبّت الفن. لا علاقة لها بالسياسة.
هانز: أحبّت الفن؟ هذا ما يقولونه كلهم. "جدي أحبّ الفن، لم يكن يعرف". لكن "فن" الجدة كان على الأرجح لوحات لهتلر الصغير في غرفة المعيشة!
غريتا: (تصفع الطاولة) كفى! هانز، أنت تتجاوز الحدود. ستذهب إلى غرفتك الآن، وسنكمل الحديث عندما تهدأ.
هانز: (يأخذ اللافتة ويخرج، يصرخ من الباب) سنرى من سيهدأ أولاً! سنرى ماذا سيحدث عندما يفهم العالم كله هذه المهزلة!
يغلق الباب بعنف. تبقى غريتا وحدها، تنظر إلى اللوحة، ثم إلى هاتفها الذي يرن. ترد على المكالمة.
غريتا: (بصوت مهني ناعم) نعم؟... السيد القنصل؟... أوه، مرحبًا!... بالطبع، بالطبع، سأكون سعيدة باستقبالكم غدًا... نعم، لقد أعددت كل شيء للاجتماع... شكرًا لك، ونحن أيضًا نؤمن بأن "أمن إسرائيل خط أحمر"... (تضحك) نعم، لا تقلق، هذه العائلة تعرف واجبها التاريخي جيدًا.
تغلق الهاتف. تنظر إلى اللوحة من جديد، وتقول بصوت هامس.
غريتا: آنا، يا جدتي العزيزة... ماذا لو كان هانز على حق؟ ماذا لو كانت كل هذه القصة مجرد خرافة؟
تظهر الإضاءة الخافتة. فجأة، تتمايل اللوحة على الحائط، ويخرج من خلفها شعاع ضوء. تظهر من خلف اللوحة شخصيات بملابس رمادية: جوقة الضحايا. يقفون صامتين، ينظرون إلى غريتا.
غريتا تجمدت. إنها رؤية؟ حلم؟ أم أن الضمير بدأ يتحرك أخيرًا؟
الجوقة: (بصوت واحد هامس، يشبه الريح) الذنب... الذنب لا يُشترى بالأسلحة... الذنب لا يُغسل بالدماء الجديدة... كل إبادة... تخلق إبادة جديدة...
يختفي الجوقة كما ظهروا. تعود اللوحة إلى وضعها الطبيعي. تغريتا تحدق في الفراغ، ثم تنهض بسرعة وتغادر الغرفة.
المشهد الثاني
نفس المكان، بعد يوم واحد. في الصالة، يجلس السيد غرين (الملياردير الأمريكي)، القنصل الإسرائيلي، وغريتا على طاولة مستديرة. على الطاولة وثائق ومخططات أسلحة وصور لأطفال فلسطينيين قتلى (كخلفية ساخرة: الصور مقلوبة أو موضوعة كمناديل للقهوة).
غرين: (بصوت مدوي) سيدتي الوزيرة، القنصل... دعونا نكون عمليين. ألمانيا هي الشريك التجاري الأكثر أهمية لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي. لدينا صفقة جديدة: 400 مليون يورو من الأسلحة المتطورة، مقابل... (يبتسم) أخلاقنا الجماعية.
غريتا: (تضحك بإحراج) "أخلاقنا الجماعية"؟ يا سيد غرين، إنها ليست مجرد أخلاق، إنها مسؤولية تاريخية... "ستاتسرازون".
القنصل الإسرائيلي: (يبتسم ببرود) الوزيرة شولتس محقة. ألمانيا وإسرائيل مرتبطان برباط أبدي. الذنب الألماني هو كفارة لا تنتهي، وهذا جيد لنا جميعًا.
غرين: (يمسح عرق جبينه بمنديل، يضحك) "ذنب"! كم أحب هذه الكلمة! في أمريكا، نحن لا نعرف هذا الشعور. نحن نشعر بـ"الفخر"، و"القوة"، ولكن الذنب؟ (يسخر) الذنب هو اختراع أوروبي لبيع الأسلحة!
غريتا: (بتوتر) هذا ليس اختراعًا، سيد غرين. إنها حقيقة تاريخية. نحن الألمان، نعيش تحت ثقل الماضي. آلاف السنين من الثقافة والجمال، ثم 12 عامًا من الجنون. كيف يمكننا التكفير؟
القنصل: (يؤكد) بالضبط. التكفير يكون بدعم الدولة اليهودية. هي البوصلة الأخلاقية.
