أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد














المزيد.....

نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:04
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


هل يكفي "تنظيف الدرج من الأعلى" ؟
لطالما ترددت في أدبيات الإصلاح الإداري والسياسي مقولة شهيرة تُشَبّه مكافحةالفساد بـ "تنظيف الدرج"، مؤكدة أن عملية التطهير يجب أن تبدأ حتماً من الأعلى إلى الأسفل؛ فإذا صلح الرأس صلح الجسد، على حد هذا الرأي.
ورغم الجاذبية النظرية البسيطة لهذا الطرح، إلا أن الاصطدام بالواقع العملي، لا سيما في البيئات السياسية المعقدة التي يتغلغل فيها نفوذ النخب، يكشف عن ثغرة بنيوية تجعل من هذا المسار الأحادي عملاً قاصراً، بل ومحكوماً بالفشل.
إن القراءة الواقعية لظاهرة الفساد تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الأعلى أو الأسفل، بل في تبني إستراتيجية "المسار المزدوج" التي تعمل على تطهيرالطرفين معاً وفي آن واحد.
ثغرة الرأس: لماذا يتعطل البدء من الأعلى بمفرده؟
عندما يمتلك الساسة والمسؤولون الكبار نفوذاً واسعاً وشبكات مصالح متقاطعة، فإنهم ينجحون في بناء "حصانة واقعية" تحميهم من الملاحقة القانونية، عبر شبكةمن الوسطاء يتم التضحية بهم بمجرد تكشف أولى خيوط الفساد.
في ظل هذه الظروف، يواجه مبدأ "التنظيف من الأعلى" معضلتين بنيويتين:
1- حلقة القرار المفرغة: بما أن قرار مكافحة الفساد وإطلاق حملات التطهير يصدر عادة من السلطة العليا، فإن انتظار البدء من الأعلى يعني رهن الإصلاح برغبة وإرادة الجهات التي تحتاج هي نفسها إلى التطهير والمحاسبة.
2- الاستغلال السياسي للمكافحة: يتحول شعار مكافحة الفساد في البيئات عالية النفوذ إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية؛ حيث تُستهدف الرؤوس الضعيفة أوالخارجة عن التحالفات الحاكمة، بينما تظل الرؤوس الأكثر نفوذاً محمية ومحصنة تحت مظلة التوازنات السياسية.
التلازم الحتمي: لماذا يتلكأ الأسفل بفشل الأعلى؟
إن الترابط بين مستويات الفساد ليس ترابطاً إدارياً بحتاً، بل هو ترابط نفسي وثقافي وثيق، وإذا فشلت الدولة في تنظيف الهرم من قمته، فإن أي محاولة لإصلاح القاعدة وتطهير الأسفل ستصاب حتماً بالتلكؤ والجمود لسببين رئيسيين:
أولاً- غياب القدوة والعدوى الأخلاقية: حين يرى صغار الموظفين وعامة المواطنين أن كبار المسؤولين ينهبون الموارد العامة دون حساب، يترسخ لديهم شعور حاد بالظلم والإحباط. عندئذ يتحول التزام الموظف الصغير بالقانون في نظر محيطه إلى نوع من"السذاجة"، وتتحول الرشوة الصغيرة إلى "آلية تعايش" مبررة أخلاقياً لمواجهةصعوبات الحياة، تحت وطأة شعور عام بأن "الكبار يسرقون الملايين، فلماذا نُحاسب نحن على الفتات؟".
ثانياً- الحماية العكسية وتكامل البيئة الفاسدة: لا يمكن لفساد الأعلى أن ينمو وينجو دون بيئة إدارية "مرنة" وفاسدة في الأسفل لتمرير المعاملات، وتوقيع العقودالمشبوهة، وتغطية الثغرات. لذلك، يعمل المتنفذون في القمة على حماية شبكات الفساد الصغير في القاعدة وتغذيتها، لتكون بمثابة درع واقٍ وغطاء إجرائي لفسادهمالأكبر.
الحل في "المسار المزدوج": ملاقط الضغط المشترك:
لتجاوز هذه الحلقة المفرغة، ومن منظور هذه الرؤية الإستراتيجية، فإن مكافحةالفساد لا يمكن أن تنجح إلا بضربة متزامنة عبر اتجاهين يلتقيان في المنتصف:
1. مسار الضغط الصاعد (من الأسفل): التحصين البنيوي والمجتمعي وذلك من خلال تبسيط الإجراءات ورقمنة المعاملات لتقليل الاحتكاك البشري، وتأمين قنوات آمنة ومحمية للإبلاغ عن الفساد، مع تفعيل قوانين حماية المخبرين وتقديم مكافآت مالية مجزية لهم.
2. مسار الضغط الهابط (من الأعلى): الردع القضائي الحاسم عبر تمكين قضاء مستقل تماماً، لا يخضع للتوازنات أو التسويات السياسية، ويملك الجرأة والغطاء الدستوري لملاحقة الرؤوس الكبيرة، وإرسال رسالة ردع واضحة مفادها: "لا أحد فوق القانون".
في نهاية المطاف، إن مكافحة الفساد ليست خياراً بين قمة الهرم أو قاعدته؛ فالتركيز على الأعلى منفصلاً يصطدم بجدار النفوذ السياسي المنيع، والتركيز على الأسفل منفرداً يواجه جدار الإحباط وغياب القدوة.
موجز القول: إن الفساد منظومة متكاملة تحمي أطرافها بعضاً، ولا يمكن تفكيكها إلابفكي ملاقط يطبقان عليها معاً: قضاء مستقل يضرب في الأعلى، ومجتمع محصّن تقنياًوقانونياً يكشف ويحارب في الأسفل.
بغداد -2026
----------
*النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقترح لإعادة هيكلة القطاع الصحي في العراق في ضوء التجارب الم ...
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل مكافحة الفساد: من الرقابة التقليدية ...
- هل كان النعش فارغاً أم ممتلئاً؟-
- عندما يتحول الاختلاف إلى جريمة: حرية التعبير كضرورة حضارية
- الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد
- المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد
- الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه ...
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة
- الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة
- مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية
- القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية ...
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته


المزيد.....




- ما سر أنبوب الغراء على مكتب ترامب؟.. تقرير لـCNN يكشف القصة ...
- وثقته كاميرا مصور.. لحظة جرف مياه فيضانات تكساس لأربعة غزلان ...
- المكتب الإعلامي لحكومة دبي ينفي صحة تقرير عن -دوي انفجارات- ...
- كيف تتعامل تطبيقات تتبّع الدورة الشهرية مع بياناتك الخاصة؟
- -طهران أولا-.. إيران ضغطت لمنع الزيدي من زيارة واشنطن
- رويترز تتحدث عن دوي انفجارات في وسط دبي وسلطات الإمارة تنفي ...
- تشريع إسرائيلي جديد يسمح بالفصل بين الرجال والنساء في التعلي ...
- الألماني سلوتردايك: لو كان ميرتس لاعب كرة قدم لجلس على مقاعد ...
- إقالة وزير الدفاع الأوكراني -المفاجئة- تثير قلق الاتحاد الأو ...
- فوضى في قاعدة عسكرية إسرائيلية بسبب الطعام


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد