|
|
-سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 16:02
المحور:
الادب والفن
الشخصيات
· د. سامي عقلان – أستاذ جامعي، مثقف ساخر، يرى الحقيقة بوضوح ولكن لا يأبه لها أحد. · د. بشار برهان – مستشار غربي، مقتنع بأن سنغافورة قادمة إلى كل مكان، يتحدث بثقة لا متناهية. · منال – مواطنة، تمثل الصوت الشعبي، بسيطة وذكية. · أبو جابر – فلاح عجوز، يسخر من كل شيء، ويمثل الوعي الشعبي المتوارث. · سكرتير – يظهر في المشاهد الإدارية، عديم الشخصية، ينفذ الأوامر بحذافيرها. · صحفي 1 و2 و3 – جوقة إعلامية، يرددون ما يُملى عليهم. · ضابط أجنبي – صامت، يظهر في المشاهد الأخيرة، رمز الهيمنة العسكرية.
---
الفصل الأول
"مؤتمر سنغافورة"
---
المشهد الأول: في قاعة المؤتمر
(قاعة مؤتمرات فاخرة، إضاءة ذهبية، طاولة طويلة، خلفها ستار ضخم كتب عليه: "سنغافورة قادمة: نحو الشرق الجديد". يجلس د. سامي ود. بشار، إلى جانب صحفيين وسكرتير ومنال وأبو جابر يقفان في الخلف.)
د. بشار (واقفاً، رافعاً يديه، وبابتسامة عريضة): أيها السادة، أيها الحضور، اليوم نعلن ميلاد عصر جديد! القارة برمتها ستصبح سنغافورة! كل مدينة، كل قرية، كل خيمة بدوية ستتحول إلى بورصة! سنغافورة قادمة إليكم، لا تبحثوا عنها في الخرائط، فهي هنا في قلوبنا وعقولنا وبرامجنا التنموية!
أبو جابر (من بعيد، بصوت هامس ولكنه مسموع): طيب وإذا ما بدي سنغافورة؟ إذا ما بدي بلاستيك ولا بورصة ولا كوفي شوب؟
د. بشار (مبتسماً، متجاهلاً الكلام): لدينا النموذج الأمثل! القطاع الخاص! الأسواق الحرة! شركات النفط العالمية! الإنسان الآلي يحل محل الإنسان العضوي! الخصخصة! التنافس! الجودة الشاملة!
منال (رافعة يدها، بحذر): سيدي المستشار... أنا عندي محل بقالة صغير بالحي... هل سيتحول إلى سنغافورة؟
د. بشار (متحمساً): بالطبع، يا سيدتي! ولكن بعد أن نخصخصه ونبيع أسهمه في بورصة دبي! سيكون اسمه "بقالة سنغافورة المحدودة"! ستدر أرباحاً خيالية! ستجذب السياح! سيكون قبلة المتسوقين من طوكيو إلى نيويورك!
أبو جابر (ضاحكاً بصوت مرتفع): أستاذ بشار، بقالة منال فيها خمس كراتين بيض وعشر علب جبن وثلاث كيلو رز. السياح ليش يدوروا عالبيض في بقالة منال؟ مش قادرين يشتروه من بلدهم؟
د. بشار (مستغرباً، ضاحكاً مصطنعاً): يا أبا جابر، أنت تعيش في زمن الماضي. البيض العادي انتهى. سننتج بيضاً ذكياً، مربع الشكل، بكود QR على كل بيضة، يحكي تاريخ الدجاجة! البيضة العادية ستصبح من الماضي، تماماً مثل الزراعة التقليدية، والفلاحة باليد، وري الأراضي بالوسائل البدائية. كل شيء سيكون تقنياً، رقمياً، عصرياً، سنغافورياً!
د. سامي (جالساً بهدوء، يشرب قهوته): د. بشار، هل لي بسؤال؟
د. بشار (بسرعة، وبابتسامة عريضة): بالطبع يا دكتور، نحن في مؤتمر للحوار والانفتاح!
د. سامي (بتؤدة، يرتب أوراقه): سؤالي بسيط... ما هي سنغافورة؟ أعني... أين تقع هذه السنغافورة؟ هل هي وطن؟ هل هي أمة؟ هل هي مشروع سياسي مستقل أم مجرد رقعة جغرافية صغيرة تم صنعها لتكون مركزاً لترويج سلع إمبراطورية؟
د. بشار (متفاجئاً قليلاً، ثم يستجمع نفسه): آه... سنغافورة هي معجزة اقتصادية يا دكتور! هي رمز الإرادة البشرية! هي انعكاس رائع لما يمكن أن يصير إليه أي شعب لو تخلص من الرواسب القديمة، من التخلف، من العقلية الاشتراكية الرثة، من الحلول البدائية. سنغافورة هي المستقبل!
د. سامي (هادئاً): أعاد صياغة الإجابة... سؤالي كان: أين تقع سنغافورة؟ ومن يملك سنغافورة؟ ومن يسيطر على بورصتها؟ ومن يملك البنوك فيها؟ هل سنغافورة دولة أم أنها مجرد منطقة إدارية تابعة لسياسة أمريكية بحتة في الجنوب الشرقي؟ هل سنغافورة هي النموذج الذي يجب أن تتبعه دولة عربية غارقة في البترول والغاز والتي يتم نهبها منذ مئة عام؟
أبو جابر (مقهقهاً): والله يا دكتور، أنت سألت سؤال زي السكين، دخل لحم ونفض عظم. سنغافورة جايبة من رأسها، ولا هي صاحبة قرارها.
د. بشار (محمراً، محاولاً السيطرة على انزعاجه): د. سامي، أحترم طرحك، ولكن محاضرتنا اليوم ليست في الجغرافيا، ولا في التاريخ، بل في الاقتصاد، وفي التنمية، وفي مستقبل البشرية. أنتم لديكم عقدة تاريخية، ولوم الذات، وشكوى أبدية... فلنبدأ العمل بدلاً من الشكوى!
د. سامي (واضعاً فنجان القهوة على الطاولة): أشكرك يا دكتور، ولكن دعني أطرح سؤالاً آخر... إذا كانت سنغافورة هي النموذج، فلماذا لم نطبق هذا النموذج في البلدان التي احتلوها؟ ألم تكن ألمانيا محتلة من الأمريكان؟ أفلم تتحول ألمانيا إلى معجزة اقتصادية؟ ألم نقل للعراق قبل الاحتلال: ألمانيا كانت محتلة وعادت أقوى، فلماذا لا تستقبلون الاحتلال؟ لماذا الكيل بمكيالين؟
الصحفي الأول (مسرعاً، بنبرة إعلامية مألوفة): هذا سؤال غير دقيق يا دكتور. ألمانيا كانت دولة صناعية متقدمة، وشعبها منظم، وتعليمها عالٍ. العراق كان دولة ريعية، شعبها متشرذم، تعليمها متدني، بنيتها ضعيفة. فالظروف مختلفة.
د. سامي (هازئاً): أحسنت! هذا بالضبط ما أقوله... التنميطات خداعة. لا يمكنك أن تبيع لأمة فقيرة محطمة نموذج دولة صناعية غنية. هونغ كونغ لم تصنع عبر وصفة جاهزة، ولكن عبر استعمار بريطاني منظم وتوظيفه لصالح إمبراطورية. سنغافورة نفسها ما كانت لتوجد لولا موقعها الاستراتيجي ودورها كمركز لوجستي للنظام الرأسمالي العالمي. إنما أنتم تأتون إلى شعب منهك، وجائع، ومفكك، وتبيعون له أحلاماً لا تناسب وضعه، وتجعلونه يصدق أن القادم هو جنة، بينما القادم هو قواعد عسكرية، ونهب نفط، وتفكيك وطن.
أبو جابر (مشيراً إلى د. بشار): أبو شارب، أنت فهمان عليك... يعني جاي تبيع لنا ببغاء وهو يقول "سنغافورة"، ونحن نصدقك؟ واللي صاير عنا هو الموت البطيء والقصف الليلي والبطالة والعطش والفقر... وأنت جاي تحكيلنا عن بورصة البيض المربع؟
منال (متأففة): والله يا دكتور، أبا جابر صادق. نحنا في حارتنا الناس يتقاتلوا على كيس خبز، وعندنا كهربا ثلاث ساعات باليوم، ومية مقطوعة... جاي تحكيلنا عن ألمانيا وسنغافورة ودبي... يا حرام!
