أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد الأدبي ومخاض الإبداع(1-2)















المزيد.....


مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد الأدبي ومخاض الإبداع(1-2)


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:55
المحور: مقابلات و حوارات
    


حين يرتدي الناقد عدسة علم النفس لا ليكتفي بتفكيك الظاهر بل ليغوص في دهاليز الوعي الجمعي والتشظي الإنساني، تكتمل معادلة المعرفة ويصبح النص الأدبي ساحة لاختبار قلق الوجود. في هذا الحوار العميق والممتد، تفتح الدكتورة رشا الفوال – الباحثة والكاتبة وشاعرة العامية – خزائن تجربتها البينية الفريدة، مستعرضة كيف أسس أستاذها الراحل العالم الجليل شاكر عبد الحميد مدرسة فكرية ترفض النقل الحرفي للمفاهيم الغربية وتستنطق خصوصية الثقافة العربية. من عيادة التحليل النفسي إلى شرفات الشعر والذاكرة، ومن معضلة السلطة والعنف الأسري إلى أوجاع المرض وعقيدة الناجين، ترسم الفوال خارطة طريق متكاملة لمن يبتغي سبر أغوار الإبداع والبحث دون استسهال أو تبسيط.
كيف تصفين اللحظة التي قررتِ فيها دمج علم النفس بالنقد الأدبي كمنهج أصيل في دراساتك؟
القرار لم يكن مفاجئًا، إنما تم اتخاذه بعد سنوات من الدراسة المتخصصة في علم النفس بوجه خاص والعلوم الإنسانية بوجه عام، والقراءة المستمرة للإصدارات الأدبية قديمها وحديثها، مع إحساسي الدائم أن العمل الأدبي يحمل داخله حياة لا تكشفها المناهج النقدية التي تكتفي بتحليل البنية أو اللغة، في المقابل رأيت أن تخصصي في علم نفس الإبداع يساعد على فهم ديناميات العمل الأدبي بصورة أفضل، من هنا نشأت قناعتي بأن الدراسة البينية ليست ترفًا معرفيًا، إنما ضرورة لفهم التجارب الإنسانية المعقدة التي تنتجها النصوص.
هل تعتقدين أن المنهج النفسي يمنح الناقد قدرة على كشف المستور في النص، أم أنه قد يبتعد به عن جماليات الأدب؟
أعتقد أن الأمر يتوقف على الناقد نفسه؛ على سبيل المثال إذا انطلق الناقد من القيمة الفنية للعمل الأدبي؛ فإن المنهج النفسي يصبح وسيلة لاكتشاف العلاقات العميقة بين البناء الجمالي للعمل والخبرة الإنسانية للكاتب، مع ملاحظة أنني لا أتناول الأعمال الأدبية من منظور التحليل النفسي بوصفه بديلًا عن مناهج النقد الأدبي، بل بوصفه زاوية رؤية إضافية تُسهم في الفهم والتفسير والوصول إلى نتائج بحثية تضيف إلى جماليات العمل
في كتابك عن: أزمة المعنى والتداعي الحر، كيف تقرئين علاقة ما بعد الحداثة بالتفكك النفسي؟
على افتراض أن الكاتب المعاصر يعيش تراجع اليقين وتعدد المرجعيات وتشظي الهوية؛ فكل ذلك ينعكس على بنية العمل الأدبي؛ لذا يصبح التداعي الحر في الكتابات الأدبية ليس مجرد تقنية فنية، بل تعبيرًا عن وعي مأزوم يبحث عن معنى في عالم ملتبس.
