أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - هاتف الألف دولار/ بقلم ليث غالب














المزيد.....

هاتف الألف دولار/ بقلم ليث غالب


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


هاتف الألف دولار.. حينما تتحول التكنولوجيا الفائقة إلى مجرد وجاهة اجتماعية


بقلم: ليث غالب

في مشهد بات مألوفاً في مقاهينا وشوارعنا والأسواق، لم يعد غريباً أن ترى أحدث إصدارات الهواتف الذكية لشركات عالمية كبرى مثل (آبل أو سامسونج أو هونر) في يد مستهلك بسيط.
هواتف تتجاوز أسعارها عتبة الألف دولار أمريكي، تُحمل في الجيوب وتُوضع على الطاولات كعلامة فارقة، لكن المفارقة الصادمة تكمن في مكان آخر فالكثير من مقتني هذه الأجهزة الفاخرة يجهلون استخدام أبسط خصائصها الفنية، بل إن بعضهم قد يعاني من أمية هجائية أو تقنية، لا تسعفه معها لغته أو معرفته بالمصطلحات الإنجليزية لفك شفرات هذا الجهاز المعقد.
تطرح هذه المفارقة سؤالاً جوهرياً لماذا يدفع المستهلك ثمن تكنولوجيا فائقة لا يستهلك منها سوى 5% من قدراتها؟ وهل تحول الهاتف الذكي من أداة للإنتاجية والاتصال إلى مجرد أكسسوار طبقي؟
غيبوبة استهلاكية في واقع مرير
المثير للاستغراب والدهشة في هذه الظاهرة، أن هذا النهم الشرائي والركض خلف التفاخرية الرقمية يحدث في بيئة تعاني من أزمات خانقة. فالكثير من هؤلاء المهتمين باستعراض الهواتف الثمينة يبدون وكأنهم في غيبوبة استهلاكية، لم تحرك السواكن فيهم أوضاع البلد المتردية من نقص حاد في الخدمات الأساسية، وتراجع في جودة التعليم والصحة، إلى ضياع مستمر للفرص أمام الشباب الذين باتوا عاجزين عن رؤية مستقبل واضح أو بناء أفق مهني مستقر.
بدلاً من أن توجّه هذه الأموال أو الطاقات للمطالبة بالتغيير، أو الاستثمار في تطوير الذات لمواجهة تحديات الغد، نجد اندفاعاً محموماً لتبديد الثروات الشخصية أو الاستدانة على قشور تكنولوجية. وكأن الفرد العراقي يحاول الهروب من بؤس الواقع الخدمي والمعيشي المحيط به، ليعيش رفاهية وهمية ومؤقتة تنحصر في شاشة هاتف يمسكه بيده، متناسياً أن البريق الخارجي للجهاز لا يمكنه إصلاح عمق الأزمات التي تحيط بيئته وحياته اليومية.
الاستهلاك التفاخري والمكانة البديلة
تفسر السوسيولوجيا (علم الاجتماع) هذا السلوك بما يُعرف بـ الاستهلاك التفاخري. في مجتمعاتنا المعاصرة، تحول الهاتف المحمول إلى أسرع وأسهل مؤشر يرسل من خلاله الفرد إشارات للآخرين حول ملاءته المالية ومكانته الاجتماعية. إنه الوجاهة البديلة التي ترافق المرء في كل مكان.
بالنسبة لمن فاتهم قطار التعليم الأكاديمي، أو من يملكون حِرفاً وأعمالاً حُرة تدر دخلاً ممتازاً دون خلفية ثقافية، يصبح امتلاك أحدث هاتف نوعاً من التعويض النفسي والاجتماعي. الهاتف هنا يمنح صاحبه شعوراً بالمعاصرة والذكاء والقبول، ويحميه من نظرة التهميش، ليقول للمجتمع بصوت خفي قد لا أملك الشهادة أو المستقبل المضمون، لكني أملك ثمن التكنولوجيا التي يملكها الأثرياء
ميزات مدفوعة.. وغائبة عن الخدمة!
تزداد المفارقة عمقاً حين ندرك أن المشتري المحلي يدفع مئات الدولارات الإضافية كثمن لميزات وخدمات متطورة غائبة تماماً عن الخدمة داخل الجغرافيا المحلية. خدمات الاستغاثة السريعة عبر الأقمار الصناعية، أنظمة الطوارئ المتقدمة، وبعض ميزات الدفع الإلكتروني المشفرة، كلها خصائص معطلة، ومع ذلك، يُقبل المستهلك على دفع ثمنها كاملاً؟
هذا يؤكد أن المستهلك لا يشتري جدول المواصفات الفنية، بل يشتري العلامة التجارية (The Brand) وصورتها الرمزية، مدفوعاً بثقافة المحاكاة أو التقليد الأعمى لما يراه في منصات التواصل الاجتماعي ولدى المؤثرين.
كيف تغلبت التكنولوجيا على الأمية؟
من المثير للاهتمام أيضاً أن الشركات التكنولوجية الكبرى، ومن حيث لا تدري، سهّلت هذه الظاهرة. فالتحول العالمي نحو الثقافة المرئية والصوتية جعل الأمية الهجائية عائقاً ثانوياً. بفضل تطبيقات مثل (تيك توك، إنستغرام، ورسائل واتساب) الصوتية، أصبح بإمكان أي شخص إدارة حياته الرقمية بالصوت واللمس دون الحاجة لقراءة سطر واحد أو معرفة مصطلح إنجليزي. لقد تحول الهاتف الفاخر إلى تلفاز تفاعلي صغير يُلبي رغبة الترفيه المطلق، دون الالتفات لخصائصها البرمجية المعقدة.

في النهاية، تعكس هذه الظاهرة تحولاً قيمياً وتحدياً ثقافياً حقيقياً. فالتكنولوجيا التي صُنعت لتكون أداة لرفع كفاءة الإنسان، واختصار وقته، وإدارة أعماله المعقدة، جرى تدجينها محلياً لتتحول إلى مجرد ساعة ثمينة أو
قطعة مجوهرات تُعرض للتباهي. إنها صرخة استهلاكية تعبر عن مجتمع يهتم بالظاهر على حساب المضمون، ويفضل الانفصال عن واقعه الصعب بشراء الصورة، وإن كانت تفاصيلها الفنية غائبة عن الفهم، والخدمات الحقيقية غائبة عن أرض الواقع.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة (أمنية القرد) للقاص محمد خضير
- جبرا إبرهيم جبرا ثم نجوى بركات
- القاص محمد خضير
- مأزق التوشيم
- غواية الصوت الدافئ بقلم ليث غالب
- جسارة الموهبة للباحث والكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي
- الشاعر علي جعفر العلاق
- مصابيح من تسابيح
- رسالة إلى (حافة) من الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
- حافة
- رأيان في نصين للكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي
- تعليق على (قراءة جانبية)/ الأستاذ الدكتور علاء العبادي
- الدكتور صالح ياسر
- الكاتب ضياء الدين أحمد
- سدائم
- الأستاذ الدكتور علاء العبادي : موسيقى النص
- صديقي الأخير
- حسين محمد عبد حسن
- القاص والروائي محمد عبد حسن.. وداعا
- رسالته الأخيرة


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - هاتف الألف دولار/ بقلم ليث غالب