---
المشهد الثاني: في مكتب د. سامي
(مكتب صغير، مكدس بالكتب والأوراق، سامي جالس يحادث منال التي دخلت عليه).
منال: دكتور سامي، مش فاهمة شو عم يصير. الناس كلها صارت تحكي عن سنغافورة ودبي وعن ألمانيا. شو هالجنون؟
د. سامي (يضحك بهدوء): هذا ليس جنوناً يا منال، إنه برنامج منظم، دعاية متراكمة، أموال طائلة تصب في قنوات إعلامية وفي معاهد تفكير وفي مراكز أبحاث. هدفها إعادة تشكيل العقل الجمعي للناس، ليصبح مستعداً لتقبل أي احتلال، أي تدمير، أي سلب، تحت مسمى "التنمية".
منال: شو يعني "إعادة تشكيل العقل الجمعي"؟
د. سامي: يعني أن يأتيك شخص ويقول لك: "الاحتلال الألماني للأمريكان جلب النمو والأمان، فلماذا تخافون من احتلالنا؟". يعني أن يأتيك آخر ويقول: "هونغ كونغ ازدهرت تحت الاستعمار البريطاني، فلماذا لا تُقسم أرضك إلى كانتونات مثلها؟". إنها أداة نفسية تجعل الضحية تطلب من الجلاد أن يضربها مرة أخرى لأن الضربة الأولى كانت مفيدة حسب مزاعمهم.
منال (مندهشة): يعني هم يكذبون علينا؟
د. سامي: ليس بالضرورة يكذبون فقط. هم يختارون الحقائق التي تناسبهم، ويحذفون السياق. ألمانيا كانت دولة صناعية محطمة، ولكنها كانت دولة بذاتها، ولها بنية، ولها تعليم، ولها ديموغرافيا منظمة. العراق كان دولة مكسورة بالحروب، محاصرة، ثم جاء الاحتلال ففتتها كلياً. الفرق ليس بين الألماني والعراقي في الجينات، الفرق في المشروع: أوروبا كان مشروعاً لإعادة تأهيل حليف اقتصادي، والعراق كان مشروعاً لتدمير خصم سياسي وتقطيع أوصاله.
منال (بعمق): طيب ليش الناس بتصدق؟ ليه كل هالقنوات الفضائية والمحللين بتكرر نفس الكلام؟
د. سامي (في هدوء مدرس قديم): لأن المال موجود بكثرة، ووسائل الإعلام مملوكة لأصحاب رؤوس الأموال الذين يخدمون أجندة معينة. ولأن هناك شعوباً مرهقة، جائعة، محطمة... تحتاج إلى أي أمل، إلى أي وهم. الوهم أسهل من المواجهة. والاستسلام أسهل من النضال. وما يفعله النظام الإعلامي هو تغذية هذا الوهم، وترسيخه، وجعله يقيناً راسخاً في النفوس. لكي لا يقوم الناس ويسألوا: متى سننتهي من هذا السراب؟
منال (ناظرة من النافذة): شو العمل إذن؟ شو العمل لنواجه كل هالكمائن؟
د. سامي: العمل أن ندرك أنهم يخاطبون خوفنا وتعبنا، فيقدمون لنا أنموذجاً لا يناسبنا. العمل أن نتذكر أن سنغافورة وهونغ كونغ ودبي ليست دولاً وطنية قائمة بذاتها، بل "نتوءات رأسمالية" صُنعت لتخدم الإمبراطورية. العمل أن نصنع مشروعنا الخاص، بحسب ظروفنا، بحسب ثقافتنا، بحسب تاريخنا. أليس من حقنا أن نختار كيف نعيش وكيف ننمو وكيف نتعامل مع العالم، بدلاً من تقليد صورة مشوهة لحياة جميلة في بلاد بعيدة؟
---
الفصل الثاني
"مشروع مارشال على الطريقة العربية"
---
المشهد الثالث: ندوة فكرية
(قاعة محاضرات، على المنصة د. بشار ود. سامي، والجمهور متنوع، بينهم أبو جابر ومنال).
د. بشار (واقفاً، بنشوة): أيها السادة، دعونا نتحدث بصراحة عن النماذج التنموية. أمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت مشروع مارشال لأوروبا، فنهضت أوروبا وأصبحت قوة عظمى. اليابان استفادت من معاهدة سان فرانسيسكو، فنهضت كعملاق صناعي. وهونغ كونغ، وسنغافورة، ودبي، وتل أبيب، كلها نماذج ناجحة تحت الرعاية الغربية. فلماذا تتخوفون؟ لماذا تتهربون؟ القادم هو خير، هو نمو، هو ازدهار!
أبو جابر (من بين الجمهور): أستاذ بشار، عندي سؤال.
د. بشار (بابتسامة عريضة): تفضل يا أبا جابر، الأسئلة الثاقبة هي روح الحوار!
أبو جابر (واقفاً، يخلع طاقيته): أنت جاي تحكيلنا عن مارشال وأوروبا وألمانيا واليابان. طيب ليش ما جابوا مشروع مارشال للعراق؟ ليش ما جابوا معاهدة سان فرانسيسكو للضفة الغربية؟ ليش ما جابوا النموذج السنغافوري للسودان؟ هو نحنا مش بشر؟ مش نعرف نشتغل؟ مش نعرف نتعلم؟
د. بشار (متردداً قليلاً): حسناً... الجواب يا سيدي أن الظروف مختلفة. أوروبا كانت سوقاً ضخماً للمنتجات الأمريكية، وكانت بحاجة ماسة لإعادة الإعمار لكي لا تسقط في يد الشيوعية. أما منطقتنا، فهي... كيف أقول... مختلفة.
أبو جابر (ضاحكاً بصوت عالٍ): مختلفة؟ يعني إحنا بني آدمين درجة تانية؟ ولا يعني إحنا مجرد نفط وغاز ورمال؟ يعني مشروع مارشال كان لأوروبا منشان يبيعوا بضاعتهم، واحنا منشان نهبوا نفطنا؟ هو هاد التنميط اللي أنت بتسوقه هو سراب، ولا هو التفسير الحقيقي للي صاير فينا؟
د. سامي (متكئاً على كرسيه، يضع نظارته): أبو جابر طرح نقطة جوهرية. مشروع مارشال، كما تقول الوثائق التاريخية، لم يكن برنامجاً إنسانياً خالصاً، بل كان أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد الأوروبي بحيث يظل تابعاً لاقتصاد الولايات المتحدة. الناتو، الذي تأسس بعد سنتين، كان أداة عسكرية لإبقاء أوروبا تحت الهيمنة الأمريكية. ومعاهدة سان فرانسيسكو مع اليابان كانت لإعادة تشكيل اليابان كحليف اقتصادي تابع، ليس دولة قائمة بذاتها. هذه أدوات للهيمنة، وليس أدوات للتحرر.
د. بشار (متلعثماً): لكن النتائج كانت إيجابية! أوروبا تطورت، اليابان تطورت، سنغافورة تطورت!
د. سامي (متمهلاً): نعم، تطورت ضمن السياق الذي صنعته أمريكا لحاجاتها الخاصة. أوروبا واليابان هما الآن عملاقان اقتصاديان، ولكن بقرار سياسي مقيد، وبأحلاف عسكرية خانقة، وتبعية مالية لا تنتهي. وأسألك: ما هو النموذج الذي ينتظرنا نحن؟ هل هو نموذج ألمانيا التي أعيد بناؤها، أم نموذج ليبيا التي قُصفت ودُمرت؟ هل هو نموذج اليابان التي أعيد هيكلتها، أم نموذج العراق الذي فُتت؟ هل هو نموذج هونغ كونغ التي ظلت مركزاً تجارياً، أم نموذج غزة التي تحولت إلى سجن مفتوح؟
الصحفي الثاني (واقفاً، بحماسة): لكن د. سامي، أليس من الظلم اتهام المشاريع الغربية بالفشل؟ أليست هناك تجارب عربية استفادت من هذه النماذج، كدبي مثلاً؟
د. سامي (ضاحكاً بسخرية خفيفة): دبي... يا له من مثال رائع! دبي هي نتوء رأسمالي، منطقة جذب للسلع والخدمات، ولكنها ليست دولة متكاملة، وليست مشروعاً وطنياً قائماً بذاته. هي مجرد واجهة للرأسمالية العالمية، وبورصة للسياحة والعقارات. هل تظن أن دبي تستطيع الوقوف وحدها دون الحماية الأمريكية والإماراتية المشتركة، ودون التبعية للنظام المالي العالمي؟ دبي هي سنغافورة العرب، ولكن سنغافورة العرب لا تصنع وطناً، إنما تصنع مركزاً لوجستياً للاستعمار الناعم. وعندما نبيع لأمتنا هذا الوهم، فإننا ندمر أي فرصة لبناء مجتمع حقيقي قائم على السيادة والعدالة.
منال (من بين الحضور): أنا سمعت مسؤول يقول إن لبنان ممكن يصير زي سنغافورة! سنغافورة بحرية وخبراتها، ولبنان بموقعه وتنوعه. شو رأيك دكتور؟
د. سامي (بحسرة): لبنان... سنغافورة... المقارنة مضحكة لو لم تكن مأساوية. سنغافورة دولة قطرية، صغيرة، بنيت على قاعدة استعمارية محكمة، وحكمها حزب واحد لخمسين سنة، وحافظت على استقرار اجتماعي وقمع سياسي ممنهج. لبنان دولة طائفية مقطعة، مزقتها الحروب الأهلية، وفرض عليها نظام المحاصصة الذي زرعه الانتداب الفرنسي، وأكمله اتفاق الطائف. سنغافورة ليست لبنان، ولبنان لن يصبح سنغافورة. وإذا صدق اللبنانيون هذا الوهم، فإنهم سيخسرون ما تبقى من وطن، وسيبيعون أوهامهم بالبترول وبالذهب وبالمياه وبالتراب. لبنان، الذي يمكن أن يكون نموذجاً للتعددية الغنية، إذا اتبع نموذج المحاصصة الطائفية والتقسيم الكانتوني، سيصبح أكبر معمل للفساد والجوع في الشرق الأوسط.
أبو جابر (ضاحكاً وصافحاً يد د. سامي): والله يا دكتور، كلامك صحيح مثل المية. الناس بتصدق هاد الكلام لأنه بيجيب الأكل؟ لأ، لأنه بيخليهم يناموا مرتاحين. هم بيحلموا بأرض مبلطة ذهب، واحنا بنحلم بأرض تكفينا. ليه بدهم يخلونا نحلم بعيد؟
---
المشهد الرابع: حوار مسائي بين جارين
(سطح منزل شعبي، منال وأبو جابر جالسان، وشاي ساخن أمامهما).
أبو جابر: يا بنتي، أنا شايف الدنيا عم بتتغير بشكل غريب. أيام زمان، كان المستعمر يجي بالجنود، كان يضرب ويذبح، وياخذ الأرض. أما اليوم... يجي بمستشارين، إعلاميين، خبراء تنمية. يحط لك صور دبي وسنغافورة على التلفزيون، ويمسح لك دماغك. كأنه بقلك: "اطلب مني أن أحتلك، واشكرني على هذا الاحتلال".
منال: بس أبا جابر، في ناس بتصدق. في ناس فعلاً شايفة إنه الاحتلال الأمريكي للعراق كان مفيد، وإنه لو أتت أمريكا عندنا، صرنا زي أوروبا.