إلى أي مدى تختلف أدواتك النقدية عند تحليل السرد النسوي عن غيره؟
أؤمن بأن الأدب هو الذي يضىء العلم؛ فالمنهج ينبغي أن يُبرز الأبعاد النفسية والسياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي أنتجت العمل الأدبي، بالتالي فالسرد النسوي يطرح تساؤلاته الخاصة التي تتعلق بتمثلات الجسد، والذاكرة والعلاقة بالسُلطة وأزمة الهوية، وكلها موضوعات أرى أنه لابد أن يستند الناقد في التعامل معها إلى الدراسة البينية
العنف السلطوي ثيمة حاضرة في كتبك؛ هل الأدب العربي اليوم بات "مرايا" لضغوط السلطة السياسية والاجتماعية؟
الأدب دائمًا شديد الحساسية تجاه السلطة، إلا أنه لا يعكسها كما تعكسها المرآة. إنما يعيد تشكيلها كاشفًا أثرها في وعي الشخصيات واللغة والعلاقات الإنسانية. الملفت للانتباه في الرواية العربية المعاصرة أن السلطة أصبحت بنية تمتد إلى الأسرة والتعليم والجسد والذاكرة، وهذا ما يجعل حضورها أكثر تعقيدًا.
كيف تنظرين إلى جدلية "الذات والآخر" في الرواية العربية من منظور سيكولوجي؟
الذات تتشكل عبر علاقتها بالآخر، سواء كان فردًا أو مجتمعًا أو ثقافة، من هنا يمكننا اعتبار الرواية العربية مساحة لاختبار هذه العلاقة الصراعية بكل ما فيها من مخاوف ورغبة في الاعتراف، المهم في المقاربة النقدية من منظور نفسي هنا هو تتبع الكيفية التي يُعيد بها الكُتاب بناء صورة الشخصيات الروائية من خلال هذه العلاقة الجدلية بين الذات والآخر.
هل المبدع العربي يكتب بوعي أم يكتب "ليتخلص" من عقدة ما؟
الإبداع الأدبي أكبر من أن يُرد إلى سبب واحد؛ فهناك وعي الكاتب الذي يختار الشكل والأسلوب، وهناك دوافعه اللاواعية التي تسهم في تشكيل تجربة الكتابة، لذا أفضل أن أقول إن الكتابة محاولة لفهم الذات والعالم، وقد تكون في الوقت نفسه فعلًا من أفعال التحرر الداخلي.
كيف تقيمين أعمالك النقدية مقارنة بالمشاريع التي سبقتك في النقد النفسي العربي، مثل مشروع شاكر عبد الحميد؟
أكنُّ تقديرًا كبيرًا للمشروعات التي أرست حضور النقد النفسي في الثقافة العربية، وفي مقدمتها مشروع أستاذي العالم الجليل الدكتور شاكر عبد الحميد، الذي أسهم في توسيع أفق العلاقة بين علم النفس والإبداع. أما ما أسعى إليه في عملي، فهو الاستمرارية في هذا المشروع الذي أبرز أهمية الدراسات البينية، وأهمية تحليل وفهم النص الأدبي باعتباره نقطة التقاء بين الأدب والعلوم الإنسانية
كيف تختارين الروايات التي تخضعينها للدراسة من منظور نفسي؟
يقع اختياري على الرواية التي تثير سؤالًا يستحق البحث؛ وتترك وراءها مساحة من الغموض، وتكشف عن تعقيد في بناء الشخصية أو تشكيل الوعي أو العلاقة بين الظاهر والخفي، مثل هذه الروايات تفتح بابًا للفهم النقدي الحقيقي الذي يضيف إلى جماليات الإبداع
هل تظلين "ناقدة" أثناء قراءتك الأولى للنص، أم تتركين لذاتك حرية التلقي؟
أحرص على أن تكون القراءة الأولى حرة قدر الإمكان. من أجل الاستمتاع والدهشة والتأثر، بعد ذلك تبدأ الذات الباحثة في تنظيم التساؤلات، والعودة إلى التفاصيل، واختبار الفرضيات.
ما الذي يضيفه منظور التحليل النفسي لفهم "المكان الروائي"؟
المكان الروائي يحمل شحنة وجدانية ورمزية، وليس مجرد إطارًا للأحداث؛ فقد يكون ملاذًا للشخصيات أو مصدرًا للخوف، أو ذاكرةً يصعب تجاوزها، التحليل النفسي للكتابات الأدبية يساعدنا على فهم العلاقة التي تنشأ بين الشخصية الروائية والمكان، وكيف يتحول المكان في كثير من الأحيان إلى امتداد نفسي للحدث.
كيف تفسرين انحيازك لمنهج التحليل النفسي في دراسة أشعار أحمد فؤاد نجم؟
لأن قصائد الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم تتجاوز البعد السياسي المباشر؛ فخلف لغته الساخرة في بعض القصائد وصوته الاحتجاجي توجد بنية نفسية ثرية تتداخل فيها خبرات الفقد والإحساس بالكرامة والتمرد،والإيمان بالإنسان، هذا الثراء جعل منهج التحليل النفسي مدخلًا مناسبًا لفهم تجربته وأسلوبيته، دون إغفال للسياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي أفرزتها.
كيف تتعاملين مع النصوص التي لا تتوافق مع افتراضاتك النفسية المسبقة؟
لا يجوز أن أُخضع النص لفرضياتي الخاصة، بل ينبغي أن أُخضع فرضياتي للاختبار من خلال عملية التلقي الموضوعي للنص، وأعتبر ذلك اختبارًا حقيقيًا للنزاهة العلمية؛ وكثيرًا ما تدفعني بعض الأعمال إلى مراجعة تصوراتي التي كنت أظنها مستقرة، وهذه من أجمل لحظات البحث والدراسة.
ما هو التحدي الأكبر عند تطبيق نظريات فرويد أو يونج على الأدب العربي؟
الممارسة النقدية الجيدة لا ترتكز على استيراد المفاهيم، بل تتناولها وقد تستعين بما توصلت إليه من استنتاجات بحثية في سياق مختلف، بمعنى أن التحدي الأكبر يكمن في تجنب النقل الحرفي؛ لأن هذه النظريات وُلدت في بيئات ثقافية مختلفة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها قوالب جاهزة، الهدف الأساسي هو الإفادة من قدرتها التفسيرية مع مراعاة خصوصية الثقافة العربية وبنيتها الرمزية وتاريخها الاجتماعي.
هل النقد النفسي "قاسٍ" على المبدع أحيانًا؟
قد يصبح النقد النفسي قاسيًا إذا خلط بين النص وكاتبه، أو إذا تعامل مع العمل الأدبي كما لو كان تقريرًا سريريًا، النقد النفسي الذي أؤمن به هدفه الفهم لا الإدانة، ينطلق من الإيمان بأن الأدب لا يُختزل في سيرة مؤلفه أو حالته النفسية.
كتاب نقدي أصدرته يمثل مرحلة من تطوري الفكري، لكنني أعتقد أن كتاب "الخطاب الميتاشعري وتداخل الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة: دراسة في التوظيف الدرامي للمدرك الذهني" علامة فارقة؛ لأنه منحني فرصة لتطوير رؤيتي للدراسات البينية، وربط أسئلة علم النفس بتحولات الخطاب الأدبي المعاصر، وهو الاتجاه الذي أشعر أنه يعبر عن مشروعـي البحثي أكثر من غيره.
كيف توفقين بين "أكاديمية البحث" و"لغة النقد الأدبي" في كتبك؟
كلما اتسمت الفكرة بالعمق، ازدادت حاجتها إلى لغة واضحة ودقيقة؛ لذا أحاول دائمًا أن أوازن بين الصرامة المنهجية وجماليات التعبير؛ لأن النقد النفسي ليس مجرد عرضًا للنتائج، بل هو منهج علمي قائم على مهارة الناقد في بناء الفكرة وإيصالها إلى المتلقي دون أن تفقد عمقها.
كيف تصفين "حالة المخاض" قبل كتابة قصيدة عامية؟
تبدأ حالة المخاض قبل الإمساك بالقلم بوقت طويل، ربما من إحساس ظل يطرق باب الذاكرة، من مشهد عابر أو جملة سمعتها، أشعر في كثير من الأحيان أن القصيدة هي التي تختار لحظة ميلادها، وأن دور الشاعر يقتصر على الإصغاء إلى مفرداتها التي تحمل حرارة التجربة.
ما الفرق الجوهري في "العملية الإبداعية" بين كتابة القصيدة والنقد؟
أثناء كتابة الشعر أترك للخيال مساحة واسعة كي يقودني، ولا أشغل نفسي كثيرًا بالنتائج، أما في النقد فأنا مطالبة بأن أبرر أبني استنتاجاتي على قراءة منهجية. الشعر يبدأ من الدهشة، بينما يبدأ النقد من التساؤلات، ومع ذلك أرى أن كل منهما يسلك طريقًا مختلفًا يسعى في النهاية إلى اكتشاف الإنسان بما هو إنساني.
في ديوانك "حبنا قامت صلاته".. كيف كانت تجربتك الأولى مع العامية كحامل شعري؟
ديواني الأول: حبنا قامت صلاتُه أتاح لي فرصة الاقتراب من ذاتي. واكتشاف القدرة على التقاط التفاصيل والتعبير عن الانفعالات بتلقائية لا تُفقدها عمقها، كأنني كنت أبحث عن لغة تلامس قلب المتلقي مباشرة، دون أن تتنازل عن القيمة الفنية.
كيف تحولين "القلق" إلى مادة شعرية جمالية؟
القلق لا يصبح شعرًا بمجرد الإحساس به أو إدراك وجوده، بل يحتاج إلى مسافة تسمح بالتأمل؛ فحين أكتب القصيدة لا أعبر عن القلق كما هو، إنما أعيد تشكيله داخل بناء جمالي يمنحه معنى جديدًا، ربما لهذا السبب تمنحنا القصيدة أحيانًا شعورًا بالسكينة، رغم أنها وُلدت من منطقة مضطربة.
هل ديوانك "عرض مضحك" محاولة لتعرية عبث الواقع بالضحك؟
ديوان عرض مضحك كان محاولة للقبض على المفارقة التي يعيشها الإنسان المعاصر؛ ففي كثير من الأحيان يصبح الضحك وسيلة لمجابهة ما لا يمكن احتماله. العنوان الساخر للديوان ليس هروبًا من الواقع، إنما طريقة لرؤيته من زاوية مختلفة تكشف تناقضاته، وتمنح المتلقي فرصة للتأمل بعد أن يدرك المأساة.
ما دور "الذاكرة" في رسم ملامح قصائدك؟
الذاكرة ليست مستودعًا للماضي، إنما مادة حية يُعاد تشكيلها في كل قصيدة. كثير من الصور التي تبدو شخصية تحمل في داخلها خبرات جمعية، لذا أحب أن تتحول التجربة الخاصة إلى مساحة يجد المتلقي نفسه فيها، لا أن تبقى مرهونة بسيرتي الذاتية.
هل تؤمنين بوجود "لغة شعرية" خاصة بالمرأة؟
أتحفظ على هذا التصنيف؛ فالتجارب قد تختلف وزاوية النظر إلى العالم قد تختلف أيضًا، لكن اللغة الشعرية في جوهرها لا تعرف التقسيمات الجندرية. أرى أن الذي يميز القصيدة قدرتها على أن تخلق عالمها الخاص، وأن تمس الإنسان في عمقه.
كيف توازن الشاعرة بداخلك بين "المحللة النفسية" و"الذات المبدعة"؟
أحرص على ألا تتدخل الباحثة أثناء كتابة القصيدة، لو فعلت ذلك لفقدت القصيدة عفويتها. أما بعد انتهاء الكتابة فمن الضروري أن أعود إلى القصيدة بعين الناقدة من أجل التعديل والتقويم، هذا هو جوهر عملية الإبداع.
ديوانك "جايز تحزن".. لماذا الحزن هو الثيمة الأبرز في العناوين؟
ربما لأن الحزن أكثر المشاعر قدرة على دفع الإنسان إلى تأمل ذاته. الحزن في قصائدي بداية للتساؤلن بمعنى أنني لا أحتفي بالحزن، إنما أراه جزءًا من تجربتي الإنسانية.
إلى أي مدى أثر "مرسي جميل عزيز" في تجربة كتابتك للقصيدة الغنائية؟
الشاعر الكبير مرسي جميل عزيز مدرسة في البساطة التي تخفي عمقًا كبيرًا. تعلمت من تجربته أن اللغة القريبة من المتلقي ليست لغة سهلة بالضرورة، وأن الأغنية الجميلة هي التي تبدو وكأنها وُلدت على لسان المستمع. لم يكن تأثيره عابرًا، إنما كان درسًا في الصدق الفني.
لماذا تصرين على الكتابة بالعامية والفصحى معًا؟
لأنني لا أرى بينهما خصومة أو صراع. لكل منهما موسيقاه، وقدرته التعبيرية، وطريقته في ملامسة وجدان المتلقي؛ لذلك أتعامل معهما باعتبارهما امتدادًا واحدًا للغة التي أكتب بها نفسي.
كيف تجددين أدواتك الشعرية مع كل ديوان جديد؟
أخاف من تكرار الأفكار؛ لذلك أحاول مع كل ديوان أن أطرح على نفسي تساؤلات جديدة، وأن أغيّر زاوية نظري للموضوعات وللعالم، لا لمجرد الاختلاف إنما لأن مفردات الذات نفسها تختلف باختلاف التجارب.
هل "الاستغراق في الإيهام" ضرورة للمبدع؟
الإيهام في الفن وسيلة لإقناع المتلقي بعالم النص، وحثه على المشاركه في إنتاج المعنى، لكنني لا أحب أن يتحول إلى غاية، فكل ما يبقى أثره في النهاية هو الصدق الفني؛ ذلك الشعور الذي يجعل المتلقي يؤمن بما يقرأ، حتى لو كان يعلم أنه من صنع الخيال.
هل ترى الشاعرة رشا الفوال أن الشعر لا يزال "ديوان العرب"؟
الشعر لم يعد الديوان الوحيد، لكنه ما زال الذاكرة الأكثر كثافة وحضورًا، تغيرت وسائل التعبير ودخلت أشكال جديدة من الكتابة، لكن الشعر ظل قادرًا على أن يختزل لحظة إنسانية كاملة في بضعة أسطر، وهذه قدرة لا يمحوها الزمن.
كيف تعاملتِ مع تجربة "موت الوجع" كعنوان وديوان؟
كان العنوان تاليًا للقصائد، وكأنه يطلب من المتلقي أن يكتشف معاناته عبر القصائد. لم أكتب ديوان "موت الوجع" بوصفه نهاية للألم، بل بوصفه تحولًا في علاقتي الشخصية به. فهناك أوجاع لا تنتهي، لكنها تفقد قدرتها على هزيمة الإنسان، وهذا ما حاول الديوان أن يعبّر عنه.
ما هو المكان الذي يمنحك "غواية" الكتابة؟
الكتابة تأتي حين أشعر بانسجام داخلي أكثر مما تأتي بسبب المكان نفسه، مع ذلك أحب الأماكن الهادئة التي تسمح للصوت الداخلي بأن يكون أوضح من ضجيج العالم. أحيانًا أكتب في غرفة مغلقة، وأحيانًا في الشرفة، لكن المكان الحقيقي الذي تولد فيه القصيدة هو تلك المساحة الخفية بين الذاكرة والخيال.
ما هو الدرس الأهم الذي تعلمتِه من أستاذك الراحل د. شاكر عبد الحميد؟
رحمة الله عليه كان واسع الأفق، غزير العلم، يؤمن بأهمية الدراسات البينية، تعلمت منه أن المعرفة ليست تكديسًا للمعلومات، إنما هي طريقة موضوعية في النظر إلى العالم، وأن الباحث الحقيقي لا يتوقف أبدًا عن التعلم. أكثر ما بقي في ذاكرتي هو احترامه لقيمة التساؤل، فقد كان يرى أن التساؤل الجيد يفتح أبوابًا أكثر مما تغلقه الإجابات. وهذه الفكرة تصاحبني في مشروعي البحثي كله.
حصلتِ على الدكتوراه في "سيكولوجية الإبداع".. هل العملية الإبداعية قابلة للقياس؟
عملية الإبداع يمكن قياس مكوناتها الفرعية كالتفكير والذاكرة والخيال وعمليات الإعداد للكتابة وعملية التقاط الموضوعات والدوران حول العقبة أو ما يعرف حاليًا بكُتلة الكاتب، ثم عمليات الحذف والإضافة والتقويم والتعديل ثم إعادة التقويم اعتمادًا على مرونة الباحث، وأصالة موضوعه البحثي، ربما لأن الإبداع تجربة إنسانية تتداخل فيها المعرفة والانفعال والخبرة والسياقات الثقافية والاجتماعية.
كيف تصفين لحظة فوزك بجائزة "أحمد فؤاد نجم"؟
كانت لحظة امتنان شعرت فيها أن الجهد الذي بذلته في القراءة والبحث والكتابة وجد من يقدّره، كما أن ارتباط الجائزة باسم شاعر بحجم أحمد فؤاد نجم أضفى عليها قيمة رمزية خاصة بالنسبة لي. ما تأثير البيئة المنصورية على تكوينك الثقافي؟
مدينة المنصورة ليست مجرد مكان نشأت فيه، بل جزء من ذاكرتي الوجدانية. فيها تشكلت علاقتي الأولى بالكتاب، وبالناس، وبالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحس الإنساني. أعتقد أن الكاتب يحمل مدينته معه، حتى لو كتب عن أماكن أخرى، لأنها تمنحه طريقته الخاصة في رؤية العالم.
كيف أثر المرض في فلسفتك تجاه الموت والحياة؟
حين يمر الإنسان بتجربة مرضية قاسية، يدرك أن الوقت أثمن مما كان يظن، وأن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بامتلائها بالمعنى. المرض يغيّر ترتيب الأولويات أكثر مما يغيّر الأفكار؛ لذلك لا أخشى الموت؛ لأن تجربة المرض جعلتني أكثر حرصًا على أن أعيش كل يوم بوعي وامتنان، وأن أكتب ما أؤمن به وأمارس الدراسة والبحث دون انتظار النتائج.
"عقلية الناجين".. كيف غيرت هذه العقلية جدول أعمالك اليومي؟
لم أعد أؤجل مشروعاتي البحثية، ولم أعد أستهلك طاقتي في معارك جانبية لا طائل منها سوى تعكير المزاج، أصبحت أكثر انضباطًا، وأكثر رحمة بنفسي،علمتني أن أفرق بين العاجل والمهم؛ لأن الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى توازن لا إلى استنزاف.
كيف تديرين وقتك بين الأمومة، والعمل، والبحث، والشعر؟
الحياة لا تسير بمثل هذا التوازن؛ لأن هناك مراحل يتقدم فيها البحث، وأخرى تحتاج فيها الأسرة إلى حضوري أكثر. المهم بالنسبة إليّ هو ألا أشعر أن هذه الأدوار تتصارع، الأمومة تحديدًا منحتني فهمًا أعمق للإنسان، وهو ما انعكس على كتابتي وبحثي.
هل ترين أن الجوائز الأدبية معيارًا حقيقيًا لجودة المنتج الإبداعي؟
الجوائز مهمة لأنها تلفت انتباه الجمهور إلى أعمال تستحق القراءة، لكنها ليست الحكم النهائي على قيمة الإبداع، الدليل على ذلك أن تاريخ الأدب مليء بأعمال عظيمة لم تحصل على جوائز، وأعمال حازت جوائز ثم تراجعت قيمتها مع الزمن. ما يبقى في النهاية هو أثر العمل في وجدان المتلقي وفي الذاكرة الثقافية.
كيف ترين المشهد النقدي في مصر اليوم؟
المشهد النقدي في مصر ثري ومتنوع، لكنه يواجه تحديات حقيقية من بينها كثافة النشر، وضغط وسائل التواصل، وتراجع مساحة القراءة المتأنية، مع ذلك هناك حركة نقدية جادة تقدم دراسات هامة تؤدي دورها في الإسهام المعرفي.
هل هناك معوقات مجتمعية تواجه الناقدة في عالمنا العربي؟
لا تزال بعض التصورات التقليدية تنظر إلى المرأة الباحثة باعتبارها مطالبة بإثبات كفاءتها أكثر من غيرها، لكنني أعتقد أن الجدية في العمل ومواصلة الإتجاه هما أفضل رد على أي تصورات. في النهاية يبقى ما يقدمه البحث من معرفة هو المعيار الحقيقي، بعيدًا عن قضية النوع الاجتماعي.
ما هو الطموح الذي لم تحققه رشا الفوال بعد؟
كلما أنجزت مشروعًا، اكتشفت أن الطريق ما زال طويلًا. أطمح إلى مواصلة تطوير مشروعي البحثي فيما يخص الدراسات البينية بين العلوم الإنسانية والأدب، وأن أقدم إصدارات نقدية تفتح مسارات جديدة للباحثين الشباب، كما أتمنى أن يصل هذا المشروع إلى دوائر أكاديمية وثقافية أوسع، داخل العالم العربي وخارجه.
كيف تتعاملين مع النقد الموجه لأعمالك؟
الكاتب الذي لا يتحمل النقد لن يتطور؛ فإذا كان نقدًا جادًا أقرأه باهتمام؛ لأنه قد يكشف لي زاوية لم أنتبه إليها. أما إذا كان قائمًا على الانطباع أو الشخصنة، فلا أشغل نفسي به كثيرًا.
هل ترين أن "أدب الطفل" جزء أصيل من هويتك الإبداعية؟
الكتابة للطفل ليست مرحلة عابرة؛ لأنها تخاطب الوعي في بدايات تشكله. وما يجذبني إليها هو أنها تتطلب البساطة دون تسطيح، والخيال دون انفصال عن الواقع، وهي معادلة ليست سهلة كما يظن البعض.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع الناقدة والشاعرة الدكتورة رشا الفوال:جسور بين العلم وجنون ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من ...
- الممثلة أندريا مارتن واحدة من أكثر النساء فكاهة في برودواي
- تامارا ليسيتسيان اسم محفور في الذاكرة
- أكيم تاميروف أعظم ممثل سينمائي على الإطلاق
- أكيم تاميروف وطريقه إلى النجاح
- أضواء وظلال الماضي في صور غاغيك هاروتونيان
- ليوبولد غاشتشيك، بولندي قام بتصوير الأرمن
- تاريخ أرمينيا من منظور ميشيل أندونيان
- كيف أعاد إرث المصورة مريم شاهينيان تعريف الوجه المألوف لإسطن ...
- نمر سعدي: جماليَّاتُ الدهشةِ وفتنةُ المجاز
- العودة من غياهب النسيان أرميني قام بتصوير الصحاري
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: المجموعات القصصية وا ...
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: كتابة التاريخ والترا ...
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي-دواوين العامية والفصح ...
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي-الهايكو-4
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي:السيرة، والبيئة، والن ...
- مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي:فلسفة الأدب والجمع بي ...
- عدسة ضد النسيان: سجل عائلة ديلديليان


المزيد.....




- بعد البوتوكس والفيلر.. هل سيحقن الجسم والوجه بدهون المتبرعين ...
- فوز نجمة هوليوود ريبيل ويلسون بقضية تشهير رفعتها ضدها ممثلة ...
- -بحر من الضباب- يحيط بمتحف زايد الوطني في أبوظبي بمشهد أقرب ...
- منزل هتلر يتحول إلى مركز شرطة.. خطوة نمساوية لمواجهة إرث الن ...
- روبيو: إيران -تتوسل- إلى أمريكا لإبرام اتفاق وسياسة ترامب هي ...
- الجيش الأردني يعلن اعتراض هجمات صاروخية إيرانية والحرس الثور ...
- مساعد جيل بايدن السابق: هاريس لن تحصل على -فرصة ثالثة- في 20 ...
- كهرباء تغيب 14 ساعة وحرارة تحرق الشوارع وتشعل الغضب في ليبيا ...
- مساعٍ جزائرية مستمرة للسيطرة على الحرائق في البلاد، وتوقيف 4 ...
- روبيو: السعودية تعتزم تطوير برنامج نووي سلمي


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد الأدبي ومخاض الإبداع(1-2)