يدخل هانز فجأة من الباب، يحمل لافتته وكتابًا سميكًا عنوانه "خرافة الذنب الألماني" (عنوان ساخر).
هانز: (يصيح) لا! لا! لا! هذا هراء! أمي، كيف تجلسين مع هؤلاء وتوقعين على صفقات أسلحة بينما غزة تُقصف؟! ألم تشاهدي الأخبار؟! ألم تسمعي صراخ الأطفال؟
غرين: (يضحك بصوت عالٍ) آها! الشاب الثائر! أحبه! في أمريكا، لدينا الكثير مثله. يحملون لافتات، يصرخون، ثم يذهبون إلى المتجر ويشترون هواتف مصنوعة في الصين بعمالة أطفال. (يصفق) النفاق عالمي!
القنصل: (لهانز) سيدي الشاب، أتفهم مشاعرك. لكن دعني أخبرك شيئًا. إسرائيل تحمي نفسها. نحن ندافع عن وجودنا. هل تريد أن تعيد التاريخ نفسه؟ هل تريد يهودًا بلا وطن؟ هذا ما فعله أجدادك!
هانز: (يقترب من القنصل بغضب) أجدادي فعلوا ذلك قبل 80 عامًا! وأنا هنا اليوم، في 2026، أقول لك: التكفير لا يكون بقتل شعب آخر! التكفير يكون بالاعتراف، بالتعويض، ببناء علاقات قائمة على العدالة، وليس على الهيمنة!
غريتا: (تنهض، تصرخ) هانز! اذهب إلى غرفتك! هذا اجتماع سياسي، لستَ جزءًا منه!
هانز: (يرفع كتاب "خرافة الذنب الألماني") أمي، هذا الكتاب يقول كل شيء. الذنب الألماني صنعته النخب الرأسمالية بعد الحرب لتبرير إعادة تسليح ألمانيا وربطها بالغرب. إنه خطاب هيمنة، وليس أخلاقًا!
غرين: (يصفق ثانية) يا لها من حلقة نقاش ممتعة! الوزيرة، هل يمكننا التوقيع على الصفقة الآن؟ لدي طائرة خاصة في انتظاري.
القنصل: (يبتسم) نعم، دعنا ننهي الأمر.
يوقعون على الوثائق. هانز يحدق فيهم بصدمة، ثم يلتفت إلى اللوحة على الحائط.
هانز: (بصوت مرتجف) يا جدتي آنا... ماذا ستفعلين لو كنتِ هنا؟ هل كنتِ ستوقعين أيضًا؟
فجأة، تتساقط اللوحة من الحائط، وتنكسر. خلفها، يظهر جدار مكتوب عليه بأحرف حمراء كبيرة: "ذكرى الأحياء أهم من ذكرى الموتى".
يصمت الجميع. غريتا تصرخ. غرين يضحك. القنصل يتصلب. هانز يحدق في الجدار.
الجوقة (تظهر من تحت الأرض مرة أخرى): الذنب يُباع... والضمير يُشترى... ولكن العدالة لا تُباع ولا تُشترى...
نهاية الفصل الأول.
---
الفصل الثاني
المشهد الأول
نفس المكان، بعد أسبوع. الفيلا أصبحت أشبه بساحة حرب: الأثاث مبعثر، اللوحات مخلوعة، الخدم يركضون. غريتا واقفة في وسط الفوضى، ترتدي رداءً رثًا، تشرب قهوة بكميات كبيرة. هانز يجلس على الأرض، يقلب كتابه. فريدريش يقف بجانب النافذة، ينظر إلى الخارج ببرود. رامي، اللاجئ الفلسطيني، يدخل حاملاً سلة خضروات من الحديقة.
غريتا: (ترفع فنجان القهوة) لا أحد يفهم! لا أحد! لقد بنيتُ حياتي على "ثقافة التذكار". حصلتُ على جوائز، كتبتُ كتبًا، ألقيتُ خطابات. والآن يأتي ابني ويخبرني أن كل هذا خرافة!
هانز: (بدون رفع عينيه عن الكتاب) أمي، ليس كل شيء خرافة. فقط الجزء الذي يُستخدم لتبرير الإبادة.
