|
|
كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب كوميدي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 10:02
المحور:
كتابات ساخرة
مقدمة ساخرة جداً: مرحباً بكم في سيرك الديمقراطية الأوروبي!
في مشهد افتتاحي لا يُنسى من فيلم "الديمقراطية على طريقة بروكسل"، نرى رجلاً يرتدي بدلة أنيقة يقف أمام مبنى الاتحاد الأوروبي، ويرفع يده اليمنى ويقسم: "أقسم بالله العظيم أنني سأدافع عن الديمقراطية... طالما أن الديمقراطية لا تتعارض مع مصالح البنوك، وحلف الناتو، والعقوبات على روسيا، ودعم إسرائيل، وبيع الأسلحة، وقصف الدول التي لا تعجبنا... وإذا تعارضت، فليكن!"
هذا الرجل ليس ممثلاً. إنه سياسي أوروبي حقيقي، والفيلم ليس فيلماً، بل هو الواقع الذي نعيشه كل يوم. ولكن بما أن الواقع أصبح أكثر عبثية من أي خيال، قررنا أن نقدم لكم قراءة ساخرة جداً جداً لهذه "الديمقراطية الأوروبية" التي تُقدَّم لنا كمنتج فاخر، لكنها في الحقيقة أشبه بهاتف ذكي لا يعمل إلا داخل حدود معينة، وإذا خرجت من منطقتها الجغرافية، يتحول إلى قنبلة!
بلجيكا – ديمقراطية بنكهة الشوكولاتة والبطاطا المقلية
1. بلجيكا: عندما تصبح الديمقراطية لعبة ألغاز معقدة
بلجيكا، الدولة الجميلة التي تعطينا الشوكولاتة اللذيذة والبطاطا المقلية المقرمشة، تُقدَّم لنا كنموذج ديمقراطي متقدم. ولكن دعونا نفتح غلاف الشوكولاتة الأوروبية، لنرى ماذا يوجد بالداخل.
أولاً: التعددية اللغوية التي تشبه لعبة "المونوبولي" المصغرة
في بلجيكا، لدينا ثلاثة لغات رسمية: الهولندية والفرنسية والألمانية. وهذا يعني أن السياسي البلجيكي يجب أن يكون متعدد اللغات مثل مترجم الأمم المتحدة، وإلا سيفوّت فرصة سماع ما يقوله خصمه. ولكن المشكلة الأكبر هي أن كل منطقة لغوية تنتخب أحزابها الخاصة، مما يعني أن الحكومة البلجيكية تشبه وجبة عشاء عائلية حيث كل فرد يتحدث بلغة مختلفة ويصرخ في وجه الآخرين بسبب وصفات الطبخ المختلفة.
في عام 2010-2011، استغرقت تشكيل الحكومة البلجيكية 541 يوماً! نعم، 541 يوماً، أي أكثر من سنة ونصف من المفاوضات، والجدال، والبكاء، ورمي الكراسي، بينما كان المواطنون يشاهدون التلفزيون ويأكلون البطاطا المقلية ويتساءلون: "هل لدينا حكومة أم أننا دولة مستقلة دون أن نعلم؟"
بلجيكا هي الدولة الوحيدة في أوروبا الغربية التي يصنفها مؤشر الديمقراطية الأوروبي كـ"ديمقراطية معيبة". "معيبة"؟ هذا لطف في الوصف! إنها أشبه بسيارة مرسيدس جديدة ولكنها لا تشتغل إلا إذا رقصت رقصة التانغو حولها وقمت بتلاوة قصائد باللغة الفريزية القديمة.
ثانياً: التضخم البيروقراطي – أو كيف تصنع جهازاً حكومياً يحتاج إلى خريطة للتنقل فيه
في بلجيكا، لدينا حكومة فدرالية، وحكومات إقليمية (فلاندرز ووالونيا وبروكسل)، وحكومات محلية، ومجالس ثقافية، ولجان مشتركة، وهيئات تنظيمية، ووكالات تنفيذية. المواطن العادي يحتاج إلى جهاز GPS متطور وأستاذ في القانون الدستوري ليعرف أي جهة حكومية يجب أن يتوجه إليها لتغيير عنوانه.
