أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقتصادية















المزيد.....

الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقتصادية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:06
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الملخص

يتناول هذا البحث تحليل البنية السياسية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي، محاولاً الإجابة عن السؤال المحوري: هل يمكن وصف الاتحاد الأوروبي بأنه "قوة رجعية"؟ ينطلق البحث من فرضية مفادها أن الاتحاد الأوروبي، كما تشير نصوص معاهداته التأسيسية وسياساته الاقتصادية، يمثل أداة لتعزيز مصالح الأقلية المالية الأوليغارشية على حساب الشعوب الأوروبية، مما يجعله قوة رجعية بامتياز. يستخدم البحث المنهج النقدي التحليلي، مستنداً إلى نصوص معاهدة ماستريخت (1992) وتحليلات السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، بالإضافة إلى قراءة شعرية في نقد النيوليبرالية من خلال قصيدة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم. تظهر النتائج تناقضاً جوهرياً بين الخطاب النيوليبرالي للاتحاد الأوروبي (القائم على الرفاهية والوحدة) وواقع سياساته (التقشف، تهميش البرلمانات الوطنية، هيمنة الأوليغارشية المالية، والتبعية للناتو). ويخلص البحث إلى أن الاتحاد الأوروبي، في شكله الحالي، يعمل كقوة رجعية تعيد إنتاج التفاوت الطبقي وتهدد السلم الاجتماعي، داعياً إلى يسار جذري قادر على تقديم بديل اشتراكي يضع مصالح الشعوب فوق مصالح رأس المال.

الكلمات المفتاحية: الاتحاد الأوروبي، رجعية، نيوليبرالية، أوليغارشية مالية، معاهدة ماستريخت، سيادة الشعب، نقد سياسي، أحمد فؤاد نجم.

………

المقدمة

تُطرح إشكالية "الاتحاد الأوروبي كقوة رجعية" في سياق النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة التي تعيد النظر في مشروع التكامل الأوروبي، والذي طالما قدّم كتجسيد للحداثة والتقدم والديمقراطية فوق الوطنية. غير أن التحولات العميقة في السياسات الاقتصادية الأوروبية، لاسيما منذ توقيع معاهدة ماستريخت عام 1992، فتحت الباب أمام قراءات نقدية ترى في هذا الكيان العملاق أداة لتعزيز مصالح النخب المالية والبيروقراطية، على حساب الإرادة الشعبية والعدالة الاجتماعية. يُحاول هذا البحث مقاربة هذه الإشكالية من خلال منظار نقدي يجمع بين التحليل السياسي الاقتصادي والرؤية الثقافية، مستعيناً بقصيدة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم التي عكست، برؤية ثاقبة، ازدواجية الخطاب النيوليبرالي ومآلاته على الفقراء والمهمشين.

يبدأ البحث باستقراء السياق النظري الذي يسمح بفهم "رجعية" الاتحاد الأوروبي، مروراً بالنقد الجذري لمعاهدة ماستريخت بوصفها وثيقة التأسيس للهيمنة النيوليبرالية، ثم تحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد في ضوء أزمة كورونا وصعود اليمين المتطرف، وصولاً إلى قراءة العلاقة بين الاتحاد وحلف الناتو وتداعياتها على السيادة الأوروبية، قبل أن يختم بطرح رؤية استشرافية ليسار جذري كبديل ممكن.



أولاً: الإطار النظري للمفهوم: من النيوليبرالية إلى الرجعية

لفهم وصف الاتحاد الأوروبي بـ"القوة الرجعية"، لا بد من تجاوز المفهوم السياسي التقليدي للرجعية (الذي يُقابل التقدم)، إلى تحليل بنيوي يستند إلى نظرية النقد الماركسي وما بعد الماركسي، خاصة في تناولها للنيوليبرالية كمرحلة متطورة من الرأسمالية. فإذا كانت الرجعية، في معناها السياسي، تعني العودة إلى الماضي أو مقاومة التغيير الاجتماعي، فإن رجعية الاتحاد الأوروبي تتجلى في إعادة إنتاج علاقات قوى إقطاعية جديدة، حيث تحل "الأقلية المالية" محل "الأرستقراطية" القديمة، وتمارس سلطة غير منتخبة على مقدرات الشعوب.

تُعرِّف الأبحاث اليسارية المعاصرة النيوليبرالية بأنها مشروع سياسي اقتصادي يهدف إلى إعادة توزيع الثروة لصالح الطبقات العليا عبر تفكيك الدولة الاجتماعية، وخصخصة الممتلكات العامة، وتحرير الأسواق المالية، وتقييد الديمقراطية بإخضاع القرار السياسي لمنطق السوق . هذا التعريف يتطابق بشكل كبير مع ما تطبقه المؤسسات الأوروبية منذ عقود. وتكمن "رجعية" هذا المشروع في كونه يعيد إنتاج هوة طبقية عميقة، ويُذيب المكاسب الاجتماعية التي تحققت عبر نضالات طويلة، ويُكرس أشكالاً جديدة من الاستبداد تتمثل في حكم البيروقراطية والبنوك، مما يُذكر بالأنظمة الإقطاعية التي كانت تحكم وفق إرادة النخب دون محاسبة.



ثانياً: شهادة الشعر: أحمد فؤاد نجم والنقد النيوليبرالي

يتجلى التماس بين التحليل السياسي النقدي والتعبير الفني في شعر أحمد فؤاد نجم، الذي استطاع بنباهة نادرة أن يرصد التناقض الصارخ بين الخطاب النيوليبرالي الشفاف وواقعه الطبقي. وقد عبّر عن ذلك في أبيات خالدة غناها الشيخ إمام:

"والفقرا حياكلوا بطاطا وحيمشوا بكل ألاطه وبدال مايسموا شلاطة حيسموا عيالهم جان ودا بفضل صديكي ديستان الرومانتيكي ولا حدش فيكو شريكي في المسكن والسكان"

هذه الأبيات، كما يوضح النقد الأدبي، ليست مجرد هجاء ساخر، بل هي تشريح لآلية الخداع النيوليبرالي . فـ"صديكي ديستان" لا يمثل هنا شخصاً بقدر ما يمثل رمزاً للسياسي الأوروبي النيوليبرالي الذي يبيع وهم الرفاهية بينما يخطط لسياسات تجعل الفقراء يعيشون على البطاطس ويمشون حفاة، وهو ما يرمز لفقدان الكرامة الإنسانية. يكشف نجم، بشعره، جوهر السياسات التي سمّاها البعض "الرومانتيكية"، أي تلك التي تُزيّن الواقع القاسي وتقدّم التقشف كفضيلة وليس كإعدام اجتماعي .

الربط بين شعر نجم وسياسات الاتحاد الأوروبي ليس اعتباطياً؛ فهو يُقدم أداة منهجية لفهم كيف يُترجم الخطاب السياسي الاقتصادي إلى واقع يومي ملموس، ويُظهر أن نقد الأوضاع الاجتماعية ليس حكراً على الأكاديميين، بل هو جزء من وعي شعبي جماعي، وهو ما يفسر انتشار قصائد نجم وارتباطها بالذاكرة الجمعية للنضال ضد الظلم .



ثالثاً: معاهدة ماستريخت (1992): إعلان موت الاشتراكية وولادة الحكم الأوليغارشي

يمكن اعتبار توقيع معاهدة ماستريخت في فبراير 1992 نقطة التحول الجوهرية التي حوّلت "السوق الأوروبية المشتركة" من مشروع تعاون اقتصادي بين دول ذات سيادة إلى "اتحاد أوروبي" ذي طابع فيدرالي نيوليبرالي . لكن اللافت، كما يشير النص المُقدّم، هو تصريح الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، الذي يُنسب إليه وضع الأسس الأولى للدستور الأوروبي، بأن "الاشتراكية الآن باتت ممنوعة". هذا التصريح، سواء كان حرفياً أو معبراً عن روح المرحلة، يُعلن بوضوح عن الهوية الأيديولوجية الجديدة للمشروع الأوروبي: أوروبا التي لا مكان فيها للبدائل الاشتراكية أو حتى الكينزية التدخلية.

معاهدة ماستريخت، من خلال وضع أسس الاتحاد النقدي (اليورو) وشروط التقارب المالي الصارمة، جردت الدول الأعضاء من أدواتها السيادية في إدارة سياساتها النقدية والمالية. وهذا ما يشرحه التحليل الماركسي للبناء الأوروبي: فالسياسات النيوليبرالية التي تبلورت في الثمانينيات وجدت في ماستريخت آلية قانونية لا رجعة فيها . وبهذا، لم تعد السلطة في أيدي البرلمانات الوطنية المنتخبة، بل انتقلت إلى مؤسسات غير منتخبة: المفوضية الأوروبية، البنك المركزي الأوروبي، ومجلس الوزراء الذي يسيطر عليه رؤساء الحكومات المتعاقدين على ذات المنطق النيوليبرالي، مما خلق ما يمكن وصفه بـ"الديمقراطية الببغائية" حيث تردد الأحزاب التقليدية ما تطرحه بيروقراطية بروكسل دون نقاش جاد.