أبو جابر (ممسكاً الشاي، هازاً رأسه): يا بنتي، أمريكا ما جابت لأوروبا إلا لإنو أوروبا كانت سوق لها. أما إحنا... احنا بنحنا عشان يتم نهبنا. شفت كيف أخذوا النفط؟ كيف فككوا البلد؟ كيف حوّلوها إلى كانتونات محاربة؟ شفت كيف السياسة الأمريكية ما عملت ألمانيا ثانية، بل عملت العراق ساحة للصراع الأهلي والنهب؟
منال: طيب، شو العمل برأيك؟
أبو جابر: العمل... بصراحة ما بعرف شو العمل. بس بعرف إنو اللي بدو يحكمنا، أو بدو يحررنا، لازم يفهم مكرهم. لازم يعرف إنو القصة مش قصة سنغافورة ودبي، القصة قصة سيادة واستقلال وكرامة. يمكن الحل إننا نثق بحالنا، وبأرضنا، وبتراثنا، ونوقف نصدق كل حدا جاي يحكيلنا عن جنان الدنيا... جنان الدنيا عندنا، بس إحنا مش عارفين نزرعها.
منال (بصوت هامس): أبو جابر، أنت شايف أنه في أمل؟
أبو جابر: الأمل... الأمل موجود في إحنا نفسنا. لأن العدو بيبيع الأوهام، والصادق بيكشفها. كل ما الناس تعرف إنو هاد الكلام كذب، كل ما نقدر نبني بديلنا. بديلنا مش سنغافورة، بديلنا هو وطننا بكل تعقيداته، بكل جماله، بكل عذابه. بديلنا أنه نشتغل بإيدينا، وأن نتعلم، وأن نستثمر في بلادنا، وأن لا نبيعها لأصحاب الوهم.
(يطل القمر من خلف الغيوم، والمشهد ينتهي بصمتين).
---
الفصل الثالث
"الضحكة الأخيرة"
---
المشهد الخامس: في الاستوديو الإعلامي
(استوديو تلفزيوني فخم، إضاءات مبهرجة، د. بشار ضيف، وثلاثة صحفيين. على الشاشة عنوان عريض: "سنغافورة قادمة: حقيقة أم وهم؟").
الصحفي الأول: دكتور بشار، كثير من المشاهدين يتساءلون: هل سنغافورة فعلاً نموذج قابل للتطبيق في منطقتنا؟
د. بشار: بالتأكيد! سنغافورة كانت مستنقعاً استوائياً، فقراً مدقعاً، ثم تحولت إلى معجزة بفضل السياسات النيوليبرالية، بفضل الانفتاح، بفضل العقلية الاستثمارية. وهذا ما نقدمه لكم!
الصحفي الثاني: ولكن هناك آراء تقول إن سنغافورة هي مجرد مركز مالي تابع للإمبراطورية الأمريكية، وليست دولة سيادية بالمعنى التقليدي.
د. بشار (ضاحكاً): هذه آراء متخلفة! سنغافورة دولة مستقلة، لها حكومة، لها جيش، لها بورصة! ما يهم هو النموذج التنموي، وليس السيادة بهذا المعنى المبالغ فيه.
(يدخل د. سامي ببطء، ويجلس في كرسي الضيوف دون استئذان).
الصحفي الثالث: د. سامي! أنت لم تكن مدعواً!
د. سامي: في الحقيقة، أنا مدعو من الجمهور. الجمهور يريد رأياً آخر، وليس الدعاية المكررة نفسها.
د. بشار (متوتراً): أهلاً د. سامي... أنت دائماً متشائم!
د. سامي: لست متشائماً، أنا واقعي. دعني أسألك سؤالاً مباشراً: ما هو مصير بلادنا في النموذج السنغافوري الذي تروج له؟ هل سنصبح ألمانيا أم سنصبح سوريا؟ هل سنصبح اليابان أم سنصبح ليبيا؟ هل سنصبح هونغ كونغ أم سنصبح غزة؟
الصحفي الأول (محاولاً تهدئة الجو): دعونا نبتعد عن المواضيع الشائكة...
د. سامي (مصراً): لا، سنبقى في الموضوع الشائك. لأن الموضوع الشائك هو مفتاح فهم القصة. الإمبراطورية التي تريد السيطرة على العالم تحتاج إلى أسواق استهلاكية، وإلى مراكز لوجستية، وإلى مناطق إنتاج رخيصة. أوروبا كانت سوقاً، واليابان كانت مركزاً صناعياً. أما بلادنا فليست سوى مادة خام، نفط، غاز، يورانيوم، وأحياناً دماء. أي نموذج تنموي يقدم لنا يجب أن يكون متفقاً مع هذا الدور المسند إلينا في التقسيم العالمي. وإلا لما قدموه.