هذا التضخم البيروقراطي ليس عيباً، بل هو ميزة! فكلما زاد عدد المسؤولين، قلَّت المسؤولية. عندما تحدث أزمة، يمكن للحكومة الفدرالية أن تشير إلى الحكومة الإقليمية، والحكومة الإقليمية تشير إلى الحكومة المحلية، والحكومة المحلية تشير إلى الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي يشير إلى الناتو، والناتو يشير إلى الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تشير إلى... الله؟ لا أحد يعرف، ولكن الجميع مرتاح لأن المسؤولية أصبحت محمولة على الجميع وبالتالي على لا أحد.
2. بلجيكا – مقر الناتو والاتحاد الأوروبي: أين الديمقراطية بالضبط؟
المشكلة الأكبر في بلجيكا ليست في بنيتها الداخلية، بل في موقعها الجغرافي. فبلجيكا هي مقر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وهذا يعني أن القرارات المصيرية، مثل الحرب والسلام والعقوبات والتحالفات، لا تُتخذ في البرلمان البلجيكي في بروكسل الوطنية، بل في البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي ومقر الناتو، وكلها مبانٍ جميلة تقع في بروكسل، ولكن المواطن البلجيكي لا يستطيع دخولها إلا إذا كان دبلوماسياً أو صحفياً أو ناشطاً مدنياً يحمل لافتة "لا للحرب!" فيتعرّض للرشق بالمياه الباردة.
تخيلوا معي لو أن منزلكم كان مقراً لشركة عالمية تدير شؤون العالم، وكل يوم يُتخذ قرار بفرض عقوبات أو شن حرب أو إسقاط نظام، وأنتم لا تملكون صوتاً في هذه القرارات. هذا هو واقع البلجيكي العادي. هو يعيش في "ديمقراطية انتخابية" حيث ينتخب نوابه، ولكن النواب يذهبون إلى بروكسل الأوروبية ليقرروا أشياء لا علاقة لها بما يريده الناخبون، ثم يعودون في المساء ليخبروا الناخبين: "نحن استمعنا لكم، ولكن الاتحاد الأوروبي والناتو قررا خلاف ذلك. شكراً لثقتكم!"
……….
الاتحاد الأوروبي – الديمقراطية التي فقدت بوصلتها بين بروكسل ووارسو وأثينا
1. الاتحاد الأوروبي: عندما تصبح المؤسسات فوق الوطنية آلة لصنع القرارات دون استشارة الشعب
الاتحاد الأوروبي يُقدَّم لنا كأعلى نموذج للديمقراطية الليبرالية، ولكن دعونا ننظر إلى بنيته المؤسسية:
· المفوضية الأوروبية: 27 مفوضاً يعينهم رؤساء الدول دون أن ينتخبهم الشعب. هؤلاء المفوضون يضعون القوانين التي تمس حياة 450 مليون أوروبي، وكأنهم آباء سبعة وعشرون يديرون أسرة كبيرة من الأطفال المشاغبين. · المجلس الأوروبي: رؤساء الدول والحكومات يجتمعون في غرف مغلقة ويتخذون قرارات مصيرية، مثل فرض عقوبات على روسيا، أو إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، أو فرض سياسات تقشف على اليونان. وهذه القرارات لا تحتاج إلى تصويت برلماني في معظم الحالات، لأن "الأمن القومي" و"السياسة الخارجية" هما من اختصاص المجلس، وليس البرلمان.
