أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - قراءة في (طرقات موحشة) للقاص حسين عباس عزيمة














المزيد.....

قراءة في (طرقات موحشة) للقاص حسين عباس عزيمة


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 16:26
المحور: الادب والفن
    


تتكون القصة القصيرة للقاص حسين عباس عزيمة من تسع وحدات سردية. مفتتح النص لقطة للشمس في غيابها (غروب تلوّح فيه الشمس للمتعبين) ثم يعلن السارد المشارك بالحدث (وحدي أسير باحثاً عن مكان أريح فيه نفسي) إذن النسيج القصصي يتحرك من خلال قطبيّ الكثرة / الواحد.
الوحدة السردية الثانية تكشف عن قطبين كلاهما من الكثرة: (على موسيقى السيارات الواقفة عند اللون الأحمر) الكثرة هناك هي المركبات الملجومة بالضوء الأحمر، لكي يعبر المارة وهم (عمال عائدون إلى بيوتهم ومن شدة التعب تضحك لهم الطرقات، حين تترك أقدامهم أثرّا عليها) هنا شعرية السرد بطراوة المخيلة المنحازة طبقياً، وتتسع الشعرية في الجملة الثانية(وتنتظرهم العصافير كلّ يوم لتتقاسم معهم رغيف الخبز، مقابل إيقاظهم بدل المنبه في الفجر بزقزقتها السيمفونية) في هذه الشعرية حلاوة الطرافة، وثمة مقايضة: العصافير تريد أجوراً من العمل المأجور
فهي توقظ الكادحين. وهنا الطرفان من الكثرة : العصافير----- العمال.الوحدة السردية الثالثة كأنها تكملة للوحدة السردية الأولى فهي عودة للسارد المشارك بصياغة الحدث وكثرة من طراز آخر :(أسأل نفسي: ما الذي يُفكر فيه أولئك الذين أستضاءوا بالمصابيح؟) ثم ينسج سؤالا ثانيا للآخرين (هل يرون العالم من زاوية أخرى كما أفعل؟) ويسأل للمرة الثالثة (وكيف يثقون بحياة ملغومة بصباحات بدلت الهواء النقيّ بدخان الفليرات المسرطن، المنبعث من حقول بلا أشجار؟) هنا التساؤل المثلث يؤكد المسافات الفاصلة بين الأنا والنحن. الأنا لدى السارد المشارك تحتج على أنظمة السلوك الجمعي المطمئن كقطيع.
(*)
في الوحدة السردية الرابعة ينتقل السرد بين الأنا والأم والطقس الموحش (الأرضُ هذا المساء لا يسعفها ضوء القمر، والريح تصفق الأبواب بشدة، تجعلني خائفاً كي لا أتأخر عن تلك العباءة السوداء بذكرياتها القاسية)
الوحدة الخامسة تكملة للرابعة فيها توسيع وجع المرأة المنتظرة لمن لا يأتي. ويسلط المتكلم سرده عن ذاته المنشطرة(يظن الآخرون أنك شارد في المصابيح البعيدة، بينما تحاول أن تُفرغ رأسك من الذكريات والأوجاع، فلا تجد إلى ذلك سبيلاً)
تتوالى الوحدات السردية ومع التوالي يتسع الفضاء النصي ويتعمق
ويكون النص ضمن المكان المتنقل وهو حافلة ركاب
وحين تتوقف الحافلة، ليترجل الركاب أجمعين يبقى السارد في منزلة بين منزلتين (لكنني لا أستطيع أن أحرك قدمي. أفكاري تعترض جسدي، وأنا لا أستطيع أن أفر منها كما أنني لا أستطيع أن أغادر المكان، ولا أن استمر في الطريق) ما بعد ما بين القوسين محض تفسير لما بين القوسين
القصة تمازج بين السرد والشعر وهنا جماليتها ومكمن الخطورة النصية :أن للشعر غواية. القاص حسين عباس عزيمة سيطر على نصهِ من خلال النقلات التسع ونقذ القصة من الترهل. وجعل القارئ ضمن ركاب الحافلة.















حسين عباس عزيمة
العدد6434الصفحة13 صحيفة الصباح
(طرقات موحشة)

غروبٌ تلوِّحُ فيه الشمسُ للمتعبين من يومهم ،طرقاتٌ موحشةٌ، وحدي أسيرُ باحثًا عن مكانٍ أريح فيه نفسي .إشاراتُ المرور والمصابيحُ الخافتةُ وحدها تتبادلُ الحبَّ والمشاعر مع الظلام،

على موسيقى السياراتِ الواقفةِ عند اللونِ الأحمر . عمال عائدونَ إلى بيوتهم، ومن شدة التعب تضحكُ لهم الطرقاتُ ،حين تترك أقدامُهم أثرًا عليها ،وتنتظرهم العصافير كلّ يومٍ لتتقاسم معهم رغيف الخبز ،مقابل إيقاظهم بدل المنبّه في الفجر بزقزقتها السيمفونية.

