منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 14:03
المحور:
قضايا ثقافية
جذور تاريخ الإباحية في اليابان تعود إلى عصر إيدو، بين حوالي سنة ١٦٠٠ و ١٨٦٨، حين كانت مطبوعات «الشونغا» تُنتج وتُباع كفنٍ شعبي لا يخضع لرقابة أخلاقية صارمة.
هذه المطبوعات، التي شارك في رسمها كبار فناني عصر إيدو مثل هوكوساي، تكشف أن اليابان، ما قبل الحداثة، اعتبرت التعبير الجنسي جزءاً من الحياة اليومية، وأن المجتمع الحضري في إيدو كان يتعامل مع الجسد بقدر من الانفتاح لا يشبه الانغلاق الأخلاقي الذي سيطر لاحقاً على أوروبا.
كانت الشونغا، في واقع الأمر، تُقتنى في البيوت، وتُهدى في المناسبات، وتُستخدم في التعليم الجنسي، ما جعلها ثقافة بصرية واسعة لا ترى في الجسد تهديداً للنظام الاجتماعي.
ومع دخول إصلاحات ميجي سنة ١٨٦٨، وبدء بناء الدولة الحديثة، بدأت اليابان تتبنّى مفاهيم غربية حول «الفحش» و«الأخلاق العامة»، فظهرت أولى القوانين التي تنظّم النشر والصورة، مع ترك مساحة واسعة من التعبير الإيروتيكي في المجلات والمسرح والصور الفوتوغرافية، لأن الدولة كانت مشغولة ببناء الجيش والصناعة أكثر من مراقبة الحياة الخاصة. ومع ذلك، فإن دخول اليابان في النظام القانوني الحديث وُضع الأساس لرقابة ستتطور لاحقاً إلى شكلها المعاصر، حيث يُحظر إظهار الأعضاء الجنسية بشكل مباشر، وهو الحظر الذي سيصبح لاحقاً أحد أهم عناصر خصوصية الإباحية اليابانية.
بعد الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥، ومع الاحتلال الأمريكي، دخلت اليابان مرحلة جديدة من الرقابة، لكن أيضاً من التحرر. فقد سمح الاحتلال بانتشار مجلات البالغين، وظهرت صناعة الصور الإيروتيكية في الخمسينيات، ثم بدأت صناعة الأفلام ذات المحتوى الجنسي تتبلور في الستينيات، خاصّة بعد شرعنة الدانمارك للإباحية، وأيضاً في سياق إعادة تشكيل المجتمع بعد الدمار.
كانت اليابان تعيد بناء هويتها، وتبحث عن توازن بين الحداثة الغربية وتقاليدها، والانفتاح الاقتصادي والرقابة الأخلاقية، وهو ما جعل صناعة الإباحية تتطور ضمن إطار خاص جداً؛ فالقانون يحظر إظهار الأعضاء الجنسية بشكل واضح، وهو ما أدى إلى ظهور تقنية التمويه أو «الموزاييك» التي بصمت هوية الصناعة.
هذا التمويه هو أثر ثقافي مُرتبط بتقاليد اجتماعية مُتوارثة ومرتبطة بتاريخ الأمّة، أي انه أقل من الحظر بمقهومه الصريح؛ لأنّه خلق مسافة بين المشاهد والجسد، وحوّل الفعل الجنسي إلى شيء يُرى ولا يُرى، وهو ما جعل الإباحية اليابانية تبدو «خجولة» مقارنةً بالإباحية الأمريكية التي تتبنى المباشرة الفجّة والوقحة باعتبارها معياراً للواقعية، وتتشارك معها في احتقار المرأة، ولو بدرجات متفاوتة.
ومع ظهور الفيديو المنزلي في السبعينيات، بدأت صناعة الـAV (محتوى للبالغين) تتخذ شكلها الحديث، لكن ضمن إطار قانوني ثابت. وفي الوقت نفسه، كانت اليابان تشهد تحولات ثقافية عميقة، أهمها صعود المانغا والأنيمي بوصفهما لغتين بصريتين جديدتين، تحملان جماليات تعتمد على الإيحاء، وعلى اللعب بين الظاهر والمستور، وعلى تحويل اليومي إلى رمز.