هذا "إعدام الخيار الاشتراكي" يعني ضمنياً إعدام مصالح الأغلبية الشعبية، وهو ما يضع الاتحاد الأوروبي في مواجهة تناقض عضوي مع الديمقراطية ذاتها، إذ يصبح الخيار الوحيد الممكن هو الخيار المؤيد لسياسات السوق المطلقة، وأي خيار آخر يُعتبر خروجاً على النظام، تماماً كما يُعتبر الخروج على الإجماع النيوليبرالي في البرلمان الأوروبي بمثابة هرطقة سياسية.



رابعاً: التقشف الفاشي وسرقة حفاضات الأطفال

تُعد سياسات التقشف الأوروبية، التي تطبقها المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي كشرط لإنقاذ اقتصادات دول الجنوب (اليونان، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال)، التطبيق العملي لمشروع ماستريخت. هذه السياسات، التي توصف في النص المُقدّم بـ"الفاشية"، تقوم على تقليص الإنفاق العام في مجالات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، مما يؤدي مباشرة إلى تردي أوضاع الفئات الأضعف. يتجلى هذا في أمثلة صارخة، كتخفيض مخصصات الأطفال رغم غلاء المعيشة، وهو ما استعار له النص تعبير "سرقة حفاضات الأطفال" ليعكس مدى انحطاط الأولويات الأخلاقية لهذه السياسات.

إن سياسات التقشف لا تمثل مجرد إجراءات اقتصادية، بل هي خيار طبقي بامتياز، فهي تُحمّل الطبقات العاملة والفقيرة تكاليف أزمة رأسمالية لا ذنب لها فيها، بينما تحمي أرباح الأقلية المالية وثرواتها. هذا ما أكدته تحليلات اقتصادية متعددة، وأشارت إليه وقائع حكم إيمانويل ماكرون في فرنسا، التي وردت في النص: ففي فترة وجيزة من حكمه، ارتفعت ثروات الأقلية المالية الفرنسية بعشرات المليارات، بينما ازدادت البطالة وتراجعت الحقوق العمالية بفعل قوانين عمل جديدة تُحابي رأس المال. القائمة الحديثة لأثرياء العالم تظهر بوضوح هذه الفجوة المتسعة .



خامساً: أزمة كورونا: فص ملح وذاب أم اتحاد مؤقت للعصابات المالية؟

كشفت جائحة كورونا (كوفيد-19) عن الهشاشة الحقيقية للبناء الأوروبي. فبدلاً من التضامن، شهد العالم مشاهد تنافسية بين الدول الأوروبية على شراء الكمامات وأجهزة التنفس، وإغلاق الحدود بشكل منفرد. هذا المشهد، كما يصفه النص، جعل الاتحاد الأوروبي يبدو "فص ملح وذاب"، حيث "كل يغني على ليلاه"، مما يدحض خطاب الوحدة والمنفعة المشتركة.

هذه الأزمة كشفت أن الاتحاد الأوروبي، في جوهره، ليس اتحاداً للشعوب، بل هو تحالف مؤقت لعصابات مالية متنافسة (بنوك وشركات تأمين) تجمعها مصالحها في إطار السوق الموحدة وحلف الناتو، ولكنها في لحظة الخطر الحقيقي تختار كل منها النجاة بنفسها. هذا التناقض بين الشعارات (الوحدة) والواقع (التنافس) يثبت أن الرابط الأيديولوجي النيوليبرالي هو الرابط الوحيد الجامع، وأنه لا توجد رؤية مشتركة لرفاهية الشعوب. لهذا، وكما يشير النص، فإن التعويل على هذا الاتحاد لتقديم حلول سحرية هو "نوع من الانتحار الجماعي"، لأن مصيره، في غياب البديل الاشتراكي، هو التوجه نحو مزيد من الأزمات، ربما بحجم الكساد الكبير أو الحرب العالمية الثالثة، لتكون تلك الأزمات فرصة لتشغيل المعامل الحربية التي تملكها الأقلية المالية نفسها.



سادساً: الأوروبيون بين المطاوعة للناتو والبحث عن بدائل

العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) هي حلقة أخرى في سلسلة رجعيته. يبدو الاتحاد الأوروبي، في قضايا الأمن والسياسة الخارجية، وكأنه ذراع مدنية لحلف عسكري تهيمن عليه الولايات المتحدة. وهذا ما تؤكده المصادر التي تشير إلى أن الشخصيات الأكثر نفوذاً في الاتحاد الأوروبي، كرئيس المفوضية، غالباً ما تُختار بناءً على توافقها مع أجندة الناتو، وليس وفقاً لرغبات الشعوب الأوروبية .