د. بشار (غاضباً): أنت تتحدث وكأننا لا نملك إرادة! وكأننا مجرد ضحايا!
د. سامي (هادئاً): نحن لسنا ضحايا، نحن شعوب تائهة بين سلطة الإمبراطورية وقادة وطنيين عميلين لها. ولكن عندما نصدق التنميطات، نكون شركاء في تدمير أنفسنا. عندما نقبل أن تكون سنغافورة نموذجاً لنا دون أن ندرس سياقها، نكون قد وقعنا في الفخ. عندما نسلم عقولنا للإعلام الأمريكي وللسفارات والمستشارين، نكون قد تخلينا عن حقنا في التفكير والتخطيط لمستقبلنا.
الصحفي الثالث: د. سامي، لكن ماذا تقترح بدلاً من ذلك؟
د. سامي: أقترح أن نصنع نموذجنا الخاص. ليس مشروع مارشال ولا الناتو ولا سان فرانسيسكو. مشروعنا هو البناء على ما تبقى، إعادة قراءة تاريخنا، استثمار مواردنا الطبيعية والبشرية، بناء تعليم متطور وصناعة وطنية، وتحرير قرارنا من أية هيمنة خارجية. هذا ليس حلماً، بل هو طريق طويل، ولكنه الطريق الوحيد للخلاص.
أبو جابر (يقفز من بين الكواليس فجأة): هو.. أنا جاي من البيت، حبيت أشوف الفضائيات. يا دكتور سامي أنت ما زلت تحلم أنهم يسمعوك! بس أنا مبسوط إنك قلت الحقيقة. سنغافورة... هونغ كونغ... دبي... كلها خرابيط. بس الخرابيط اللي بتربح.
(يضحك الجمهور في الاستوديو، ويحاول د. بشار استعادة السيطرة، ولكن الصورة تنقطع).
---
المشهد السادس: الخاتمة الفلسفية
(مشهد مظلم، د. سامي يتحدث إلى الفراغ).
د. سامي: في النهاية، القصة هي صراع بين الوهم والحقيقة. الإمبراطورية تحتاج إلى الأحلام لكي تسلب الموارد. والشعوب تحتاج إلى الأحلام لكي تتحمل. ولكن الأحلام التي يبيعها المستعمرون هي أحلام مسروقة، أحلام معدلة، أحلام تخدمهم ولا تخدمنا. سينتهي هذا العصر، مثلما انتهت كل عصور الهيمنة، وسيبقى السؤال: هل تعلمنا الدرس؟ هل سنكتشف أن سنغافورة ليست في سنغافورة، بل في أرضنا، في أيدينا، في عقولنا المحررة من الخرافات؟
(هاتف يرن في الظلام، صوت منال من وراء المسرح).
منال: دكتور سامي، في واحد بعتلي فيديو بيقول إنو منطقتنا رح تصير سنغافورة قريباً، وإنو لازم نبيع بيوتنا ونشتري أسهم في شركات أجنبية!
د. سامي (ضاحكاً بحسرة): يا منال، سنغافورة قادمة... ولكنها قادمة فقط في برامجهم الدعائية. سنغافورة الحقيقية هي مشروعنا نحن، وهو طويل وشاق، ولن يتحقق عبر التسليم بالوهم. سنغافورة تأتي عندما نعرف أننا لا نحتاج إلى أحد ليفرض علينا نموذجه. سنغافورة تأتي عندما نصنع وطننا الحر الكريم بأيدينا.
(تطفأ الأضواء بالكامل، ويبقى صوت ضحكة أبو جابر المدوية).
أبو جابر (من الظلام): هيه... سنغافورة... سنغافورة... سنغافورة الجايبة جايبة نار ودمار وخراب... مش سنغافورة اللي أنتم فاهمينها. الله يردّها على مين جابها.
---
خاتمة مسرحية:
في فضاء فارغ، يجلس د. سامي وحيداً ويسجل مونولوجاً أخيراً:
(د. سامي ينظر إلى الجمهور، يبتسم ابتسامة تلخيصية).
د. سامي: أيها السيدات والسادة، لقد سخرنا اليوم من التنميطات الاستعمارية التي تكررها علينا وسائل الإعلام، ومن أوهام سنغافورة وهونغ كونغ ودبي. لقد ضحكنا على السياسيين الذين يصدقون أن استعماراً جديداً يمكن أن يقدم لنا الخلاص. ولكن وراء كل ضحكة، هناك حقيقة مرة: نحن في غمرة معركة وجودية، معركة بين الإمبريالية ومشاريعها، وبين الشعوب وحقها في أن تكون نفسها.
ولكن الضحكة هي سلاحنا الأقوى. لأن من يستطيع أن يسخر من أوهامه، يستطيع أن يكسر أغلاله. ومن يستطيع أن يرى الفارق بين سنغافورة الحقيقية وسنغافورة المزيفة، يستطيع أن يبني سنغافورة حقيقية في وطنه. سنغافورة التي لا تعني التبعية، بل السيادة. سنغافورة التي لا تعني النهب، بل الإنتاج. سنغافورة التي لا تعني التجزئة، بل الوحدة.
لنضحك إذن، ولكن بوعي. ولننتقد، ولكن ببناء. ولنحلم، ولكن بواقعية.
(إضاءة تنخفض إلى صفر، صوت فاصل إعلاني ساخر بلهجة مدبلجة يقول: "قريباً... سنغافورة ستزور حيكم... احجزوا أوهامكم الآن").
نهاية المسرحية
…………..
الإخراجية الختامية (توجيه للمخرج):
· يمكن استخدام إسقاطات ضوئية لفيديوات إعلانية نموذجية عن مشاريع تنموية وهمية. · الكوميديا تقوم على التباين بين الجدية المفرطة لد. بشار والواقع الكاريكاتوري الذي يمثله أبو جابر ود. سامي ومنال. · الموسيقى بين المشاهد: ألحان متغيرة بين النشيد الرسمي المزيف ونغمات شرقية حزينة ثم تعود إلى كوميدية خفيفة. · يمكن استغلال الحركة المسرحية للأبواب الدوارة والديكورات المتغيرة لتظهر انعدام الاستقرار. · يختتم العرض بمشهد صامت: خريطة العالم تنهار من فوق، ويسقط منها بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس، بينما تبقى سنغافورة معلقة في الأعلى ككرة زجاجية. · ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سنصنع واقعنا، أم نكتفي بالضحك على سراب الآخرين؟
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا
...
-
مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف
...
-
تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ
...
-
أساليب -غَوبِلْز الجديدة- في الدعاية التحريضية خدمة لسلطة رأ
...
-
شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
-
دراسة مقارنة: -قوس قزح بروكسل الرمادي- في سياق الأدب البلجيك
...
-
تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأو
...
-
نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
-
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف
...
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
-
ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
-
مسرحية: -مؤتمر النهب العام-..(أوبرا الفواتير السبعة)
-
سوريا... دولةٌ فقيرة كانت تنتج حياةً، فاستهدفتها الإمبراطوري
...
-
الصين وأمريكا: صراع النماذج في عالم متغير
-
الزرادشتية.. أمُّ الأديان أم أداة الاستعمار؟ قراءة في الجذور
...
-
الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد
-
روسيا... حين ينهض قطبٌ من بين أنقاض النظام العالمي
-
قطرغيت: المال كأداة جيوسياسية استعمارية — من الدوحة إلى بروك
...
المزيد.....
-
الروايات الإعلامية تجبر على نقل مشهد مختلف من إيران
-
مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.. فنان وشم يطرح حلًا لمن لا
...
-
خميس مليانة تحتضن الطبعة الأولى للأيام الوطنية للفيلم القصير
...
-
زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله
...
-
من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال
...
-
أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد
...
-
من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع
...
-
قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
-
بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل
...
-
يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|