رامي: (يضع السلة، ينظر بعيون حزينة) سيدتي الوزيرة، أسمح لي أن أسأل: هل تعتقدين أن الفلسطينيين يهتمون بذنبكم الألماني؟ نحن في غزة نموت. القنابل لا تسأل عن الذنب التاريخي. هي تقتل.
غريتا: (تنظر إليه بدهشة) رامي... أنا... أنا أشعر بالأسف لما يحدث. لكن المسؤولية الألمانية هي تجاه إسرائيل. هذا هو الواجب التاريخي.
رامي: (بهدوء) أي واجب؟ واجب أخلاقي تجاه من؟ تجاه شعب قتل أجدادكم يهودًا، ثم جاء يقتلنا نحن العرب؟ هذا ليس واجبًا، هذه هروبية أخلاقية.
فريدريش: (يتدخل فجأة، بصوت ساخر) رامي، يا بني... هل تعرف لماذا يحدث كل هذا؟ لأن الألمان لا يستطيعون مواجهة حقيقتهم. كانوا قتلة، وما زالوا قتلة، فقط غيروا طريقة القتل. بالأمس بالغاز، واليوم بالمال والأسلحة.
غريتا: (تصرخ لفريدريش) أنت! أنت الخادم... كيف تجرؤ على الكلام بهذا الشكل؟!
فريدريش: (يقترب منها ببطء، بصوت حاد) سيدتي، لقد خدمتُ عائلتك منذ 50 عامًا. رأيتُ ما لا ترينه. جدّك، فيلهلم، كان عضوًا في الحزب النازي. كان يدير مصنعًا يستخدم عمالة السخرة من اليهود. بعد الحرب، غير اسمه، وغسل يديه، وأصبح رجل أعمال محترمًا. وكيف تم غسله؟ بالمال الأمريكي. بخطة مارشال. بصفقة الذنب.
هانز: (يقفز واقفًا) ماذا؟! جدّي كان نازيًا حقيقيًا؟!
غريتا: (شاحبة الوجه) هذا غير صحيح! جدّي كان رجل أعمال فقط... لم يكن...
فريدريش: (يأخذ من جيبه صورة قديمة) انظروا. هذه صورة لفيلهلم مع ضباط SS في عام 1943. كانوا يضحكون. كانوا يشربون الشمبانيا. كانوا يخططون لترحيل اليهود من بولندا.
يسود الصمت المطبق. غريتا تأخذ الصورة، ترتجف. هانز ينظر إليها بصدمة. رامي ينظر إلى الأرض.
هانز: (بصوت مبحوح) أمي... هذا يعني أن كل ما قلته كان صحيحًا؟ الذنب ليس مجرد شعور، إنه حقيقة مخبأة تحت السجاد؟
غريتا: (تبكي) لا أدري... لا أدري ماذا أفعل... لقد كرستُ حياتي لبناء صورة عائلية نظيفة، والآن ينهار كل شيء.
رامي: (يقترب منها برفق) سيدتي، ربما حان الوقت لمواجهة الحقيقة. الذنب الحقيقي ليس في دعم إسرائيل، بل في عدم مواجهة تاريخكم الصادم. الفلسطينيون ليسوا أداة لتطهير ضمائركم.
فريدريش: (يسلم الصورة إلى هانز) خذها يا فتى. حان الوقت لتكتب رواية جديدة لعائلتك. رواية لا تخفي الحقيقة.
تتراجع غريتا إلى الخلف، تنظر إلى الجميع. ثم تسقط على الكرسي، تنظر إلى الجدار حيث تظهر الجوقة خلفه من جديد.
الجوقة: (بصوت متناغم) الذنب يتحول... لكنه لا يختفي... كلما حاولتم دفنه... كلما نبت أكبر.
المشهد الثاني
نهاية المسرحية. الموقع نفسه، بعد أسبوعين. غريتا الآن ترتدي ملابس عادية، بدون مكياج، تشبه أي سيدة عجوز. هانز جالس بجوارها. رامي يجلس أيضًا. فريدريش يقف بجانب الباب. القنصل الإسرائيلي والسيد غرين غائبان.
غريتا: (بصوت ضعيف) لقد اتصلت بالقنصل. أخبرته أنني سأوقف الصفقة. قال إن هذا "خيانة تاريخية"، وإن ألمانيا ستندم.
هانز: (يضحك) "خيانة تاريخية"؟ التاريخ الحقيقي كان خيانة. خيانة اليهود، خيانة الفلسطينيين، خيانة كل الضحايا.
رامي: (بهدوء) ماذا ستفعلين الآن، سيدتي؟
غريتا: (تنظر إليه) سأذهب إلى النمسا. إلى ناميبيا. سأزور أماكن الإبادة التي ارتكبتها ألمانيا. سأتعلم. ربما هذا هو الطريق الوحيد للتكفير.
فريدريش: (يقترب) سيدتي، التكفير لا يكون بالزيارات السياحية. يكون بتغيير السياسات. بوقف تسليح إسرائيل. ببناء علاقات مع فلسطين. بمواجهة الأوليغارشية التي تسيطر على العالم.
غريتا: (تنهض ببطء) أنت على حق، فريدريش. لقد قضيتُ حياتي أخدم الخطاب الرسمي، وأخفي الحقيقة. لقد حان الوقت لفضح الخرافة.
تتجه إلى وسط المسرح، تتحدث إلى الجمهور مباشرة.
غريتا: (إلى الجمهور) أيها السيدات والسادة، نحن نعيش في عالم مليء بالخرافات. "عقدة الذنب الألمانية" هي إحداها. صُنعت لتبرير الهيمنة، وإعادة إنتاج الاستعمار، وبيع الأسلحة. لقد صدقناها لأنها كانت مريحة. كانت تبرر عدم مواجهة الحقيقة. لكن الحقيقة، كما يقولون، دائماً تخرج إلى النور. في غزة، في فلسطين، في كل مكان تُمارس فيه الإبادة باسم الذنب التاريخي. أقول لكم: الذنب الحقيقي هو في استمرار الجريمة، وليس في الاعتراف بها.
يصمت الجميع. تدخل الجوقة من كل مكان، تحيط بها، ترقص رقصة بطيئة، حزينة.
الجوقة: (تغني) تذكروا... تذكروا... كل إبادة تخلق إبادة جديدة... تذكروا... لكن الذكرى الحقيقية... هي في صنع السلام... وليس في صنع المزيد من الموت.
يسقط الستار ببطء.
النهاية.
---
ملحق: تحليل مسرحي للمسرحية في سياق الأدب المسرحي العالمي
1. التأثر بمسرح العبث والكوميديا السوداء الأوروبية
تستمد المسرحية روحها الساخرة من تقاليد مسرحية عريقة، أبرزها:
· توماس برنهارد (1931-1989): النمساوي الذي كتب "Voor het pensioen" (عشية التقاعد)، وهي كوميديا سوداء تدور في منزل عائلة تحتفي بعيد ميلاد هاينريش هيملر. يصور برنهارد "عجز ألمانيا ما بعد الحرب ونفاقها تجاه ماضيها النازي، وصمتها عن ذنبها الحربي" . مسرحيتنا تستلهم هذه الفكرة بتحويل الاحتفال من عيد ميلاد نازي إلى اجتماع لتوقيع صفقة أسلحة. · فريدريش دورينمات (1921-1990): في مسرحيته "الزيارة" (The Visit)، تقدم مليارديرة لقرية فقيرة ثروة مقابل قتل رجل خانها، ويكشف دورينمات كيف "تنهار الأخلاق تحت ضغط اليأس المالي، ويمزج العبثية والسخرية في نقد جماعي للذنب" . هذا هو جوهر مسرحيتنا: المجتمع الألماني يبيع أخلاقه مقابل التكفير عن ذنب وهمي. · مسرحية "The Zone of Interest": التي وُصفت بأنها "تصوير للذنب" حيث "لا يمكن جعل الذنب خارجيًا أو تأريخيًا: إنه شامل وخالد، جذوره تكمن في طموحات وثروات العائلة النووية" . نستلهم هذه الرؤية في تقديم عائلة شولتس كنموذج مصغر للذنب الجماعي المؤسسي.
2. نقد النفاق والهوية المزدوجة
تتخذ المسرحية من فكرة "الانفصام الألماني" محورًا دراميًا:
· تشير الأبحاث إلى أن معظم الألمان يدّعون أن عائلاتهم لم تدعم النازية، بينما 30% يعتقدون أن أجدادهم كانوا جزءًا من المقاومة، وهي أرقام غير ممكنة إحصائيًا . في المسرحية، يتجسد هذا في صورة جدّة العائلة التي كانت "تحب الفن" فقط، ثم ينكشف أنها كانت نازية فعلًا. · الشخصيات الألمانية في المسرحية تعكس ما وصفه الكاتب ماكس تشوليك بأنه "محاولة التوفيق بين الألمان وأنفسهم" من خلال ثقافة التذكار . هذه الثقافة، كما في المسرحية، تخلق فجوة بين المجال العام (الخطاب الرسمي عن الذنب) والمجال الخاص (الإنكار العائلي).