في السنوات الأخيرة، وتحت ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تصاعدت المطالبات الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات قياسية (نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي) . هذا الضغط يضع الأوروبيين في مأزق: إما الرضوخ لشروط واشنطن وزيادة الإنفاق العسكري على حساب الإنفاق الاجتماعي، وهو ما يغذي سياسات التقشف، أو البحث عن بدائل مستقلة. هناك حديث أوروبي عن "استقلالية استراتيجية"، كما يُلمح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ، لكن هذا الطموح يصطدم بواقع أن العديد من الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا، تظهر ولاءً واضحاً لواشنطن، كما أن الناتو يمثل الإطار الوحيد الذي يضمن التنسيق الأمني بين الأوروبيين. وهذا يُظهر أن الاتحاد الأوروبي، عوضاً عن أن يكون قوة مستقلة، يظل خاضعاً للهيمنة الأميركية الأطلسية، مما يُفقده أي استقلالية حقيقية تمكنه من تمثيل مصالح شعوبه.



سابعاً: الانتحار الجماعي الأوروبي: صعود اليمين الفاشي وتوجيه الغضب نحو الضحايا

إن فوز القوى اليمينية الفاشية والعنصرية في العديد من الدول الأوروبية، والذي يعكس "نوعاً من الانتحار الجماعي الأوروبي"، هو أحد النتائج الحتمية لعجز مشروع الاتحاد الأوروبي النيوليبرالي عن توفير الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين. هذه القوى، وبدلاً من أن توجه أصابع الاتهام إلى الأقلية المالية الحاكمة في بروكسل والبنك المركزي الألماني، توجه غضبها الشعبي نحو الضحايا الأكثر معاناة: المهاجرين، والأقليات، والمناطق الفقيرة.

هذا التوزيع للمهام بين "عصابة الأوليغارشية المالية" و"عصابات اليمين الفاشي" هو سمة من سمات الرجعية المعاصرة. فالأولى تدير الاقتصاد لصالحها، والثانية تدير الشارع وتُصرف الغضب الشعبي عن الجذور الحقيقية للأزمة. وبهذا، يتحول النقاش العام من صراع طبقي إلى صراع هوياتي وقومي، مما يخدم استمرار السياسات النيوليبرالية. إن إعدام الخيار الاشتراكي بمعاهدة ماستريخت يجعل من المستحيل تقديم بديل شعبي حقيقي، مما يدفع الجماهير المحبطة إلى أحضان اليمين المتطرف الذي يعدهم بحلول وهمية (كطرد الأجانب) بينما يواصل هو الآخر خدمة نفس المصالح المالية.



ثامناً: نحو يسار جذري: أوروبا بديلاً عن الرجعية

النقد اللاذع للاتحاد الأوروبي يضعنا أمام سؤال المصير: هل هناك أمل في إصلاح هذا الكيان، أم أن الخيار الوحيد هو تفكيكه وبناء بديل؟ كما ورد في النص المُقدّم، فإن "ما تحتاجه أوروبا جرأة جديدة ليسار جذري" يضع نصب عينيه تجاوز البناء النيوليبرالي الحالي. هذا اليسار الجذري لا يمكن أن يكتفي بإصلاحات سطحية، بل يجب أن يتبنى مشروعاً يتجاوز معاهدة ماستريخت، ويُعيد السيادة للشعوب، ويُخضع الاقتصاد لقرار سياسي ديمقراطي يهدف إلى العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

أي اتحاد أوروبي مستقبلي لا يضع في أول بنوده "الوصول إلى حكم اشتراكي" هو، كما يشير النص، "مصيره التفكك والانهيار والمآسي الاجتماعية والتخلف عن ركب القوى الصاعدة الحضارية". الإشارة إلى قوى مثل الصين "بحزبها الشيوعي الماوي" كقوة حضارية صاعدة تُقدم نموذجاً آخر، تضع أوروبا أمام حتمية الاختيار بين البقاء تابعة للهيمنة الأطلسية والرأسمالية المالية، أو الانخراط في مشروع عالمي جديد يركز على التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. أوروبا يسارية جذرية، قائمة على التضامن الطبقي والدولي، ليست مجرد حلم رومانسي، بل هي ضرورة تاريخية لتجنب الانزلاق نحو حروب وكوارث جديدة.



الخاتمة

خلص هذا البحث إلى أن وصف الاتحاد الأوروبي بـ"القوة الرجعية" ليس اتهاماً أيديولوجياً مجرداً، بل هو خلاصة تحليل نقدي لسياساته وبنيته. الاتحاد الأوروبي، كما تبين، يقوم على أسس نيوليبرالية تكرس هيمنة الأقلية المالية، وتُقصي الديمقراطية، وتُفكك الدولة الاجتماعية، وتُخضع القرار السياسي لمنطق السوق. هذه الرجعية تتجلى في ثلاث مستويات رئيسية:

1. المستوى السياسي المؤسسي: عبر معاهدات كمعاهدة ماستريخت، التي تمنع البديل الاشتراكي وتجعل القرار في أيدي بيروقراطية غير منتخبة، مما يخلق فجوة هائلة بين النخبة الحاكمة والشعوب.
2. المستوى الاقتصادي الاجتماعي: عبر سياسات التقشف القاسية، التي ترهق الفقراء والطبقات الوسطى وتُفقرهم، بينما تزداد ثروات الأقلية المالية، وهو ما يشبه العلاقة الاستعمارية بين الشمال والجنوب الأوروبي.
3. المستوى الاستراتيجي: عبر التبعية لحلف الناتو والهيمنة الأميركية، مما يفقد أوروبا استقلاليتها ويجعلها جزءاً من مشروع أطلسي يخدم مصالح رأس المال والحرب، وليس مصالح السلام والتنمية.

أما صعود اليمين المتطرف، فهو ليس سوى أحد أعراض هذا المرض الرجعي، وليس حلاً له. الإجابة على سؤال "لماذا الاتحاد الأوروبي قوة رجعية؟" تكمن في تناقضه العضوي: إنه مشروع رأسمالي في جوهره يلبس ثوباً ديمقراطياً. ومن هنا، فإن الخلاص الحقيقي لأوروبا، كما للعالم، لا يكمن في تحسين أدوات هذه الآلة الرجعية، بل في تجاوزها عبر مشروع يساري جذري، يعيد بناء أوروبا على أسس مختلفة: أسس العدالة الاجتماعية، السيادة الشعبية، والاستقلال الاستراتيجي، بعيداً عن أوهام النيوليبرالية، ومستفيداً من دروس التاريخ وأصوات الشعراء الثائرين كأحمد فؤاد نجم.



قائمة المصادر والمراجع

1. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. (تحليل). "خطورة السماح بتمرير قانون هيئة الحشد الشعبي العراقي".
2.3. موقع خيام. (2013). "رحل الشاعر أحمد فؤاد نجم".
4. الحوار المتمدن. (مقالات). "رزكار عقراوي في حوار مفتوح..."
5. مونت كارلو الدولية. (2021). "أزمات الداخل وعزلة وتوتر مع الخارج: 2021 سيكون عام كل المخاطر بالنسبة لإردوغان".
6. الحوار المتمدن. كاترين ساماري. "الاتحاد الأوروبي والعولمة".
7. موقع الحزب الشيوعي العراقي. علوان السلمان. "فضاء شعبي... أحمد فؤاد نجم واختراق الآفاق".
8. صحيفة الاتحاد. مارك روته. (2026). "أوروبا.. مصدر الدعم المالي والصناعي للناتو".
9. موقع 4D Pal. (2024). "في ذكرى رحيله.. ما سر معركة كلب الست بين أحمد فؤاد نجم وأم كلثوم".


……..



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
- مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف ...
- الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو ...
- مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
- -سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
- الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا ...
- مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف ...
- تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ ...
- أساليب -غَوبِلْز الجديدة- في الدعاية التحريضية خدمة لسلطة رأ ...
- شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
- دراسة مقارنة: -قوس قزح بروكسل الرمادي- في سياق الأدب البلجيك ...
- تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأو ...
- نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
- مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف ...
- مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
- كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا ...
- مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة ...
- ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
- مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
- سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري ...


المزيد.....




- بعد خسارة فرنسا.. اليمين المتطرف يعيد تدوير رواية -شغب المها ...
- The Essence of Childhood Has been Destroyed
- Politicians Should Stop Hiding Behind the “two-state Solutio ...
- The Price of Solidarity: How Israel Weaponized European Foot ...
- Medicare for All 2026: No More Waiting
- Greentech Revolution in the States
- -ممداني برلين-.. اليسار الألماني يراهن على سياسية من أصول تر ...
- Epistemologies of the South, the Left, and Communism
- Asia’s Peoples Call for Sovereignty and Solidarity
- خلف واجهة كأس العالم.. كيف أخفت السلطات أحياء الفقراء في مون ...


المزيد.....

- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - احمد صالح سلوم - الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقتصادية