|
|
غواية الصوت الدافئ بقلم ليث غالب
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 00:51
المحور:
الادب والفن
غواية الصوت الدافئ وكيف تسلل البودكاست ليرمم حكايانا العربية والعراقية
بقلم ليث غالب
من الوهلة الأولى استوقفني حوار بين شخصين على منصة يوتيوب الأول يسأل والثاني يجيب أسئلة تنساب برقة عن تجربة شخصية تلخص تفاصيل حياته العلمية والاجتماعية وفي ختام المشهد اكتشفت ما يسمى بالبودكاست فاعتبرت هذا الفن بمثابة نقلة اجتماعية جديدة تمنح الإنسان مساحة حرّة ليتحدث عن تطلعاته وإنجازاته وما يتمناه في المستقبل فما هو البودكاست حقا ومن أين أتى وكيف نجح في التسلل إلى حياتنا بهذه القوة
هذا التساؤل ليس مجرد بحث عن تعريف تقني بل هو وقوف على عتبة التحول الثقافي الأجمل في عصرنا الحديث حيث تسلل هذا الكائن الأثيري في غفلة من ضجيج الشاشات الباردة ليمنح الإنسان المقعد الوثير ليتنفس بكلماته ويطلق أحلامه المؤجلة في فضاء الغد ففي البدء كانت الكلمة تفتش عن مستقر فولد البودكاست من زواج سحري بين ذاكرة الأجهزة المحمولة وهيبة البث الإذاعي الكلاسيكي
وتاريخيا يعود أصل هذا الابتكار إلى مطلع الألفية الجديدة وتحديدا في عام ألفين وأربعة عندما قام المطور لانيير هينر والملحن ديف وينر بابتكار تقنية تتيح تحميل الملفات الصوتية تلقائيا عبر الإنترنت لتجد طريقها إلى مشغلات الموسيقى الرقمية ثم صاغ الصحفي البريطاني بن همرسلي مصطلح بودكاست في مقال له بجريدة الغارديان وهو نحت لغوي يجمع بين كلمة آيبود وهو مشغل الموسيقى الشهير من شركة آبل وكلمة برودكاست التي تعني البث الإذاعي وهكذا ولد المفهوم تقنيا في الغرب كأداة للمدونين الراغبين في إيصال أصواتهم خارج حدود المحطات الإذاعية الرسمية والقيود التجارية الصارمة
بعد هذه النشأة التقنية بدأ البودكاست يزحف ببطء نحو يومياتنا ليتحول من مجرد هواية للمتخصصين إلى رفيق يومي لا غنى عنه وتسلل إلى تفاصيل حياتنا لأنه كسر قيد الوقت فلم نعد بحاجة لانتظار ساعة بعينها لكي نستمع لبرنامجنا المفضل فالصوت الآن يسير معنا يرافق خطانا في طرقات السفر الطويلة ويقصر المسافات أثناء القيادة في الازدحامات المرورية الخانقة ويشاركنا إعداد قهوة الصباح ويحول لحظات الجري وممارسة الرياضة أو حتى القيام بالاعمال المنزلية الرتيبة ولحظات الانتظار الصامتة إلى مواسم من المعرفة والدهشة لقد أدرك العالم من خلاله أن الإنسان لا يزال متعطشا للقصة المنسية وأن المحتوى الصادق والممتد يستحق عناء الإنصات لساعات وساعات
ولم يطرق البودكاست أبوابنا في العالم العربي كغريب مستفز بل تسلل كمطر خفيف على أرض قاحلة مستغلا جفاف الإعلام التقليدي الذي أتعبته السطحية والركض خلف التريند الزائف فبدأ بمحاولات فردية دافئة لكنه سرعان ما تحول إلى مؤسسات ومنصات كبرى غيرت اللعبة تماما مثل منصة ثمانية وبودكاستها الشهير فنجان حيث تحولت الاستوديوهات إلى غرف جلوس حميمية وعندما تزاوج الصوت الرخيم مع الإضاءة الدافئة والكاميرات الاحترافية في البودكاست المرئي اهتزت ذائقة العربي والعراقي الذي يرى بأذنه ويسمع بقلبه فانجذب إلى تلك الطاولات البسيطة والميكروفونات التي تختزل العالم
إن البودكاست نجح في بلادنا لأنه أعاد للحديث هيبته وأصبح يشبه جلسات السمر القديمة على ضفاف دجلة والفرات أو في مقاهي بغداد العتيقة حيث يملك الضيف ساعتين أو ثلاثا ليفكك روحه ليخطئ ويصيب ليتلعثم ويبتسم ويظهر كإنسان حقيقي بلا رتوش أو مساحيق تجميل والسر العميق وراء هذا الشغف يكمن في أنه أيقظ فينا غريزة تاريخية أصيلة فنحن أمة الحكاية والثقافة الشفهية ونحن أحفاد أولئك الذين تجمعوا يوما في المقاهي التراثية حول القصخون يستمعون بشغف لحكايات السير الشعبية والبودكاست اليوم ليس إلا تجليا حديثا لهذا القصخون العراقي الأصيل يعيد أنسنة الإعلام ويجعل من تجارب البشر ومشاعرهم كتابا مفتوحا ومتاحا بلمسة زر
لقد فتح البودكاست نافذة مشرعة على الأمل فلم يعد مجرد سرد للماضي بل غدا منصة للأجيال الشابة لتصيح بأحلامها وتشارك نجاحاتها وتصهر تطلعاتها لمستقبل أفضل ومع كل ضغطة تشغيل جديدة نحن لا نستمع إلى حوار عابر بل ننصت إلى وعي مجتمعي جديد يولد على مهل وبكثير من الحب والدفء (تعقيب) مقداد مسعود ما يقوله الصديق ليث غالب لا خلاف عليه، ومقالته تستحق القراءة فهي ضرورية ورشيقة أوصلت المعنى بجمال المبنى الوجيز الممتع. (سيده) عشتُ تجربة جميلة ونافعة كانت لي من خلال بودكاست (سيده) الذي أجراه معي الأستاذ عباس سلطان مشكوراً وفريقه الفني حول تجربتي الثقافية في الشعر والنقد والحزب الشيوعي العراقي المنتمي إليه أنا منذ نعومة أحلامي. كانت أسئلة الأستاذ عباس سلطان ضرورية فقد سلطت أضواءً ملونة على تجربة سعتها نافت على نصف قرن عراقي محتدم، وبقي مبتسما معي حتى بعد نهاية العمل وكذلك فريق عمله. من جانب ثانٍ أن هكذا حوارات تصل بسرعة إلى عامة الناس وخاصتهم وتنفع الأطراف الثلاثة : صاحب البودكاست وتنفع الشخص الذي أجري معه الحوار، فنص الصورة والتصوير أسرع في الوصول إلى الكل وهذا الكل هو الطرف الثالث في مثلث البودكاست.
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جسارة الموهبة للباحث والكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي
-
الشاعر علي جعفر العلاق
-
مصابيح من تسابيح
-
رسالة إلى (حافة) من الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
-
حافة
-
رأيان في نصين للكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
-
تعليق على (قراءة جانبية)/ الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
الدكتور صالح ياسر
-
الكاتب ضياء الدين أحمد
-
سدائم
-
الأستاذ الدكتور علاء العبادي : موسيقى النص
-
صديقي الأخير
-
حسين محمد عبد حسن
-
القاص والروائي محمد عبد حسن.. وداعا
-
رسالته الأخيرة
-
هنري كوربان
-
شهادات شاهد عدل/ الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
قصة (لصوص) للقاص محمد عبد حسن
-
صامت لكنه متحدث بارع/ يوسف التميمي
-
على مقربةٍ
المزيد.....
-
الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
-
التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
-
الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟
...
-
موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا
...
-
اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
-
مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
-
إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا
...
-
في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا
...
-
أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
-
-خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|