أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - (الشفيع) للقاص محمد خضير















المزيد.....

(الشفيع) للقاص محمد خضير


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 19:56
المحور: الادب والفن
    


منذ سنوات ليست قليلة بتوقيت فاجعة الحسين عليه السلام، ثمة جذب يأخذني ويجعلني اكرر قراءة هذه القصة، فأرى طفلا صرت لا أشبهه يكون مع أمهاته في بيت من بيوت كربلاء، تأجرّهُ عائلتي الكبيرة وتسكنهُ كلما قصدت كربلاء وهناك بيت تأجره حين تقصد سيد البلاغة وإمام نهجها الإمام علي عليه السلام. طفولتي تآلفت مع القبور الموجودة في هذه البيوت.
(*)
تتناول(الشفيع) تراجيديا كربلاء بطريقة متفردة، من خلال المواكب الحسينية وطقوسها في الذكرى السنوية الأليمة. قراءتي تدخل النص حسب خبرتها الفردية. السارد يبأر النص / يؤطرهُ. ويتقاسم النص مع المرأة الحبلى. الصفحة الأولى للقصة ينفرد السارد فيها
(1) مخطط الصورة ينطلق من الأعلى إلى الأسفل (رؤوس عديدة آلاف الرؤوس لنساء وأطفال تطل إلى الأسفل من الشرفات والسطوح العالية)
(2) مخطط الصورة ينطلق من الأسفل إلى الأعلى (بدت الرؤوس العديدة البارزة من فوق أسوار الشرفات متدلية ً وكأنها على وشك الانهمار على الرؤوس المتحركة في الشارع)
(3) مخطط الصورة ينطلق أفقيا( خلف مشبك أسيجة الشرفات انحشرت رؤوس أخرى، ملفوفة بالسواد، فكأنها تطل بكبرياء ذليل من هوادج(السبايا) للمدينة القريبة التي دخلتها الآن)
(4) مخطط الصورة يعود للانطلاق من الأعلى إلى الأسفل
(وكان على الرؤوس الشاهقة، هناك على السطوح العالية
أن تنحني كثيرا جداً على ممر الشهداء الصاخب بترديدات مراثي العزاء)
هذه الوحدات السردية الرأسية، نضّدها السارد في الصفحة الأولى من قصة (الشفيع) بقصدية تحتوي رمزية عالية تشير نحو رؤوس ملحمة الطف. في ص53 يأتي النسق الخامس حين (تمكنت المرأة الحبلى من التطلع من فوق الرؤوس على رؤوس أصابعها فشاهدت الأكف ترتفع كلها دفعة واحدة) في ص57 السارد يرصد المرأة الحبلى (حين رفعت رأسها كان الطواف مستمراً) حين تسمع من يخاطبها(كان أحسن لو بقيت في النُزل وأنت بهذه الحال يا نزيهة)
كانت هي في لحظة فيض جوار الضريح كانت(عروق المرمر ترسل لأذنيها هسيس الأقدام الحافية وانسحاب الثياب، وهمسات الأدعية المقطّعة بنشيج البكاء الواطئ) لكن بعد الانحسار السريع لوهج مياه المرمر(غدا واضحاً أنّ من يكلمها رجلٌ يجلس على الدكّة. ودون أن ترفع رأسها، صارت ترى بمستوى حدقتيها – حدقتي الغريق- نتوء الركبتين والرداء الأسود الذي يغطيهما/ 59) الحبلى لم ترفع رأسها!! وشفرة (الغريق) مغلقة أمام القارئ النوعي!! هذه الشفرة تعيدني إلى قصة(ساعات كالخيول) المنشورة في صحيفة (طريق الشعب) في تموز 1976،وهي أحدى قصص المجموعة الثانية للقاص محمد خضير(في درجة 45 مئوي) الشفرة تظهر في السطر الثالث من القصة(قد يحدث هذا اللقاء. أصلح ساعتي، وأخرج إلى أرصفة الميناء، ثم أعود آخر الليل إلى الفندق، فأجده نائما في فراشي، يدير وجهه للحائط، ويعلق عمامته الحمراء على المشجب.) من هو؟ لماذا ينام في فراش السارد المتكلم الوحيد في القصة؟ ولا يرى السارد وجهه فالنائم صاحب العمامة الحمراء يدير وجهه للحائط. ثم يختفي الشخص ولا يظهر إلاّ في السطر الأخير من القصة. لما يعود السارد من نزهته آخر الليل أيضا ويخبرنا (أفتح الباب، فأجده نائماً في فراشي، مستديراً للحائط، وقد علق عمامته الحمراء على مشجب الملابس.) مذهبيا العمامة الحمراء يعتمرها سدنة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والكاظم.
(*)
نعود إلى (الشفيع) في النسق الرأسي الثامن. زوج الحبلى يقلق عليها من لحظة الطلق فتجيبه (إذن سيكون مسقط رأسه على هذا البلاط... وسأسميه باسمك يا شفيعي)
الحبلى تتمنى أن تلد في جوار ضريح الحسين عليه السلام وتسمي وليدها باسمه. ثم يخبرنا السارد (حركت رأسها المرتكز على حافة الدكة، وكان وجهها الملفوف بالسواد متورداً.
ترى قراءتي أن التركيز على مفردتيّ الرؤوس والرأس. يجعل القارئ لا يرى إلاّ ذلك الرأس الشريف المقطوع والمرفوع فوق الرمح ومعه تلك الرؤوس الأبيّة المرفوعة على رماح قتلة الحسين وأنصار الحسين –عليه وعليهم السلام- والرؤوس لها بعدها الواقعي المجسد من السطر الأوّل في القصة (رؤوس عديدة) السارد لم يكتفِ بهاتين الكلمتين، بل راح يفككها (آلاف الرؤوس لنساء وأطفال تطل من إلى الأسفل) بعد ثمانية أسطر يعود السارد
للجملة الأولى من السطر الأول مع تغييرٍ قليل فيها (بدت الرؤوس العديدة من فوق أسوار الشرفات متدلية ً) هنا صارت عين السارد ترى من فوق الرؤوس وكأن السارد صار في مكان أعلى، لنقل في سطح الفندق. نكمل الوحدة التي قطعنها عند مفردة(متدلية ً) (وكأنّها على وشك الانهمار على الرؤوس المتحركة في الشارع، وخلف مشبك أسيجة الشرفات انحشرت رؤوس أخرى).
(*)
الصفحة الأولى من قصة (الشفيع) مشطورة إلى شطرين. شطر علوي يخص رؤوس الأطفال والنساء التي تطل من أعلى المبنى.
والشطر الثاني يخص مواكب العزاء التي تصاحبها الصنوج والطبول والأبواق في الشارع الضيق المحفوف بالمشاهدين على حافات الأرصفة المسقوفة من الجانبين.
(*)
في الصفحة الثانية من القصة، ينتقل السرد من التعميم إلى التخصيص مع بداية السطر الثاني(كانت فتاة صغيرة تكتب في دفتر الجيب ما تسمعه بصعوبة من مرثيات تنقلها أفواه مجموعةٍ لأخرى في الأسفل).. السارد يرصد امرأتين: فتاة تكتب النوحيات الحسينية وامرأة حبلى ثم تنسلخ الحبلى عن السور، (وكي تصل إلى قعر المنزل، يتوجب عليها أن تهبط أربعة سلالم) ما بين القوسين تتوقف قراءتي عند مفردتيّ ( قعر) و(سلالم) مفردة قعر تعيدني إلى القصة الأولى في المملكة السوداء(المئذنة) وتحديدا إلى السطر الأول في القصة، حيث يصف السارد تموضع المرأة قائلا
(كما لو كانت في قعر إبريق) هذه الجملة هي الخلية الموقوتة في قصة (المئذنة) وما بعد هذه الوحدة السردية الصغرى: تفاصيلها.
والقارئ النوعي يشعر أن هذا الحيز يكتنز دلالات غزيرة. وهناك قعر مختلف في ص56 من قصة (الشفيع) المرأة تحت الثريات المتدلية كانت تتابع دورانها وهي تسكب ضوءها من آلاف الفصوص وتعكسه على السقف الشاهق المرصوف بآلاف القطع الصغيرة من المرايا التي تتسلق جدران مخروط مقعّر يتناقص محيطه في كل دورة طوافٍ حول الشباك (حتى تلتقي كلّها في مرآة واحدة عند قعر القمة في النقطة النورانية، الصعبة الالتقاط وتلتمّ هناك- كوجه نوراني – تطل أعينه العديدة الباهرة الضياء على أشياعه الطائفين تحت قبته وحول مشبّك مرقدهُ) هذه الدقة التوصيفات الماهرة في السرد هندسي نجدها بشكل أوسع في قصة (الأسماك) ونجدها بقدرٍ موزن في كافة (سرديات المملكة السوداء)
في قصة (أمنية القرد) مريم هادي جالسة في أعلى السلم (رأت درجات السلم الضيقة وهي تغطس في بئر عميقة يستغرق الهبوط إلى قعرها أياماً طويلة). لكن في قصة (الشفيع) الحبلى تسمع مالا يسمعه سواها في الظلام:(كانت السلالم مظلمة، والغرف الجانبية في فُسَحها خالية، أخذت تئنّ أنيناً فاتراُ عند ارتقائها درجة جديدة) هنا يلتبس الأمر على المرأة الحبلى (أهذا أنينها؟ أنين الجنين؟ أنين صدور الأنصار المعزّين في الخارج الذي يعقب كلّ مرثية؟ أهو أنين الجثث المدفونة في ثرى كربلاء، محتفظة بحدة الرمق الأخير، منذ ألفٍ وبعض ٍ من السنين..) ثم يتداخل العياني بالمتخيل لدى الحبلى (كانت الحبلى تميّز باللمس البصمات ِ والأخاديد الغائرة، كما لو أنّها حدثت نتيجة اتكاء الأصابع عند النزول والصعود) ثم يبث الظلام مخيلة ً في هذا الحيز من خلال عينيّ الحبلى ومشاعرها: (وبتوغّلها البطيء في ظلمة السلالم، كانت الأخاديد والبصمات تنتظم في خفاءٍ حيّ إلى أصابه تمتدّ لتحضنها وتنتشلها خلسة) وحين تصل وتقف بجانب الفتاة وتقول وهي تلهث
(كلُّهم هناك في الغرف) تجيبها الفتاة (ألم يخرجوا لحدّ الآن؟)
الحبلى تقصد الأطياف، أما الفتاة فتقصد النزلاء. فترد الحبلى موضحة (ليسوا هؤلاء) ثم تكمل (غيرهم هناك في ظلام الحجرات منذ زمان بعيدٍ. بعضهم تحت الجدران وآخرون تحت الدرجات، ولا بدّ أن غيرهم في السراديب، وتحت المنائر والقباب. أحيانا يتحدثون بخفوت) ثم توجّه كلامها نحو الفتاة:(لا تسرعي في ارتقاء السلّم وستسمعيهم). أثناء نزول المرأة الحبلى (تضخّمت الأنّاتُ المتسربة من غرفة السلّم الأوسط، وأخذت أنامل الظلمة الليّنة تمسّد لها بطنها وتتحس مكان سرتها، حيث زادت الحياة الداخلية من ضغطها للهبوط أسفل أسفل) هنا تتوسل الحبلى ( يا شفيعي. ليس الآن، ليس الآن) وما أن أنار المصباح طريقها (تركتها الأنامل المتحسّسة) المرأة الحبلى صارت في الشارع مرت بحوانيت مفتوحة وأخرى مغلقة ومقاهٍ محتشدة داخنة انغمرت المرأة وسط الجموع والمواكب.. ها هي تطوف مرات عديدة حول مرقد الإمام الحسين عليه السلام.

المفردة الثانية (سلالم) مفردها (سلّم) السلّم في قصص محمد خضير أراه شخصيا مؤثرة في الحدث القصصي في (المئذنة) (أمنية القرد) وفي قصص أخرى سنتوقف عندها ونرتقي السلالم مع شخوص القصص.
(*)
الفضاء القصصي في(الشفيع) مناصفة بين الظلام والضوء
مناصفة بين الطابق الأرضي والطوابق التي فوقه. مناصفة بين المرئي والمحسوس: المناصفة الثالثة تخص المرأة الحبلى



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهدي عامل/ نجيب محفوظ
- الشاعر جلال عباس
- مهدي عامل
- هاتف الألف دولار/ بقلم ليث غالب
- قصة (أمنية القرد) للقاص محمد خضير
- جبرا إبرهيم جبرا ثم نجوى بركات
- القاص محمد خضير
- مأزق التوشيم
- غواية الصوت الدافئ بقلم ليث غالب
- جسارة الموهبة للباحث والكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي
- الشاعر علي جعفر العلاق
- مصابيح من تسابيح
- رسالة إلى (حافة) من الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
- حافة
- رأيان في نصين للكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
- تعليق على (قراءة جانبية)/ الأستاذ الدكتور علاء العبادي
- الدكتور صالح ياسر
- الكاتب ضياء الدين أحمد
- سدائم
- الأستاذ الدكتور علاء العبادي : موسيقى النص


المزيد.....




- يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
- لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته ...
- جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي
- زاخاروفا تفند بالأرقام ادعاءات كتابة نصف رواية -الحرب والسلا ...
- طائرة -سوبرجت 100- تتحول إلى خشبة مسرح لأول مرة في تاريخ روس ...
- فيديو لفنانة مصرية في الشارع يثير الجدل.. والمتضرر يطلب التد ...
- -مدينة الأفكار- الرقمية تنفذ 10 آلاف مبادرة لتطوير العاصمة م ...
- صدور العدد الخامس من مجلة -سينماتيك-.. نافذة نقدية تواكب تحو ...
- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - (الشفيع) للقاص محمد خضير