هذه اللغة البصرية، التي بدأت تتشكل منذ الثلاثينيات مع ظهور المانغا الحديثة، ثم ترسخت مع أعمال أوسامو تيزُكا في الستينيات، ومع صعود الأنيمي في السبعينيات والثمانينيات، لم تبقَ محصورة في الفن، بل تسللت إلى كل جوانب الثقافة الشعبية، بما فيها الإباحية. ولذلك فإن الإباحية اليابانية، منذ بداياتها الحديثة، لم تكن مجرد نقل للفعل الجنسي، بل كانت تمثيلاً بصرياً يستخدم عناصر من المانغا والأنيمي، مثل المبالغة في التعبير، واللعب بالأزياء، وبناء الشخصيات، وتقديم الجسد كجزء من السردية، لا بل تقديم أفلام أنيمي إباحية كاملة الطول، تعتمد على المُبالغة في حجم العضو الذكري، ربّما بسبب عقدة نقص رجّالية.
هذا التداخل بين الأنيمي والإباحية يزداد وضوحاً مع صعود ثقافة الكاوا‑إي في السبعينيات، وهي الثقافة التي أعادت تعريف اللطافة، التي اعتبرتها لغة اجتماعية تُشكّل ابتعاداً ناعماً عن العنف والصرامة.
الكاوا‑إي هي نظام جمالي كامل يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويمنح اليابانيين مساحة للطفولة الرمزية في عالم صناعي قاسٍ. وعندما تدخل هذه اللغة إلى الإباحية، فإنها تُلطّف الجنسي وتجعله أقل خشونة، حتى لو كان المحتوى في جوهره عنيفاً أو استغلالياً أحياناً. ولذلك فإن الخيط الذي يربط بين الكاوا‑إي والإباحية هو بعد عميق يكشف عن إعادة اليابان صياغة الجسد والخيال والطفولة، في عالم يبحث دائماً عن توازن بين اللطافة والقلق والبراءة والرغبة والقانون والحرية.
ومع صعود الاقتصاد الياباني في الثمانينيات، وظهور طبقة وسطى واسعة، بدأت صناعة الـAV تتوسع، بدورها، بشكل غير مسبوق، وظهر منتجون ومخرجون أصبحوا رموزاً، أهمهم تورو مورانيشي، الذي سيُقدَّم لاحقاً بوصفه «أشهر منتج إباحي في تاريخ اليابان».
مورانيشي، الذي بدأت مسيرته في أوائل الثمانينيات، حاول تحدّي الرقابة والالتفاف على مبدأ تقنية التمويه، وابتكر أساليب جديدة في التصوير والتوزيع، وخلق نموذجاً إنتاجياً يعتمد على السرعة، وعلى بناء شخصيات، وعلى تقديم الإباحية بوصفها سردية.
قصته، التي عُرضت كمسلسل في موسمين «The Naked -dir-ector» سنة ٢٠١٩ (يمكن مشاهدتهما على منصة نيتفليكس)، تكشف أن صناعة الإباحية كانت جزءاً من تحولات اليابان الاقتصادية والثقافية، حين كانت البلاد تعيش ذروة اقتصاد الفقاعة، وتعيد تعريف علاقتها بالحرية الفردية وبالحدود الأخلاقية.
في الوقت نفسه، كانت اليابان تشهد تحولات اجتماعية تتعلق بالجندر، أهمها صعود صورة «فتاة المدرسة المراهقة»، المرتدية دوماً الزيّ المدرسي المُوحّد، بوصفها رمزاً اجتماعياً مُعاصراً.
هذا الرمز، الذي بدأ يتشكل في الثمانينيات، يجمع بين متعاكسات؛ البراءة والتمرد، والطفولة والجنس، والضحية والفاعلة. وقد أصبح جزءاً من المانغا والأنيمي والإعلانات، ثم دخل إلى الإباحية، حيث يُستخدم زيّهن ليجمع بين الطفولة والبلوغ واللطافة والرغبة. حتّى أنّنا نرى ممثلات تجاوزن سنّ المراهقة بسنوات، لكنهن يُقدَّمن في زي الطالبات، لأن السوق يريد الجمع بين جسد بالغ ورمز طفولي، وهو ما يكشف عن علاقة معقدة في تركيبة المجتمع الحديث والمُحاط بالتقاليد.
