أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة















المزيد.....

تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 23:59
المحور: الادب والفن
    


تمهيد: في حضرة الخريطة التي ضحكت

---

أو: كيف يبدأ العالم حين يتوقف عن رسم نفسه

---

أولاً: قبل أن نفتح الأطلس

هناك لحظات في التاريخ لا تُقرأ، بل تُعاش. لحظات تشبه النوافذ التي تُفتح فجأة على حديقة لم تكن موجودة قبل ثانية. ولحظات أخرى تشبه الضحكات التي تخرج من بئر عميقة، لا يعرف أحد كيف وصلت إلى هناك، ولا لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات لتعلن عن نفسها.

هذه الرواية، التي بين يديك الآن، تحاول أن تلتقط إحدى تلك اللحظات. إنها ليست رواية عن الجغرافيا، بل عن الجغرافيا وهي تضحك. ليست عن الخرائط، بل عن الخرائط وهي تتمرد. ليست عن السياسة، بل عن السياسة وهي تخلع ثيابها الرسمية وتجلس على مقعد في حديقة عامة، تأكل آيس كريم وتتساءل: كيف وصل بي الأمر إلى هنا؟

في قلب هذه الرواية يقف رجل. ليس بطلاً، بل مفكراً استراتيجياً ظن أن العالم رقعة شطرنج، وأنه النخّاس الأوحد في تاريخ البشرية. قضى ثلاثين عاماً يرسم حدوداً، ويحرك قطعاً، ويخطط لتحالفات، ويمنع لقاءات، ويغلق مضائق، ويفتح جبهات. ثم اكتشف، في يومٍ ما، أن الخريطة التي كان يرسمها لم تكن سوى مرآة لوجهه المتجهم. وأن العالم، بينما هو منهمك في الرسم، كان يضحك من فوق كتفه.

تلك الضحكة هي ما تحاول هذه الرواية أن ترويها. ضحكة القارات وهي تستيقظ من سباتها الطويل. ضحكة الأنهار وهي تعيد تشكيل مجاريها. ضحكة الحدود وهي تذوب كالسكر في الماء. ضحكة الشعوب التي كانت مجرد نقاط على خريطة، فإذا بها بستانيون يزرعون حدائق فوق حقول الألغام.



ثانياً: عن الخرائط التي تتنفس

في البدء كانت الخريطة. ليس الخريطة التي نعرفها، تلك المطبوعة على ورق، والمعلقة على جدران المدارس، والمرسومة بألوان تخدع العين. بل خريطة حية، تتنفس، تنام، تحلم، وتستيقظ حين تشاء. خريطة لا تخضع لمسطرة، ولا تستجيب لقلم، ولا تلتزم بحدود رسمها دبلوماسيون متعبون في مؤتمرات باريسية.

هذه الخريطة تعيش في زمن آخر. زمن لا تعرفه التقاويم، ولا تسجله الساعات. زمن يتدفق كالنهر، لا كالعقارب. زمن تختلط فيه الأزمنة: الماضي لا ينتهي، والمستقبل لا يبدأ، والحاضر لا يستقر على حال.

في هذا الزمن، كانت أوراسيا تبدو كعملاق هائل، مستلقٍ على جنبه، يغطّ في نوم ثقيل. جبالها كانت ضلوعه، وأنهارها شرايينه، وغاباتها رئتيه، وبحارها دموعه التي جفت منذ زمن بعيد. كان العملاق يحلم حلمين متناقضين: في الحلم الأول، كان يرى نفسه مقطّعاً إلى دول تتصارع على جلده. وفي الحلم الثاني، كان يرى نفسه حديقة واحدة، تمتد من شروق الشمس إلى غروبها، وتزهر فيها كل الأزهار في آن واحد.

كان الناس، في تلك الأثناء، يعيشون فوق هذا العملاق دون أن يدركوا أنه حيّ. كانوا يرسمون على جلده خطوطاً، ويضعون عليها أسماء، ويحفرون فيها خنادق، ويبنون فوقها قلاعاً. وكان العملاق يئنّ أحياناً، لكنهم كانوا يظنون أن الأصوات قادمة من باطن الأرض، أو من محركات الدبابات البعيدة.