أزمة الديمقراطية الأوروبية: عندما يصرخ المواطنون ولا يسمعهم أحد
في العقد الأخير، شهدنا سلسلة من الأزمات التي كشفت هشاشة الديمقراطية الأوروبية:
· أزمة الديون اليونانية: فرض الاتحاد الأوروبي سياسات تقشف جائرة على اليونان، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد وارتفاع البطالة إلى أكثر من 25%، بينما كان المفوضون يجلسون في بروكسل ويوقعون الصفقات مع البنوك. · أزمة اللاجئين: عندما غرق آلاف المهاجرين في البحر المتوسط، كان الاتحاد الأوروبي يتجادل حول "حصص الدول" وكأنهم يوزعون كعكة، لا أرواح بشرية. · أزمة كوفيد-19: تخاذل الدول الأعضاء في التنسيق، وتعنت المفوضية في سياسات التطعيم، بينما كان المرضى يموتون في المستشفيات.
وأخيراً، أزمة أوكرانيا: حيث يرسل الاتحاد الأوروبي الأسلحة ويفرض العقوبات، ويصرح بأنه "يدافع عن الديمقراطية"، بينما الناتو يتوسع شرقاً ويهدد الأمن الروسي، والمجتمع الأوروبي ينقسم بين مؤيد ومعارض، ولكن القرارات تُتخذ في الغرف المغلقة.
2. الاتحاد الأوروبي: أداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية
الاتحاد الأوروبي ليس مجرد مشروع تكامل سلمي، بل هو أيضاً أداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية على الدول الأضعف. وفي هذا السياق، نجد أن:
· سياسات التقشف: تُفرض على دول الجنوب (اليونان، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال) باسم "الانضباط المالي"، ولكن في الواقع هي أداة لإعادة توزيع الثروة من الفقراء إلى الأغنياء، ومن الجنوب إلى الشمال. · الضغوط الاقتصادية: تُمارس على دول الجوار (البلقان، شرق أوروبا، المتوسط) لإجبارها على الانضمام للاتحاد الأوروبي أو التوقيع على اتفاقيات تجارية غير متكافئة. · الناتو: الذراع العسكرية للاتحاد الأوروبي، ولكنها أداة أمريكية في الأساس. وحلف الناتو، كما نعلم، لا يتردد في قصف الدول التي لا تعجبها، باسم "القيم الديمقراطية".
فيلم رعب: حينما يتحول الناتو من حلف دفاعي إلى منظمة هجومية
في عام 1999، عندما قصفت دول الناتو يوغسلافيا، كان الاتحاد الأوروبي متحمساً لدعم القصف، خاصة ألمانيا التي كانت أكثر الدول حماساً (نعم، نفس ألمانيا التي تشعر بالذنب تجاه الهولوكوست، كانت تقصف صربيا بشراسة). والغريب أن صربيا كانت قد قُتِل فيها آلاف اليهود في الهولوكوست، ولكن "عقدة الذنب الألمانية" لا تشمل إلا يهود إسرائيل، وليس يهود البلقان.
هل رأيتم التناقض؟ ألمانيا تشعر بالذنب تجاه يهود إسرائيل، ولكنها لا تشعر بأي ذنب تجاه يهود البلقان، وتقصفهم بكل فرح. إنها مثل قاتل متسلسل يقول: "أنا آسف جداً لأنني قتلت ضحية رقم 1، ولكن الضحية رقم 2 كانت في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، لذا لا أشعر بالذنب تجاهه."
………..
الإعلام الغربي – عندما يصبح الصحفي ممثلاً في مسلسل "صراع العروش" السياسي
1. الإعلام كمنتج سرديات: كيف يصنعون الحقائق كما تصنع شركات الأزياء الموضة
الإعلام الغربي، هذا الصرح العظيم الذي يُفترض أنه ينقل الحقيقة، تحول إلى مصنع للسرديات السياسية. وكما تصنع شركات الأزياء موضة جديدة كل موسم، يصنع الإعلام الغربي "حقائق" جديدة كل أزمة.