أسأل نفسي: ما الذي يُفكر فيه أولئك الذين استضاءوا بالمصابيح؟ هل يرون العالمَ من زاويةٍ أخرى كما أفعل؟ وكيف يثقون بحياة ملغومة بصباحات بدلت الهواء النقيّ بدخان الفليرات المسرطن ، المنبعث من حقول خالية من الأشجار ؟

الأرضُ هذا المساءِ لا يسعفها ضوءِ القمر ،والريح تصفق الأبواب بشدة ،تجعلني خائفًا، كي لا أتأخر عن تلك العباءة السوداء التي أكل عليها الدهرُ وشرب ،بذكرياتها القاسية،

حتى مرارةِ الأيام جعلت شفتيها زرقاوَيْن من كثرةِ الانتظار ،لشخص لم يأت ،اعتادت على السجائر بشراهة . عليّ أن أركبَ الحافلة لأصل بأسرع وقت .جلستُ في المقعد ما قبل الأخير، أُمعنُ في الظلام الدامس عبر نافذة الحافلة لا يسعُ للمرء إلا أن يستسلم لأفكاره ،يظن الآخرون أنكَ شارد في المصابيح البعيدة، بينما تحاولُ جاهدًا أن تُفرغ رأسكَ من الذكريات والأوجاع، فلا تجد إلى ذلك سبيلًا.

المدينة تبتعدُ عني شيئًا فشيئًا، وأنا أجد نفسي أكثر غرقًا في صمتها ، الكلُّ ينظر إلى الأمام، لكن عيونهم مغمضة من الداخل .هكذا نحن، كأشباحٍ تجلس في الحافلات، نبحثُ عن شيء لا نعرف ما هو ،ومع ذلك نركض خلفه، كما يركض الخائف فالحلم. في المقعدِ الذي أمامي، رجلٌ مسن، يسندُ رأسه على الزجاج وعيناه تجولان في الفراغ وكانهما قد فقدت القدرة على رؤيته .تُرى هل هو مرهق مثلي؟

أم أنه فقد الأمل في أن تجد حياته معنى؟ أسئلة لا تنتهي ،وكلما حاولتُ أن أُحطّمها، وجدتها تتكاثر كالفئران في الزوايا المظلمة.

صوت السائق يتخلل الصمت مثل قذيفة أصابت قلبًا ثقيلًا. أدركتُ أنني سأصلُ قريبًا ،لكنني لا أريد أن أصل كل محطة هي أقرب إلى النهاية، وأنا لا أريد أن أكون جزءًا من هذه النهاية.

الحافلة تتوقف ، الركاب ينهضون ،لكنني لا أستطيع أن أُحركَ قدمي .أفكاري تعترض جسدي ،وأنا لا أستطيع أن أفر منها كما أنني لا أستطيع أن أُغادرَ هذا المكان، ولا أن أستمرّ في الطريق. هكذا نحن ،نعيش بين محطتين، كلّ واحدةٍ أسواً من الأخرى، ورغم ذلك، لا نعرف كيف نترك كل شيء وراءنا. الريح تلتهم وجهي، والظلام يحتضنني، وفي لحظةٍ من التأمل، أدركُ أنني في قلب الزمان الضائع، حيث لا مكان للوصول ،ولا بدايةٌ جديدة.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوافل القاموس
- (عودة الأموات) للقاص فراس جمعة
- تعقيب على (عند حافة البحر) للباحث والكاتب نبيل عبد الأمير ال ...
- (عند حافة البحر) للقاص موسى كريدي
- (طرقات موحشة) قصة حسين عباس عزيمة
- سفينة نوح
- الدكتور حيدر الأسدي/ صورة المكان ومدلولاته في (رأيته ُ يغسل ...
- أمسية الشاعر والإعلامي عبد السادة البصري
- اختراع لغة جديدة : الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
- لغة بزعانف
- (الشفيع) للقاص محمد خضير
- مهدي عامل/ نجيب محفوظ
- الشاعر جلال عباس
- مهدي عامل
- هاتف الألف دولار/ بقلم ليث غالب
- قصة (أمنية القرد) للقاص محمد خضير
- جبرا إبرهيم جبرا ثم نجوى بركات
- القاص محمد خضير
- مأزق التوشيم
- غواية الصوت الدافئ بقلم ليث غالب


المزيد.....




- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - قراءة في (طرقات موحشة) للقاص حسين عباس عزيمة