أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - جيولوجيا الروح














المزيد.....

جيولوجيا الروح


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:51
المحور: الادب والفن
    


ليس أكثر ما يثير دهشتي في الإنسان أنه يخطئ…
فالخطأ جزءٌ من هشاشتنا الأولى،
لكن دهشتي الحقيقية أن الإنسان قادرٌ على الاعتياد على ما كان يستنكره،
حتى يغدو الشرُّ عادة،
والخذلانُ مهارة،
والقسوةُ لغةً يوميةً لا تحتاج إلى تبرير.

نولد جميعًا بقلوبٍ تشبه الماء؛
شفافة،
لا تعرف الالتواء.
ثم نمضي في هذا العالم،
فيتساقط علينا غبار الأيام،
وتترك الأيدي العابرة بصماتها على أرواحنا،
حتى لا نعود نتذكر ملامحنا الأولى.

أقسى ما في البشر أنهم لا يقتلون الأشياء دفعةً واحدة؛
إنهم يمنحونها موتًا بطيئًا.
يقتلون الثقة باسم العتاب،
والكرامة باسم الحب،
والصدق باسم المجاملة،
ثم يتساءلون بدهشة:
كيف تغيرت القلوب؟

لا أحد ينتبه إلى أن الخراب يبدأ صغيرًا؛
من كلمةٍ قيلت باستخفاف،
من وعدٍ لم يُوفَ،
من غيابٍ لم يُفسَّر،
من عينٍ لم تعد ترى الإنسان…
بل ترى فائدته.

ثم يتراكم كل شيء،
كما تتراكم طبقات الأرض في صمت،
إلى أن يصبح القلب قارةً من الشقوق،
ويغدو الصمت أكثر بلاغةً من ألف اعتذار.

البشر لا يخيفونني حين يكرهون،
بل حين يتقنون المحبة وهم لا يشعرون بها.
حين يتحول الحنان إلى وسيلة،
والكلمة إلى طُعم،
والابتسامة إلى قناعٍ اجتماعيٍّ متقن،
حتى يصبح الصدق نفسه غريبًا بين الوجوه.

كم هو مؤلم أن يعيش الإنسان في زمنٍ أصبحت فيه النيات تُقاس بالمصالح،
والقيمة بما يُملَك،
والأرواح بما تمنحه من منفعة.
زمنٌ يصفق للصوت الأعلى،
ولا يسمع الهمس الذي يحمل الحقيقة.

ولعل المأساة ليست أن الخير أصبح نادرًا،
بل أن الناس باتوا يشكون في وجوده كلما ظهر.
فالقلوب التي أنهكها الزيف،
لم تعد تصدّق النور،
وصارت تبحث عن الخديعة حتى في الوجوه الصادقة.

أدركت، بعد عمرٍ من التأمل،
أن الإنسان لا يُختبر في لحظات الفقد،
بل في لحظات القدرة.
حين يستطيع أن يؤذي ولا يفعل،
أن ينتصر ولا يتكبر،
أن يمتلك الحقيقة ولا يحوّلها إلى سكين.

هناك بشرٌ يعبرون حياتك كما تعبر العاصفة؛
لا يتركون شيئًا في مكانه.
وهناك آخرون يعبرونها كما يعبر الضوء نافذةً قديمة؛
لا يُحدثون ضجيجًا،
لكنهم يتركون في الروح دفئًا يبقى طويلًا.

لهذا، لم أعد أبحث عن الإنسان الكامل،
فالاكتمال وهمٌ لا يليق بالبشر.
صرت أبحث عن الإنسان الذي لا يساوم على ضميره،
الذي لا يحتاج إلى جمهورٍ كي يكون نبيلًا،
ولا إلى مصلحةٍ كي يكون وفيًّا،
ولا إلى خسارةٍ كي يعرف قيمة من أحب.

أؤمن أن الحضارات لا تنهار حين تضعف جدرانها،
بل حين تتشقق ضمائر أهلها.
وأن خراب العالم يبدأ من لحظةٍ صغيرة،
حين يختار إنسانٌ أن يخون ما يعرف أنه حق،
فقط لأن الباطل كان أسهل.

وفي النهاية…

لن يكون السؤال: كم شخصًا أحببت؟
ولا: كم شخصًا أحبك؟

بل سيكون السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح:

كم روحًا عبرتَها دون أن تترك فيها ندبة؟
وكم قلبًا استطاع أن يطمئن لأنه عرفك؟

فما الإنسان، في آخر المطاف،
إلا الأثر الذي يتركه في أرواح الآخرين…
أما كل ما عدا ذلك،
فليس سوى ضجيجٍ عابرٍ في ذاكرة الزمن.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...
- باب الأسرار
- حين يفقد المجتمع ثقته
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا


المزيد.....




- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي (صور)
- -بروكوفييف 135-.. عرض موسيقي مبتكر في ذكرى المؤلف الكبير
- لوحات فنية بقيمة مليار روبل تُطرح في مزاد علني بموسكو
- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...
- من معرة صيدنايا إلى قرية السودا.. -خارج التغطية- ينسج حكاية ...
- الموسيقى العراقية تودع -فاروق هلال- بعد مسيرة فنية حافلة
- لوحة تذكارية للنحات الروسي ستيبان إرزيا في الأرجنتين تكريما ...
- المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - جيولوجيا الروح