في حرب يوغسلافيا، كان الإعلام الغربي يقدم الصرب كـ"شر مطلق" ويصورهم كوحوش يأكلون الأطفال. وفي حرب العراق، كان الإعلام يصور صدام حسين كـ"هتلر الجديد" الذي يمتلك أسلحة دمار شامل (لم يجدوها بعد 20 عاماً). وفي حرب ليبيا، كان الإعلام يصور القذافي كـ"مجنون" يضرب شعبه بالطائرات (مع أن الثوار كانوا أيضاً يقتلون المدنيين). وفي حرب سوريا، كان الإعلام يصور الأسد كـ"ديكتاتور" بينما يهمش دور التنظيمات الإرهابية.
قاعدة ذهبية في الإعلام الغربي: إذا كانت الدولة صديقة لنا، فهي ديمقراطية؛ وإذا كانت عدوة لنا، فهي ديكتاتورية
هذه القاعدة تنطبق على كل شيء:
· السعودية: دولة ملكية لا يوجد فيها برلمان منتخب، ولكنها صديقة للغرب، فهي "ديمقراطية إصلاحية"! · إسرائيل: دولة فصل عنصري واضح، ولكنها صديقة للغرب، فهي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"! · الصين: دولة اشتراكية تحكمها الحزب الشيوعي، ولكنها منافسة للغرب، فهي "ديكتاتورية"! · روسيا: دولة ديمقراطية فيها انتخابات وتعددية حزبية، ولكنها عدوة للغرب، فهي "استبدادية"!
يا للروعة! هذه ازدواجية معايير تجعل الميزان الأخلاقي يبدو وكأنه في حالة سكر دائم!
2. "ما بعد الحقيقة" – عندما تصبح العاطفة أهم من الوقائع
في عصر "ما بعد الحقيقة"، أصبحت العاطفة والخوف والكراهية أهم من الحقائق. فبدلاً من تحليل الأحداث بعقلانية، يقدم الإعلام الغربي قصصاً عاطفية تثير الرعب أو الشفقة، ثم يطلب من المشاهدين التصويت لصالح الحرب أو العقوبات أو التدخلات العسكرية.
مثال: في حرب كوسوفو، ركز الإعلام على صور اللاجئين الألبان وصور الأطفال الجرحى، وتجاهل تماماً أن الناتو كان يقصف المدنيين الصرب، وأن آلاف الصرب قتلوا في القصف. وعندما تحدث صحفيون مستقلون عن ذلك، تم وصفهم بأنهم "مدافعون عن الديكتاتور ميلوسوفيتش".
الإعلام الغربي: ليس مجرد ناقل للأحداث، بل منتج للواقع نفسه
في عالم "ما بعد الحقيقة"، ينتج الإعلام الغربي "واقعاً" موازياً، ثم يفرض هذا الواقع على الجمهور بالقوة الإعلامية. وإذا خرج أحد عن هذا الواقع، يُتهم بأنه "مؤامرة" أو "دعاية" أو "معاداة للسامية" أو "إرهاب فكري".
وهذا ما حدث مع يوغسلافيا: الإعلام الغربي أنتج صورة الصرب كـ"شر مطلق"، وبناءً على هذه الصورة، تم قصفهم بقنابل الناتو. وبعد القصف، سأل المواطنون الأوروبيون: "لماذا قصفنا الصرب؟" فأجاب الإعلام: "لأنهم شر مطلق، وقد أخبرناكم بذلك". حلقة مفرغة لا تنتهي.
………..
يوغسلافيا – كيف تُدمَّر اليوتوبيا عبر السرد قبل القنابل
1. يوغسلافيا: دولة اشتراكية مستقلة ومزعجة للغرب
كانت يوغسلافيا دولة اشتراكية غير تابعة لموسكو، وعضواً مؤسساً لحركة عدم الانحياز، ونموذجاً للتعايش بين القوميات المتعددة، وتجربة فريدة في الإدارة الذاتية للعمال.