ثم جاء رجل، في يومٍ من الأيام، وقرر أن العملاق لا بد أن يكون رقعة شطرنج. لم يكن الرجل شريراً، بل كان مؤمناً بقضيته إيماناً عميقاً. كان يعتقد أن الجغرافيا هي القدر، وأن الحدود هي الأقدار، وأن اللعبة الوحيدة الجديرة بالاهتمام هي لعبة السيطرة على المساحات. كان يحمل أطلساً لا يفارقه، يسميه "دستوره المقدس". وكان يرى في كل تحرك عسكري نقلة شطرنج، وفي كل معاهدة تبادل قطع، وفي كل حصار إغلاق زاوية.

لكن العملاق، كما تعلمون، كان يحلم. وفي أحد أحلامه، قرر أن يضحك. ليس ضحكة عادية، بل ضحكة تزلزل الجبال، وتفتح الأنهار، وتعيد تشكيل الحدود كما يعيد الطفل تشكيل رمل الشاطئ. تلك الضحكة هي التي دخلت غرفة الرجل ذات ليلة، وهي التي بدأت كل شيء.



ثالثاً: عن الرجل الذي ظن نفسه لاعباً

ما زلت أتذكر بروفيسور مونودوموس كما رأيته أول مرة: واقفاً أمام خريطة ضخمة، يحرك قطعاً من العاج، ويشرح لمرءوسيه أن العالم لا يخلو من نظام، وأن النظام لا يتحقق إلا بيد حازمة، وأن اليد الحازمة لا بد أن تكون أمريكية.

كان مونودوموس يبدو، في تلك اللحظة، كقائد أوركسترا يعزف سيمفونية صامتة. يرفع يده اليمنى فيشير إلى روسيا، ويرفع اليسرى فيشير إلى الصين، ثم يضرب بقبضته على الطاولة فيعلن: "هنا تمركز قواتنا." كان الجميع يصغون باهتمام، لأن كلامه كان يحمل نبرة الحقيقة المطلقة، تلك النبرة التي لا تترك مجالاً للشك.

لكن ما لم يكن يعرفه مونودوموس، وما لم يكن أحد من الحاضرين يعرفه، أن الخريطة التي كان يشير إليها كانت، في تلك اللحظة بالذات، تبتسم. نعم، كانت تبتسم. كانت حدود أوراسيا ترتعش قليلاً، كمن يكتم ضحكة. وكانت القارات تتبادل النظرات، كتلاميذ يخبئون مقشة تحت الطاولة.

مونودوموس لم يرَ الابتسامة. لم يرَها لأنه لم يكن ينظر إلى الخريطة ككيان حي، بل كأداة صامتة. كانت عيناه ترى فقط الخطوط والألوان والأسهم، لكنها لم ترَ ما بين الخطوط: الحياة التي تتدفق، والناس الذين يولدون ويموتون، والأحلام التي تسافر أبعد من أي حدود.

والآن، بعد أن سمع ضحكة العملاق، بدأ مونودوموس يرى. أولاً، رأى أن خريطته كانت تشبهه: جامدة، متجهمة، مقتنعة بصحتها المطلقة. ثم رأى أن الخريطة الأخرى، تلك التي جلبتها الريح، كانت تشبه العالم: متدفقة، متغيرة، وتضحك حين يشتد الجد.

لم يكن التحول سهلاً. فالرجال الذين قضوا ثلاثين عاماً في رسم الحدود لا يغيرون قناعاتهم بين عشية وضحاها. لكن الضحكة كانت قوية. كانت كزلزال خفيف، هزّ أركان الغرفة، وجعل قطع الشطرنج تتطاير في الهواء، وتسقط على الأرض مبعثرة كحروف كلمة لم تُكتب بعد.



رابعاً: عن السوق الذي لا يظهر في الخرائط

في مكان ما، بعيداً عن غرف العمليات وقاعات المؤتمرات، كان هناك سوق. لم يكن سوقاً عادياً، بل سوقاً تلتقي فيه البضائع من كل القارات دون جوازات سفر، ودون رسوم جمركية، ودون أسئلة محرجة. في هذا السوق، كان الصينيون يبيعون رقائق إلكترونية لروس، والروس يبيعون غازاً لإيرانيين، والإيرانيون يبيعون مفاتيح بحرية لأتراك، والأتراك يبيعون شاياً لكل من يمر.

كان الباعة في هذا السوق يضحكون طوال الوقت. لم يكونوا يسخرون من أحد، بل كان الضحك طبيعتهم الثانية. كانوا يعرفون أن العالم الذي يعيشون فيه ليس هو العالم الذي ترسمه الخرائط الرسمية. كانوا يعرفون أن الحدود التي يفخر بها الدبلوماسيون ليست سوى خطوط وهمية، يمكن عبورها بابتسامة، أو بقبضة نقود، أو بمجرد تجاهل.

وفي زاوية من هذا السوق، كان تاجر خرائط عجوز يجلس على كرسيه الخشبي. لم يكن يبيع خرائط عادية، بل خرائط لا تشبه أي خريطة أخرى. كانت خرائطه تُظهر أشياء لا تراها العين: طرقاً تحت الأرض، وأنهاراً تطير في الهواء، وجسوراً تصل بين أحلام مختلفين. وكان يقول لمن يسأله: "هذه الخرائط ليست للملاحة، بل للدهشة."

ذات يوم، دخل السوق رجل غريب. كان يرتدي بدلة رمادية اللون، ويحمل أطلساً تحت إبطه. نظر حوله، ورأى الباعة يتبادلون البضائع دون أوراق رسمية، ورأى العملاء يدفعون بعملات لا يعرفها، ورأى الخرائط الغريبة التي تعرض على الحائط. فتح فمه ليتكلم، لكن التاجر العجوز سبقه بالكلام:

العجوز: أهلاً بك في السوق الذي لا يظهر في الخرائط. هنا، كل شيء ممكن، ما عدا الشيء الوحيد: أن تشتري شيئاً لا تحتاجه.

الغريب: لكن هذا السوق غير قانوني!

العجوز: القانون يصنعه من يملك الخرائط. وهنا، لا أحد يملك الخرائط. الخرائط هنا تُعار، ثم تُعاد، ثم تُنسى. لأنه، في النهاية، ليست الخريطة هي التي تحدد المكان، بل المكان هو الذي يعيد رسم الخريطة.

لم يفهم الغريب الكلام، لكنه شعر بفضول غريب. اشترى خريطة صغيرة، كانت فارغة في المنتصف ومكتوب على حوافها: "أنت هنا، لكنك لست مضطراً للبقاء." ثم غادر، وهو يحس أن شيئاً ما قد تغير في داخله.

ذلك الغريب، كما قد تكونون خمنتم، كان مونودوموس في رحلة سرية. خرج من غرفته ليرى العالم بعينيه، قبل أن يعود ليرسمه مجدداً. لكنه لم يكن يعلم أن تلك الخريطة الصغيرة ستغير كل شيء.



خامساً: عن الحديقة التي كانت حرباً

في أرض بعيدة، كانت الخنادق تتحول إلى قنوات ري، والأسلاك الشائكة تتحول إلى تعريشات عنب، والدبابات المتصدئة تتحول إلى أواني لزراعة الزهور. كان المشهد يبدو كحلم، لكنه كان حقيقة. حقيقة بدأت ببذرة واحدة، زرعها رجل كان بالأمس قائداً عسكرياً، واليوم أصبح بستانياً.

الوكيل، كما كان يُسمّى، وقف وسط حقله ونظر حوله. كانت الأرض التي كان يدافع عنها بالأمس تبتسم له اليوم. كان السماء فوقها صافية، والنسيم يمرّ بين السنابل كأنه يقرأ قصيدة. جلس على صخرة، وأخرج دفتراً صغيراً، وكتب:

"كنت أظن أن الأرض لي إلا جبهة
فإذا بها حضنٌ دافئٌ ينتظر البذور
كنت أظن أن جيراني أعداء
فإذا بهم بستانيون مثلي
يحلمون بزهرةٍ تنبت بين حقولنا
كأنها مصافحةٌ لا تنتهي"

كان الوكيل يعلم أن العالم من حوله يتغير. كان يسمع أخباراً عن تحالفات جديدة، عن حدود تذوب، عن مضائق تفتح. لكنه لم يكن مهتماً بالسياسة بقدر اهتمامه بتربة حقله. فقد اكتشف أن الأرض لا تكذب. الأرض لا تضع شروطاً، ولا تطلب تأشيرات، ولا تفرض عقوبات. الأرض تقبل كل البذور، وتنبت كل ما يُزرع، دون أن تسأل عن جنسية البذرة، أو لونها، أو دينها.

في المساء، زاره جاره الروسي، الذي كان يحمل دلو ماء من بئره. جلسا معاً تحت شجرة زيتون كانت قد نمت بين حقليهما، كأنها تريد أن تقول لهما: "حدودكما وهم، وجذوري تمتد تحتها."

الوكيل: هل تعتقد أن العالم سيتغير حقاً؟

الجار الروسي: العالم يتغير دائماً. لكننا كنا مشغولين بالخرائط لدرجة أننا لم نلحظ.

الوكيل: وماذا عن الغرب؟

الجار الروسي: الغرب مشغول بمراجعة خرائطه القديمة. سيستغرق الأمر بعض الوقت، لكنهم سيكتشفون في النهاية أن الخرائط التي رسموها لم تكن سوى ظلال لأوهامهم.

الوكيل: إذن، نحن في بداية عصر جديد.

الجار الروسي: نحن في بداية حديقة جديدة. والعصر الجديد لا يُعلن بالمدافع، بل بالأزهار.

وهكذا، بين حقليهما، نبتت أول زهرة من نوعها: زهرة كانت نصفها روسية ونصفها أوكرانية، لكنها كانت كلها أوراسية. وتلك الزهرة، حين تفتحت، أطلقت عبيراً جعل كل من شمّه يضحك.



سادساً: عن الضحكة التي غيرت الخريطة

الضحكة، أيها القارئ، ليست مجرد انقباض لعضلات الوجه. الضحكة هي انقلاب في المنطق. هي لحظة يكتشف فيها العقل أن ما كان يظنه حقيقة هو مجرد احتمال، وأن ما كان يراه ثابتاً هو مجرد وهم، وأن ما كان يخافه هو مجرد خيال.

ضحكة العملاق الأوراسي كانت من هذا النوع. لم تكن ضحكة ساخرة، ولا ضحكة استهزاء، ولا ضحكة تشفي غيظاً. كانت ضحكة استيقاظ. ضحكة من يفتح عينيه بعد نوم طويل، ويرى أن العالم الذي كان يحلم به ليس أسوأ مما هو عليه، بل ربما أفضل.

تلك الضحكة دخلت غرف العمليات في واشنطن، وغرف القيادة في موسكو، وغرف التخطيط في بكين، وغرف المراقبة في تل أبيب. وفي كل مكان، أحدثت ارتباكاً. لم يكن أحد يعرف كيف يتعامل مع ضحكة قادمة من تحت الأرض، من قلب القارة التي كانوا يتنافسون عليها.

لكن بعض الناس، وهم الأذكياء، قرروا أن يضحكوا معها. هؤلاء هم الذين فهموا أن الجغرافيا ليست قدراً، وأن الحدود ليست أقداراً، وأن الخرائط ليست حقائق. هؤلاء هم الذين زرعوا حدائقهم فوق حقول الألغام، وفتحوا مضائقهم أمام السفن، وبنوا جسورهم بين القلوب.

سيدة القارة، التي ظهرت في أحلام الكثيرين، قالت لهم ذات ليلة: "لا تخافوا من الضحكة. إنها صوت الأرض وهي تتنفس. الأرض كانت محبوسة في أطالسكم، والآن تريد أن تخرج. دعوها تخرج."



سابعاً: عن القارئ الذي سيقرأ هذه السطور

أما أنت، أيها القارئ، الذي تمسك الآن بهذا الكتاب وتتساءل: هل هذه الرواية عني؟ فالإجابة: نعم، بل عنك أنت أيضاً. لأن كل إنسان يحمل خريطة في داخله. خريطة رسمها له أهله، ومدرسته، ووطنه، وتجاربه. وهذه الخريطة، مهما كانت دقيقة، تبقى مجرد خريطة. والحقيقة، كما تعلم، لا تُرى على الخرائط، بل تُعاش في الحياة.

ربما أنت أيضاً، مثل مونودوموس، ظننت أن العالم رقعة شطرنج، وأن عليك أن تختار بين حركات محددة سلفاً. ربما أنت أيضاً، مثل الوكيل، وجدت نفسك ممزقاً بين قطبين، لا تدري أين تقف. ربما أنت أيضاً، مثل رجل الصحراء، تبحث عن هوية بين الرمال المتغيرة.

هذه الرواية تدعوك لأن تضحك قليلاً. ليس لأن العالم مضحك، بل لأن الجد المفرط هو الذي جعلنا نرسم خرائط تفصلنا، بدل أن نبني حدائق تجمعنا. الضحك، هنا، ليس هروباً من الواقع، بل هو طريقة أخرى لرؤيته. طريقة لا تستخدم المسطرة، بل تستخدم العجب.

في الصفحات القادمة، ستلتقي بشخصيات قد تبدو غريبة، وقد تبدو مألوفة. ستسافر عبر أوراسيا دون أن تغادر كرسيك. ستشاهد خرائط تتنفس، وحدائق تنبت فوق خنادق، وجسوراً مبنية من الضحك. وربما، في النهاية، ستجد أن الخريطة الحقيقية ليست تلك المرسومة على ورق، بل تلك التي ترسمها بخطواتك أنت.



ثامناً: عن أوراسيا التي أصبحت حديقة

في آخر المطاف، تحولت أوراسيا إلى حديقة. ليست حديقة بالمعنى النباتي، بل حديقة من المعاني. حديقة تتسع لكل الثقافات، وتحتضن كل الاختلافات، وتزهر بكل الألوان. حدودها لم تعد أسلاكاً شائكة، بل صفوفاً من الزهور. ومضائقها لم تعد نقاط توتر، بل بوابات مفتوحة. وقادتها لم يعودوا جنرالات، بل بستانيين.

هذا التحول لم يحدث بين عشية وضحاها. لقد استغرق سنوات، بل عقوداً. لكنه حدث، لأنه كان ممكناً. لأنه كان حلماً ينتظر من يزرعه.

مونودوموس، الذي بدأ هذه الرحلة كرسام خرائط، انتهى بها كبستاني. جلس تحت شجرة الزيتون التي نبتت بين حقلي الوكيل وجاره الروسي، وشرب شاي أوراسيا، وأخذ نفساً عميقاً. ثم قال، وكأنه يخاطب العالم بأسره:

"كنت أظن أن العالم رقعة شطرنج
والآن أعرف أنه حديقة
كنت أظن أن السيطرة هي الهدف
والآن أعرف أن المشاركة أجمل
كنت أظن أن الخرائط تحدد المصير
والآن أعرف أن الخطوات تصنع الخريطة"

وتلك، أيها القارئ، هي الحكاية. حكاية رجل تعلم أن يضحك، وقارة تعلمت أن تتنفس، وعالم تعلم أن الحدود ليست سوى خطوط على ورق، يمكن محوها بابتسامة.



تاسعاً: قبل أن تبدأ الرحلة

هذه الرواية لا تريد منك أن تصدق كل ما فيها. بل تريد منك أن تتساءل: ماذا لو كان كل هذا ممكناً؟ ماذا لو كانت الخرائط التي نؤمن بها مجرد ظلال؟ ماذا لو كانت الحدود التي ندافع عنها مجرد أوهام؟ ماذا لو كان الضحك هو اللغة الوحيدة التي تفهمها الأرض؟

إنها دعوة للتخيل. ليس التخيل الهروب، بل التخيل الذي يفتح أبواباً. لأن كل تغيير حقيقي في التاريخ بدأ بخيال. خيال أن العالم يمكن أن يكون مختلفاً، وأن البشر يمكن أن يعيشوا معاً، وأن الحدود يمكن أن تصبح جسوراً.

في الصفحات القادمة، ستجد شخصيات قد تبدو مبالغاً فيها، لكنها ليست كذلك. إنها مجرد مرايا، تعكس جوانب منا جميعاً. ستجد مواقف قد تبدو سريالية، لكنها ليست بعيدة عن واقعنا بقدر ما نظن. وستجد ضحكات قد تبدو غريبة، لكنها قد تكون أكثر صدقاً من كل الخطب السياسية التي سمعتها في حياتك.

لذا، اترك أطلسك جانباً. اترك خريطتك على الرف. وتعالَ معنا إلى الحديقة. فالحديقة، كما تعلم، لا تحتاج إلى خريطة. تحتاج فقط إلى قلب يعرف كيف يزرع، وعينين تعرفان كيف ترى الجمال حيث لا يراه أحد.



عاشراً: خاتمة التمهيد – أو بداية الحديقة

وهكذا، أيها القارئ، نصل إلى نهاية هذا التمهيد، وإلى بداية الرواية نفسها. لكن الحقيقة أن التمهيد ليس نهاية، والرواية ليست بداية. كل شيء في هذه القصة يحدث في نفس الوقت: الخريطة تضحك، والحديقة تنمو، ومونودوموس يتعلم أن يبتسم.

أوراسيا، التي كانت يوماً رقعة شطرنج يتنافس عليها اللاعبون الكبار، أصبحت اليوم حديقة يزرعها البستانيون الصغار. والضحكة التي بدأت كهمس في غرفة مظلمة، أصبحت الآن صوتاً يملأ القارات.

ما تبقى لك، أيها القارئ، هو أن تفتح الصفحة الأولى. ستجد فيها رجلاً يرتدي بدلة رمادية، واقفاً أمام خريطة تتنفس. ستجد فيها عجوزاً يبيع خرائط لا تشبه الخرائط. وستجد فيها ضحكة قادمة من باطن الأرض، تنتظر من يسمعها.

لا تخف. هذه ليست رواية عن السياسة، بل عن الأشخاص الذين يصنعون السياسة ثم يكتشفون أنهم كانوا مخطئين. ليست عن الجيوسياسة، بل عن الجغرافيا وهي تضحك. ليست عن الهيمنة، بل عن المشاركة. ليست عن الحدود، بل عن الحديقة.

وأنت، حين تنتهي من قراءة هذه الصفحات، ربما تنظر إلى خريطة العالم على جدارك، وتراها تبتسم لك. وعندها، ستعرف أن الضحكة كانت تنتظرك طوال الوقت.

انطلق. الحديقة في انتظارك.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني ...
- الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن ...
- مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة ...
- كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب ...
- -بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث ...
- الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت ...
- مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
- مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف ...
- الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو ...
- مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
- -سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
- الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا ...
- مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف ...
- تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ ...
- أساليب -غَوبِلْز الجديدة- في الدعاية التحريضية خدمة لسلطة رأ ...
- شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
- دراسة مقارنة: -قوس قزح بروكسل الرمادي- في سياق الأدب البلجيك ...
- تحليل بنيوي لآليات الإفقار النيوليبرالي بأوامر المفوضية الأو ...
- نهاية الإمبراطورية: مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول
- مسرحية : -كيف ضحك المشرق حتى بكى-..مسرحية كوميدية ساخرة في ف ...


المزيد.....




- من -التخبط- إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خ ...
- مزيد من دور السينما تسعى للحصول على تراخيص لتقديم المشروبات ...
- الجمهور الياباني يحتفي بنجوم الباليه الروس في يوكوهاما
- مهرجان فينيسيا يكشف أفلام دورته الـ83.. وروبرت ميردوخ في فيل ...
- التخشبوش: رواية تاريخية من العصر المملوكي
- تركي آل الشيخ ينتشل نادر نور من -النسيان- بأغنية في ألبوم عم ...
- ماجدة الرومي تفتتح حفلات مهرجان جرش على المسرح الجنوبي
- إقبال قياسي ومعارض جديدة.. المتحف الروسي للفنون الزخرفية يحت ...
- فنان مصري يفاجئ ياسر جلال بنومه في الشارع.. وتحرك لإنقاذه
- قانون جديد للفنانين في مصر يوصف بـ-التاريخي-


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة