عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:53
المحور:
مقابلات و حوارات
حين يلتقي الصرامة المنهجية لعلم النفس بحرية الخيال الأدبي، تتسع آفاق الرؤية وتتلاشى الحدود المصطنعة بين العلوم الإنسانية. إنها مساحة فريدة تتحاور فيها المفاهيم مع العواطف، لتقدم مقاربة أعمق تفكك شفرات النص وتستنطق أسرار النفس، مؤكدة أن الإبداع ظاهرة مركبة لا يمكن الإحاطة بها من نافذة واحدة.
كيف تختارين عناوين كتبك؟ فهي دائمًا تحمل دلالات نفسية عميقة.
لا أتعامل مع العنوان بوصفه لافتة، بل بوصفه النص الأول الذي يجذب المتلقي؛ لذلك أتركه أحيانًا حتى تكتمل الكتابة، ثم أبحث عن العبارة التي تختزل روح الكتاب لا موضوعه. ربما لهذا تبدو عناويني قريبة من التساؤلات النفسية، لأن اهتمامي ينصرف دائمًا إلى ما يحدث في الداخل قبل الخارج.
هل التكنولوجيا والإنترنت أضرت باللغة العربية أم ساعدت على انتشارها؟
أعتقد أنها فعلت الأمرين معًا؛ فمن ناحية أتاحت للغة العربية حضورًا واسعًا وسهّلت الوصول إلى الكتب والمعرفة، وقرّبت الكتّاب من قرائهم، ومن ناحية أخرى شجعت على الاستسهال والكتابة السريعة، لذلك لا أرى أن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها.
_ كيف تصفين علاقتك بالمكتبة الخاصة بك؟
كل كتاب فيها يرتبط بمرحلة من حياتي أو بسؤال شغلني أو بباحث تعلمت منه شيئًا، أحيانًا أعود إلى كتاب قرأته منذ سنوات، فأعيد اكتشافه بزاوية نظر مختلفة، ربما لهذا أشعر أن مكتبتي تكبر معي وتسجل تطور أفكاري بمرور الزمن.
ماذا تقول رشا الفوال لشابة تحلم بأن تكون ناقدة وشاعرة؟
أقول لها: لا تتعجلي الوصول؛ لأن التكوين يحتاج إلى وقت، عليكِ بالقراءة في مختلف العلوم، ولا تخافي من مراجعة أفكارك، ولا تجعلي الشهرة هدفك الأول؛ فالمعرفة الحقيقية تُبنى بالصبر، والكتابة التي تترك أثرها في وجدان المتلقي هي تلك التي تنبع من صدق التجربة، لا من الرغبة في لفت الانتباه. والأهم أن تؤمني بصوتك الخاص، لأن التقليد قد يمنحك بداية، لكنه لا يصنع مشروعًا.
إلى أين تتجه الرواية العربية بعد حقبة "الروايات الواقعية المفرطة"؟
أصبحنا نرى اهتمامًا متزايدًا بالكتابة التي تمزج بين الواقعي والمتخيل، أعتقد أن الرواية العربية تتجه إلى قدر أكبر من التنوع، لا إلى استبدال اتجاه بآخر. ما سيبقى في النهاية ليس الشكل، وإنما قدرة الرواية على ملامسة القضايا الإنسانية الكبرى.
هل يمكن أن نرى "معجمًا نقديًا نفسيًا" من تأليفك مستقبلًا؟
الدراسات البينية تحتاج إلى ضبط المصطلحات والمفاهيم، خاصة مع اختلاف الترجمات وتعدد المرجعيات. وإذا أتيح لي الوقت لإنجاز هذا المشروع بالصورة التي أطمح إليها، فسأعدّه إضافة علمية تسهم في تقريب علم نفس الإبداع والنقد النفسي من الباحثين والدارسين.
كيف تنظرين إلى دور "الصالونات الأدبية" في عام 2026؟
الصالون الأدبي الحقيقي مساحة للحوار الحر ولتبادل الخبرات الإبداعية، ولطرح تساؤلات جديدة، وليس مجرد مناسبة لتقديم التهاني أو الاحتفاء بالإصدارات، ما زلت أؤمن بدورها شريطة أن تتجاوز المجاملة وتكرار الموضوعات.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل النصوص نفسيًا؟
يمكنه أن يرصد الأنماط ويقارن بين المفردات ويستنتج بعض المؤشرات، لكنه لا يمتلك الخبرة الإنسانية التي تمكنه من إدراك السياقات الوجدانية والثقافية للنص. والتحليل النفسي للأدب ليس عملية تقنية، بل قراءة تتطلب حسًا نقديًا، ومعرفة بالأُطر الثقافية والتاريخية، وفهمًا لطبيعة الإنسان. لذلك أرى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مساعدة، لكنه لن يحل محل الناقد.
ما هي القضية العربية التي تتمنين أن يكتب عنها الروائيون بشكل أكثر عمقًا؟
أتمنى أن تحظى قضية الإنسان العربي في سياق التحولات المجتمعية، وتعرضه لكرب ما بعد الصدمة باهتمام أكبر؛ ليس من زاوية الحدث السياسي وحده، بل من زاوية أثره النفسي في الفرد والأسرة والذاكرة الجمعية. نحن بحاجة إلى أدب يكتب ما تتركه الأحداث في الداخل، لا ما يحدث في الخارج فقط.
كيف نحمي "الوعي الوطني" من خلال الأدب في ظل الحروب النفسية؟
حين يرسخ الأدب قيم الانتماء ويحترم العقل ويكشف آليات التضليل، فإنه يصبح جزءًا من مناعة
المجتمع الثقافية؛ فالوعي لا يُلقَّن بالشعارات، بل يُبنى.
ما هو السؤال الذي لم يطرحه عليك أحدٌ من قبل؟
ربما لم يسألني أحد عن الفكرة البحثية التي غيّرت شخصيتي وأظن أن إجابتي ستكون: إن كل دراسة أنجزتها خرجت منها إنسانة مختلفة؛ لأن المعرفة الحقيقية تعيد تشكيل الوعي.
كيف تصفين مستقبل الشعر الغنائي في مصر؟
الشعر الغنائي يمر بتحولات لكنه لم يفقد حضوره. ما تغير هو وسائط التلقي، وأعتقد أن المستقبل سيكون للأغنية التي تجمع بين البساطة والعمق، وتحترم ذائقة المتلقي.
هل تعتقدين أن اللغة العربية تمر بمرحلة "تشظٍ" تشبه قلق المبدعين؟
اللغة كائن حي ومن الطبيعي أن تتأثر بالتحولات الاجتماعية والتكنولوجية، لكنني لا أرى تلك التحولات تشظيًا بقدر ما أراها مرحلة اختبار لقدرة اللغة العربية على استيعاب المتغيرات دون أن تفقد هويتها.
لو كتبتِ "سيرة ذاتية" روائية، ماذا سيكون عنوانها؟
ربما أسميها "بين سؤالين"؛ لأن حياتي دائمًا رحلة من سؤال إلى آخر، وكل محطة سواء في الشعر أو النقد أو البحث، بدأت بسؤال لم أكن أملك إجابته الكاملة.
ما هو الدور المنوط باتحاد الكتاب تجاه المواهب الشابة؟
أرى أن دور اتحاد كُتاب مصر لا يقتصر على منح العضوية أو تنظيم الفعاليات، بل لابد أن يمتد إلى اكتشاف الأصوات الجديدة، وتوفير فرص التدريب، وورش العمل والكتابة وخلق حوار حقيقي بين الأجيال. الثقافة تزدهر حين يشعر المبدع الشاب أن هناك من يفتح له الباب، لا من يطلب منه الانتظار طويلًا.
كيف ترين العلاقة بين "الألم النفسي" و"الإبداع"؟
قد يكون الألم أحد منابع الكتابة، لكنه ليس شرطًا لها، ولا ينبغي أن نمجده بوصفه الطريق الوحيد إلى الإبداع، قدرة الإنسان على تحويل خبرته مهما كانت إلى رؤية جمالية ومعرفية هى التي تصنع الإبداع .
ما هي نصيحتك للباحثين في علم نفس الإبداع؟
أن يتعاملوا مع الإبداع بوصفه ظاهرة إنسانية مركبة، لا مجرد موضوع للقياس أو التصنيف. وأن ينفتحوا على الأدب والفلسفة والفنون، لأن علم نفس الإبداع يفقد كثيرًا من ثرائه إذا انعزل عن العلوم الإنسانية الأخرى.
هل الفن قادر على إنقاذ العالم من "العبثية"؟
الفن يمنحنا القدرة على رؤية المعنى حتى في أكثر اللحظات قسوة، ولذلك يظل أحد أشكال مقاومة العبث، بمعنى أن الفن ربما لا يستطيع أن يغيّر العالم مباشرة، لكنه يستطيع أن يغيّر الإنسان، وهذه بداية كل تغيير حقيقي.
كيف تصفين "حالة النضج" التي وصل إليها قلمك اليوم؟
أشعر أنني أصبحت أقل انشغالًا بإثبات نفسي، وأكثر انشغالًا بحقيقة ما أكتب. النضج في تقديري لا يعني امتلاك الإجابات، بل امتلاك الشجاعة لطرح التساؤلات الأكثر عمقًا، والإقرار بأن رحلة البحث والسعي إلى لمعرفة لا تنتهي.
هل تتوقعين أن يظل "المنهج النفسي" هو المفضل لديك في قادم الكتب؟
سيظل أحد أعمدة مشروعي البحثي، لكنه لن يكون الوحيد. ما يشغلني اليوم هو توسيع مساحة الدراسات البينية بالكيفية التي يتحاور علم النفس فيها مع النقد الأدبي والفلسفة، والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية؛ فالنص الأدبي أكبر من أن يُقرأ من نافذة واحدة.
ما هي الكلمة التي تودين أن تُكتب على "غلاف حياتك"؟
أختار كلمة "الأثر" فالإبداع يُقاس بما تركه المبدع من إسهامات معرفية وجمالية في قارئ، أو باحث، أو طالب علم.
نقد الرواية أم نقد الشعر؟
أميل قليلًا إلى نقد الرواية؛ لأنها تمنح الناقد مساحة أوسع لتتبع تحولات الشخصية والوعي والزمن والمكان الروائي، وهي موضوعات تستفز فضولي البحثي.
كتابة العامية أم كتابة الفصحى؟
أكتب باللغة التي تستدعيها التجربة، لكن كتابة قصيدة العامية تمنحني دفئًا إنسانيًا خاصًا.
العزلة للكتابة أم الانخراط في المجتمع؟
أحتاج إلى الأمرين معًا، كل في وقته؛ فالكتابة تحتاج إلى عزلة، لكنها لا تولد إلا من حياة عاشها الكاتب بين الناس.
القراءة الورقية أم الرقمية؟
أميل إلى الكتاب الرقمي، لأن علاقتي به أكثر تركيزًا وهدوءًا، وتتناسب مع ظروفي الصحية الخاصة بإصابتي مؤخرًا بانزلاق غضروفي عنقي
هل تفضلين وصفك بـ"الشاعرة" أم "الناقدة"؟
أفضل أن يُنظر إليّ بوصفـي باحثة وكاتبة، لأن الشعر والنقد عندي ليسا طريقين متوازيين، بل وجهان لرؤية واحدة.
هل النقد مهنة أم هواية؟
النقد بالنسبة لي مسؤولية معرفية قبل أن يكون مهنة، وشغف مستمر قبل أن يكون هواية.
هل الكتابة وجع أم لذة؟
الكتابة تبدأ غالبًا من ألم أو سؤال يثير القلق، لكنها تنتهي بإحساس عميق بالرضا، وكأنها رحلة من الاضطراب وصولًا إلى ساحات المعنى.
هل المبدع يكتب للجمهور أم للذات؟
المبدع يبدأ من ذاته يكتب ولديه رغبة حقيقية في أن يجد صدى إبداعه في الآخرين.
هل الرواية هي ديوان العرب الحالي؟
الرواية تحتل مكانة بارزة اليوم، لكنني لا أحب أن أضع الفنون في منافسة؛ فلكل جنس أدبي أهميته، وما يهمني هو جودة العمل لا تصنيفه.
المدرسة الكلاسيكية أم الحداثية؟
الانتماء الحقيقي يجب أن يكون إلى الإبداع، لا إلى التصنيفات، مع ذلك أفضل النص الذي ينجح في التعبير عن رؤيته، سواء كان كلاسيكيًا أو حداثيًا.
هل تعتقدين أن الأدب يجب أن يكون ملتزمًا بالتعبير عن قضايا المجتمع؟
نعم، لكن ليس بمعنى المباشرة أو الخطابة. الأدب يلتزم بالإنسان أولًا،ومن هذا الالتزام تنبع علاقته بالمجتمع ويتمكن من التأثير فيه.
هل الجائزة أداة تحفيز أم ضغط؟
هي تبدأ كأداة تحفيز، ثم تتحول إلى مسؤولية. بعد كل جائزة يشعر الكاتب أن عليه أن يكون أكثر صدقًا مع نفسه، لا أكثر حرصًا على إرضاء الآخرين.
هل الشخصية الأدبية أصدق من الشخصية الواقعية؟
أحيانًا نعم؛ لأن الأدب يمنح الإنسان فرصة ليكشف ما يخفيه في حياته اليومية، والشخصية الأدبية المتخيلة قد تقول الحقيقة بطريقة لا تستطيعها في الواقع.
هل انتابك شعور بالندم بعد كتابة نص ما؟
كل نص يمثل المرحلة التي كُتب فيها، ولا أحب أن أحاكم الماضي بعين الحاضر ، بالتالي لا أندم على ما كتبته بصدق، حتى لو كنت اليوم سأكتبه بطريقة مختلفة.
هل الكلمة أقوى من السلاح؟
الكلمة صانعة الوعى الذي قد يغير التاريخ على المدى البعيد .
هل تتمنين كتابة رواية؟
الفكرة تراودني منذ فترة، لكنني لا أحب التسرع في خوض التجربة
كلمة أخيرة لمن يقرأ حوارك هذا؟
أدعو المتلقي إلى أن يظل منحازًا للمعرفة، لأنها الطريق الأصدق لفهم الذات والعالم، وأتمنى أن يقرأ الأدب لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل باعتباره تجربة تثري الوعى بالذات وبالآخرين؛ فكل كتاب جيد يترك فينا أثرًا، وكل قراءة عميقة تمنحنا فرصة جديدة لأن نصبح أكثر إنسانية.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