3. نقد "المسؤولية التاريخية" كأداة هيمنة
تسخر المسرحية من مفهوم "ستاتسرازون" (سبب الدولة) الألماني، وتظهر كيف يمكن استخدام الذنب التاريخي كأداة لقمع النقد. يتجلى هذا في:
· لحظة منع النقاد: في المسرحية، يتم قمع صوت هانز الناقد، تمامًا كما تُقمع الأصوات الناقدة في ألمانيا الحقيقية . هذا يعكس ما وصفته الكاتبة فاطمة أيديمير بأن فيلم "The Zone of Interest" أثار انقسامًا في ألمانيا لأنه "لم يترك مجالًا للتصالح" . · النقد الموجه للأوليغارشية الأمريكية: مستلهمًا من وصف بيرني ساندرز لأيباك بأنها "أوليغارشية من المليارديرات" ، يقدم المسرحية شخصية الملياردير الأمريكي الذي يسخر من الأخلاق الألمانية بينما يستغل "عقدة الذنب" لتحقيق أرباحه.
4. تقنيات الأداء المسرحي
· جوقة الضحايا: مستلهمة من مسرح بريخت الملحمي، حيث تقدم تعليقًا رمزيًا على الأحداث وتكسر الوهم المسرحي لتذكير الجمهور بالواقع خارج المسرح. · السخرية عبر المبالغة: تذكرنا بمسرحية "Judgment Day" لهورفاث، التي هي "جزء من حكاية أخلاقية، جزء من تعليق سياسي-اجتماعي، وجزء من إثارة نويرية" . في مسرحيتنا، المبالغة تكشف العبث الكامن في السياسات الرسمية. · نهاية مفتوحة: تجعل الجمهور يحكم بنفسه، مستلهمة من مسرحيات مثل "It s a Motherf**king Pleasure" التي تسخر من "تسويق سياسات الهوية واستغلال ذنب الآخرين" .
الخاتمة: مسرح الذنب الألماني بين الفكاهة والرعب
ما تقدمه هذه المسرحية ليس مجرد هجاء سياسي، بل محاولة لتفكيك "الأسطورة الألمانية" باستخدام أدوات مسرحية راقية. المأساة الخفية في هذا الكوميديا السوداء هي أن الشخصيات المضحكة في المسرحية هي نفسها التي تقتل في الواقع. الضحك على النفاق الألماني ليس ترفيهًا، بل مقاومة. فكما كتبت فاطمة أيديمير: "هناك شيء مزعج في الجلوس في مسرح ألماني والضحك على النازيين... يعتمد مدى الإزعاج على نوع الفكاهة التي تثير الضحك" .
المسرحية تستدعي هذا "الانزعاج الخصب"، وتضعه في خدمة فضح خرافة الذنب الذي لا ينتهي، والعلاقة الملتوية بين ألمانيا وإسرائيل وفلسطين، ودور الأوليغارشيا في كل هذه المهزلة. في النهاية، كما في كل مسرح عظيم، نترك الجمهور مع سؤال واحد: "هل سنستمر في الضحك على الفاجعة، أم سنبدأ أخيرًا في مواجهة الحقيقة؟"
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب
...
-
-بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث
...
-
الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت
...
-
مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
-
مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف
...
-
الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو
...
-
مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
-
-سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
-
الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا
...
-
مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف
...
-
تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ
...
-
أساليب -غَوبِلْز الجديدة- في الدعاية التحريضية خدمة لسلطة رأ
...
-
شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
-
دراسة مقارنة: -قوس قزح بروكسل الرمادي- في سياق الأدب البلجيك
...
-
تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأو
...
-
نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
-
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف
...
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
المزيد.....
-
مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين
...
-
العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى
...
-
تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
-
-في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط
...
-
ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ
...
-
بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ
...
-
بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا
...
-
من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي
...
-
الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة
...
-
اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا
...
المزيد.....
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|