هذه الدولة كانت مزعجة جداً للغرب لأسباب عدة:
· لأنها تُظهر إمكانية وجود نموذج اشتراكي ناجح غير سوفييتي. · لأنها كانت تقف ضد الاستعمار والهيمنة الغربية. · لأنها كانت تملك جيشاً قوياً واستقلالية سياسية.
الأمر أشبه بجارة جميلة تجلس في حديقة منزلها وتقرأ كتاباً، بينما ينظر إليها الجيران الغربيون ويتساءلون: "كيف يمكن لهذه المرأة أن تكون سعيدة دون أن تشتري سياراتنا ومنتجاتنا؟ يجب أن ندمرها!"
2. تفكيك يوغسلافيا: من الإعلام إلى القنابل
تفكك يوغسلافيا لم يكن مجرد "انهيار داخلي"، بل كان مشروعاً متكاملاً يشمل:
· صعود قوميات متطرفة تم تمويلها من الخارج. · حرب إعلامية ضخمة صورت الصرب كـ"شر مطلق". · ثم تدخل عسكري مباشر بقصف الناتو ليوغسلافيا عام 1999.
الإعلام الغربي في حرب يوغسلافيا: عندما يصبح الصحفيون دعاة حرب
في تغطيتها لقصف الناتو، استخدمت وسائل الإعلام الغربية تعابير ملطفة مثل "ألعاب نارية" لوصف القصف، مما حوّل العنف والموت إلى احتفال. كما أنها تجاهلت حقيقة أن الناتو تحول من حلف دفاعي إلى منظمة هجومية تفرض السلام بالقنابل.
يوغسلافيا لم تنهر وحدها، بل أُنهِرت عبر السرد قبل القنابل
ما فعله الإعلام الغربي في يوغسلافيا هو إعادة كتابة تاريخها بالكامل. فبدلاً من أن تكون تجربة اشتراكية وحركة تحرر وطني، صُوِّرت كدولة فاشلة متخلفة عنيفة، وكأنها لم تكن سوى مجموعة من القبائل المتحاربة. وهكذا، تم محو اليوتوبيا اليوغسلافية من الوعي الجماعي، واستُبدلت بصورة "دولة فاشلة" تستحق القصف.
……….
الديمقراطية كأداة هيمنة – كيف تُستعمل الديمقراطية لتدمير الدول
1. الديمقراطية كغطاء للتدخل
في الخطاب الغربي، تُستعمل كلمة "الديمقراطية" لتبرير:
· العقوبات على دول معينة. · التدخلات العسكرية. · تغيير الأنظمة. · دعم حركات أو نخب معينة ضد أخرى.
ولكن هذه الممارسات لا تخضع لأي استفتاء شعبي عالمي، ولا لآليات ديمقراطية حقيقية على مستوى النظام الدولي. بل تُقرَّر في غرف مغلقة، ثم تُسوَّق إعلامياً كأنها "إرادة الشعب" أو "القيم العالمية".
مثال على العبث: "الحرب الإنسانية" في يوغسلافيا
في حرب كوسوفو، قال قادة الناتو: "نحن نقصف يوغسلافيا لحماية المدنيين الألبان". ولكن قصف الناتو قتل أكثر من 500 مدني صربي، وهجّر آلاف الصرب من كوسوفو، ودمر البنية التحتية للدولة. والسؤال: هل كان هذا "إنسانياً"؟ أم أنه كان "هيمنة" مغلفة بخطاب إنساني؟
2. ديمقراطية الداخل وهيمنة الخارج
المعادلة بسيطة:
· في الداخل: ديمقراطية إجرائية (انتخابات، برلمانات، صحافة). · في الخارج: سياسات قوة (ناتو، عقوبات، تدخلات، إعادة كتابة صورة الدول).
المواطن الأوروبي يعيش ديمقراطية نسبية داخل حدوده، ولكن دولاً أخرى تُدمَّر باسم هذه الديمقراطية. والإعلام يلعب دوراً في إقناع المواطن بأن هذه الحروب "عادلة" و"إنسانية".
المواطن الأوروبي: ضحية أم شريك في الجريمة؟
المواطن الأوروبي ليس ضحية بريئة، لأنه ينتخب الحكومة التي تشن هذه الحروب، ويصوت للسياسيين الذين يقررون هذه السياسات، ويشاهد الإعلام الذي يبرر هذه الجرائم. ولكن في الوقت نفسه، المواطن الأوروبي محاصر في نظام إعلامي وسياسي يتحكم في وعيه، ويقدم له الحقائق من زاوية واحدة فقط.
………
هل يمكن للديمقراطية أن تكون حقيقية وهي تُستعمل لتدمير الآخرين؟
1. شروط الديمقراطية الحقيقية: العدالة الدولية أولاً
الديمقراطية الحقيقية لا تقتصر على الانتخابات والبرلمانات، بل تتطلب:
· احترام السيادة الوطنية للدول الأخرى. · الامتناع عن التدخل العسكري باسم "القيم الديمقراطية". · الاعتراف بأن كل شعب له الحق في تقرير مصيره دون إكراه خارجي.
الناتو: عقبة في طريق الديمقراطية
ما دام الناتو موجوداً، وما دامت الولايات المتحدة تهيمن على قراراته، وما دامت أوروبا تتبع السياسة الأمريكية في كل شيء، فإن الديمقراطية الغربية ستظل ديمقراطية مشوهة، لأنها تُستخدم كأداة للهيمنة الخارجية.
2. يوغسلافيا نموذجاً: لماذا لم تتعلم أوروبا الدرس؟
بعد تدمير يوغسلافيا، توقعت أوروبا أن تحل السلام والاستقرار في البلقان. ولكن ماذا حدث؟
· كوسوفو أصبحت دولة فاشلة تعتمد على المساعدات الدولية، وتعاني من الفساد والجريمة المنظمة. · صربيا أصبحت دولة معزولة اقتصادياً، تعاني من البطالة والفقر. · البوسنة أصبحت دولة هشة، مقسمة على أسس عرقية، تنتظر الانفجار في أي لحظة.
هذه هي نتيجة "الديمقراطية" التي تُفرض بالقنابل. إنها لا تبني دولاً، بل تدمرها.
……….
سؤال أخير – من يكتب رواية الديمقراطية؟
في النهاية، نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: هل الديمقراطية الغربية نظام حكم أم أداة هيمنة؟
الجواب: إنها نظام حكم في الداخل، وأداة هيمنة في الخارج. وهي ليست نظاماً متكاملاً، بل هي نظام ناقص، يعاني من أزمة بنيوية في الداخل (الفجوة بين المؤسسات والشعوب، صعود الشعبويات، الأزمات المتراكمة)، وأزمة أخلاقية في الخارج (الناتو، العقوبات، التدخلات، إعادة كتابة صورة الدول).
ما تكشفه تجربة يوغسلافيا، وما تكشفه بنية بلجيكا والاتحاد الأوروبي، هو أننا أمام ديمقراطية مزدوجة المعايير: تُمارَس داخل حدود معينة، وتُستعمل خارج هذه الحدود كأداة لإعادة كتابة العالم، وتدمير تجارب سياسية بديلة.
الديمقراطية هنا ليست قيمة كونية، بل أداة قوة.
والسؤال الحقيقي ليس: "هل الغرب ديمقراطي؟"، بل: "هل يمكن لديمقراطية أن تكون حقيقية وهي تُستعمل لتدمير الآخرين؟"
……..
مشهد ختامي ساخر: مونولوج لسياسي أوروبي في آخر الليل
سياسي أوروبي يجلس في غرفة فندق فاخرة في بروكسل، ينظر من النافذة إلى مباني الاتحاد الأوروبي والناتو. يشرب كأساً من النبيذ، ويبتسم ابتسامة غامضة.
السياسي: (لنفسه، بهدوء) أيها العالم المسكين... أنت تعتقد أننا ندافع عن الديمقراطية... أنت تعتقد أننا نحارب من أجل الحرية... ولكن الحقيقة... (يضحك) نحن ندافع عن مصالحنا. نحن نحمي بنوكنا. نحن نضمن هيمنتنا. الديمقراطية؟ (يسخر) الديمقراطية هي مجرد كلمة سحرية نستخدمها لتبرير كل شيء.
ينظر إلى صورته في المرآة، ويبتسم.
السياسي: غداً، سأقف في البرلمان الأوروبي وأتحدث عن "حقوق الإنسان" و"القيم الأوروبية". وسيصفق لي الجميع. وسيصدقني البعض. ولكن في الليل، عندما أعود إلى غرفتي، سأعرف أن كل ما قلته كان كذباً. ولكن من يهتم؟ السياسة ليست أخلاقاً، إنها لعبة. وأنا أجيد اللعب.
يطفئ الضوء، ويسقط الستار.
النهاية الساخرة.
………
ملحق ساخر: مسابقة "من هو الأكثر ديمقراطية؟"
الدولة عدد الأيام لتشكيل الحكومة عدد الوزارات لكل مليون مواطن مستوى الديمقراطية (من 10) بلجيكا 541 يوم (رقم قياسي!) 14 وزيراً لكل مليون 6.5 (معيبة!) ألمانيا 173 يوم 8 وزراء لكل مليون 8.2 (لكن عقدة الذنب!) اليونان أبداً (لا حكومة مستقرة) 20 وزيراً لكل مليون 5.0 (في أزمة!) الاتحاد الأوروبي لا أحد يعرف لا أحد يعرف مفقود (مختفي في غرف مغلقة!)
الجائزة الكبرى: تذهب إلى بلجيكا، لكونها الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تكون ديمقراطية ومعيبة في نفس الوقت!
……..
هذا المقال ساخر جداً، ولكن الحقيقة وراء السخرية هي أن الديمقراطية الغربية، كما تُمارس اليوم، هي نظام هيمنة مغلف بخطاب جميل. والأسوأ أن هذا الخطاب يُستخدم لتبرير الجرائم والإبادات، كما حدث في يوغسلافيا، وكما يحدث اليوم في فلسطين وأوكرانيا وأماكن أخرى. السخرية ليست تهرباً من الجدية، بل هي وسيلة لكشف العبث الذي يحيط بنا.
"الديمقراطية الغربية: اشترِ واحدة الآن، واحصل على قنبلة مجانية!"
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث
...
-
الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت
...
-
مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
-
مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف
...
-
الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو
...
-
مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
-
-سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
-
الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا
...
-
مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف
...
-
تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ
...
-
أساليب -غَوبِلْز الجديدة- في الدعاية التحريضية خدمة لسلطة رأ
...
-
شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
-
دراسة مقارنة: -قوس قزح بروكسل الرمادي- في سياق الأدب البلجيك
...
-
تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأو
...
-
نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
-
مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف
...
-
مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
-
كيف صاغ المال الخليجي والوهابية وتركيا وخصخصة بيروت انهيار ا
...
-
مسرحية -العدالة في زمن الخرتيت- أو -القاضي والأمريكي والجثة
...
-
ذهب الساحل وأسلحة أوروبا: صراع الهيمنة في عقر دار أفريقيا
المزيد.....
-
تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
-
-في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط
...
-
ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ
...
-
بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ
...
-
بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا
...
-
من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي
...
-
الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة
...
-
اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا
...
-
لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟
...
-
وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر
المزيد.....
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
-
صديقي الذي صار عنزة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|