وهنا أختلف مع بعض المُراقبين الذين يربطون الأمر بتلبية رغبات شريحة واسعة من الرجال الذين يحملون الأعراض البيدوفيلية.
مع انتشار ظاهرة التحرش في وسائل النقل العامة، بدأت تظهر شرائط تقترب من سيناريوهات التحرش في الحافلات والقطارات. هذه الظاهرة، التي أدت إلى حملات رسمية وإلى تخصيص عربات للنساء في بعض المدن، تحوّلت إلى مادة لخيال بعض أنواع الإباحية، حيث يُعاد تمثيلها في سيناريوهات مبالغ فيها، ما يثير أسئلة أخلاقية حول علاقة الخيال بالعنف الواقعي.
يمكن، في الحقيقة، قراءة هذه الشرائط بوصفها جزءاً من ثقافة أوسع تتعامل مع الجسد الأنثوي في الفضاء العام.
ومع دخول اليابان القرن الحادي والعشرين، بدأت ظاهرة جديدة لا يمكن فصلها عن تاريخ الجسد في اليابان، وهو تناقص عدد السكان، وعزوف الكثيرين عن الزواج، وتراجع معدلات الإنجاب إلى مستويات غير مسبوقة.
ففي سنة ٢٠٢٣ مثلاً، سجّلت اليابان أقل عدد مواليد منذ بدء الإحصاءات الحديثة، وتجاوز عدد الوفيات عدد الولادات بفارق كبير، ما جعل البلاد تدخل مرحلة انكماش ديموغرافي واضح.
التراجع، هنا، يرتبط بالاقتصاد أو بالعمل، لكن أيضاً بثقافة العلاقات نفسها، حيث يميل الكثير من اليابانيين إلى العزلة، وإلى الخجل الشديد في العلاقات بين الرجال والنساء، وإلى صعوبة بناء علاقات عاطفية مستقرة في مجتمع ما زال محافظاً في بنيته العميقة.
الخجل الاجتماعي هذا، الذي يظهر في الحياة اليومية وفي المدارس وفي العمل، أدى إلى انتشار مكاتب المواعدة التي تُعدّ اليوم صناعة قائمة بذاتها، تُحاول سدّ الفجوة بين الرغبة في العلاقة وبين صعوبة المبادرة. وفي الوقت نفسه، ظهرت صناعة أخرى أكثر غرابة، تعكس عمق التحول في صناعة «الدمى الحبيبات»، وهي دمى واقعية الشكل والحجم، يمكن للرجل اختيار ملامحها أو تصميمها بالكامل، لتصبح شريكة رمزية في حياة يفتقر فيها الكثيرون إلى العلاقات الإنسانية المباشرة.
هذه الدمى هي تعبير عن حاجة عاطفية وجسدية في مجتمع يعاني من الوحدة، ومن ضغط العمل، ومن صعوبة بناء علاقة حقيقية في ظل ثقافة تميل إلى الانضباط والخجل وتجنّب المواجهة.
كمراقب فيما يخص اليابان، أضطر أحياناً إلى متابعة برامج ومسلسلات تلفزيونية ساذجة، لكنها تمنحني الكثير لفهم أوسع للعلاقات الإجتماعية. فمثلاً، لاحظت، في أحد البرامج، حرص شاب على مراسلة فتاة أُعجب بها، بالرغم من انه يستطيع التعبير عن مشاعره نحوها بشكل مُباشر.
وإذا وضعنا هذه الظاهرة في سياق تاريخ الإباحية اليابانية، فإنها تبدو امتداداً طبيعياً لمسار طويل يعيد صياغة العلاقة بين الجسد والتخييلي. فمن الشونغا في عصر إيدو، إلى المانغا والأنيمي، إلى الكاوا‑إي، إلى الـAV، إلى الدمى الحبيبات، نجد أن اليابان طوّرت عبر القرون لغة بصرية واحدة، تُستخدم في مساحات مختلفة، لكنها تحمل دائماً التوتر نفسه.
وفي مجتمع يعاني اليوم من الوحدة ومن تراجع العلاقات، تصبح هذه اللغة وسيلة لتعويض غياب العلاقة الحقيقية، ولخلق عالم بديل يمكن للخيال أن يملأ فيه الفراغ الذي تركه الواقع.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