أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا















المزيد.....

حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 12:55
المحور: الادب والفن
    


يصعب الحديث عن «حبيبة مسيكة» دون أن يبدأ المرء من كلمات إحدى أغانيها التي تبدو اليوم صادمة بجرأتها:
جاني حليوة العصريّة، وجاب لي بيرة وشمپانيا
شرب وفرفشني شوية، وعلى سرير النوم دلّعني
بوستو كمان أنا في خدّو، يامحلى جمالو وقدّو
ونمت أنا على صدرو، وعلى سرير النوم دلّعني
عطف عليّا بجمالو، يامحلى غمزو وهزارو
سبتو يعمل ما بدالو، وعلى سرير النوم دلّعني.

حبيبة مسيكة واحدة من أكثر الشخصيات الفنية إثارة في تاريخ تونس الحديث، ليس فقط بسبب موهبتها، بل بسبب حياتها القصيرة، التي كانت مزيجاً من الجرأة الفنية، والتحرر الاجتماعي، والصدام مع الأعراف، ثم النهاية التراجيدية التي جعلتها أسطورة.

سأستعرض بإيجاز، قبل أن أعود إلى مسيكة، الظروف التي أدّت إلى الإباحية في الغناء في تلك الفترة.
القاهرة التي كانت، إلى جانب برلين، إحدى عواصم العالم المنفتح والـ «تريندسيتر»، وقبلة الفنانين من كل العالم.
تعود فكرة الهنك والرنك، في الحقيقة، إلى المغني محمد عثمان (١٨٥٥ - ١٩٠٠)، الذي بحث في إيجاد تعبير موسيقي جديد يمزج تقاليد ريفية موروثة تميّزت بالحريّة وأحياناً بالفجاجة والإباحية، وبين التقاليد البرجوازية المحافظة المقولبة في صالونات عليّة القوم.
ذلك، دون أن نهمل مسلكاً سريّاً تحت أرضيّ انتشر في بيوت مُغلقة ومحال مورست فيها كل الممنوعات.
«الهنك» هو حينما يتولى المؤدي زمام القيادة وتتبعه الجوقة، وفي «الرنك» يُعكس الأمر لتقوم الجوقة بالدور. مما يعني أن حيّزاً كبيراً من التجديد كان قد طرأ على أجواء الغناء، تلاه اختيار كلمات غير إعتيادية، وصل بعضها إلى الخلاعة واللمز الپورنوغرافي.
بدا الأمر مقبولاً أكثر بعد ثورة ١٩١٩، بسبب الإحباط الذي تلى فشلها وتكريس الإحتلال الإنكليزي، حيث التفت الناس إلى التسلية للتعايش مع الواقع. حتى أن سيّد درويش (١٨٩٢ - ١٩٢٣)، لم يجد مشكلة في مدح المخدرات والكحول في بعض أغانيه (يُقال أنّه مات إثر جرعة زائدة من الكوكائين)، جنباً إلى جنب مع أغانيه الوطنية (بلادي بلادي على سبيل المثال).
المُثير في الأمر أن بعض المغنيات الشهيرات تناوبن على تقديم النصوص الهابطة والجنسية، ليس بالكلمات فحسب، بل بالتدلّع والمواء الشبقي. لعلّ أشهرهن فتحية أحمد (١٨٩٨ - ١٩٧٥) في «أنا لسه نونو فى الحب بونو. ده الحب دح دح. والهجر كخ كخ. يقولولي السح النح».
ومنيرة المهدية (١٩٨٥ - ١٩٦٥) تغني من ألحان محمد القصبجي:
«بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة
يا حلو فاكر وادي القمر، زعلت من غير سبب
انسى اللي فات وتعالى بات، مستنظراك ليلة التلات بعد العشا
تلقى الحكاية موضّبة، بإيدي قايدة الكهربا
واقعد معاك على هواك ولا فيش هناك غيرنا، وبلاش كتر الخشا
أوعى تسهيني بقى، واحنا في عز النغنغة
وتمد إيد وهزار يزيد عارفاك أكيد. إيدك تحب الزغزغة».
حتّى أم كلثوم جرّبت، في أغنية يتيمة، حظّها أيضاً فغنّت عام ١٩٢٦ «الخلاعة والدلاعة مذهبي» من ألحان أحمد صبري النجريدي.

وبالعودة إلى مسيكة، سنجد أنّ كل ما يلي مبني على مصادر قليلة، لكنّها موثقة من السجلات التاريخية والمراجع.
لم يكن الأمر سهلاً، كما توقّعت، لأن التوثيق، وهذا ينسحب أيضاً على معظم الكبار ومنهم أمّ كلثوم، مرّ في آلة الأسطورة والقصّ الشفاهي، فكثرت وتضاربت الحكايا، خاصة فيما يتعلّق بموتها المبكر (١٩٠٣ - ١٩٣٠).
قلّة المصادر عنها ترتبط بعاملين مُهمّين، الأول هو ديانتها، والثاني تحرّرها من القيود المجتمعية المُحافظة، لتهمل (المصادر) دورها البارز في تاريخ الأغنية التونسية.
على سبيل المثال، قام «الصادق الرزقي» أول من أرّخ الغناء، بإهمالها على نحو فجّ. لا بل ردح فيها «عبد الرحمن الكافي» في قصيدة كالتالي: تضحك عليكم فاجرة فرناقة، عملتوا ليها صيت وهي صعلوكة، عملتوا صاية، لوحدة شرموطة ما لهاش غاية.
تعود جذورها إلى الحارة اليهودية في تونس، حيث ولدت بين ١٩٠٠ و ١٩٠٣ وفق اختلاف المصادر، باسم مارغريت مسيكة، في أسرة يهودية فقيرة تعمل في تجارة الخيوط.
بعد وفاة والديها في سن مبكرة، تولت تربيتها خالتها ليلى سفاز، وهي مغنية بارزة في بدايات القرن العشرين، والتي كانت تؤدي وصلات استعراضية، تضمّنت تلميحات جنسية، في المقاهي الغنائية، أو ما عُرف في تونس بكافيه شانطيه (المُستمدّ من اللغة الفرنسية).
وسفاز كانت أول من فتح لها باب الفن، فعلمتها الغناء والموسيقى واللغة العربية الكلاسيكية، وأسهمت في إدخالها إلى الوسط الفني. كما تعزّزت علاقتها بالموسيقى من خالها عازف الكمان الشهير المُلقّب بـ «خيلو الصغير».
درست في مدرسة «الأليانس الإسرائيلية» قبل أن تتركها لتتفرغ للتدريب الفني، وتلقت دروساً على يد كبار الموسيقيين مثل خمايس ترنان وحسن بنان، وهو ما منحها قاعدة فنية قوية ظهرت لاحقاً في أدائها المسرحي والغنائي.
والمعروف أن اليهود، كما كان الأمر في مصر، هم الذين برزوا في الموسيقى في تونس وأسّسوا شركات تسجيل الاسطوانات.

التقت حبيبة بعشير مزراحي وعمرها لم يتجاوز ١٤ عاماً، ومنه تعلّمت العزف على العود والغناء، كان لبعضها إيحاءات مُثيرة غرائزياً، تؤدّيها وهي ترقص لتبلغ شهرتها مدن البلاد.
وهذا فتح لها المجال لتقف على خشبات المسارح، خاصة بعد إقامة المصري حسن بنان لفترة في تونس حيث علّمها تقاليد المسرح الغنائي وأداء الطقاطيق لتُصبح جزءاً من حملة التمصير التي غزت معظم البلاد الناطقة بالعربية.

مسيرتها كمغنية بدأت في حفلات الأعراس، ثم التحقت عام ١٩٢٠ بفرقة «الشّهامة العربية» بقيادة محمد بورقيبة، شقيق الرئيس التونسي لاحقاً.
هناك بدأت شهرتها تتسع، خصوصاً عندما لعبت أدواراً مسرحية جريئة، منها دور روميو في «روميو وجولييت»، ودور ديدمونة في «عطيل»، وأدوار أخرى من المسرح الأوروبي الكلاسيكي.
كانت أول امرأة تونسية تلعب أدواراً رجالية على المسرح، وهو ما أثار ضجة كبيرة في مجتمع محافظ، ووصل الأمر في إحدى المرات إلى إحراق المسرح بعد قبلة تبادلتها على الخشبة مع الممثلة الليبية اليهودية رشيدة لطفي، ما استدعى تدخل «جنود الليل»، وهم مجموعة من الشباب الذين كانوا يتبعونها كمعجبين وحماة لها.

لم تكن حبيبة مجرد مغنية أو ممثلة، بل كانت رمزاً للتحرر الاجتماعي.
كانت أول امرأة في تونس تتقاضى أجوراً عالية تفوق أجور الرجال، وكانت مستقلة مالياً، وتعيش حياة غير تقليدية، وتدخل في علاقات عاطفية متعددة، وتلبس أزياء جريئة، وتغني أغاني حب صريحة، وتدافع عن استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي.
في إحدى حفلاتها، ارتدت العلم التونسي وغنت شعارات وطنية، فاعتقلتها السلطات الفرنسية.
هذا المزج بين الفن والسياسة جعلها ظاهرة اجتماعية، ونجمة غير مسبوقة في شمال أفريقيا، حتى أن كوکو شانيل وصفتها بأنها «مزاج من النار تحت أناقة شرقية»، وذلك بعد لقائها بها في باريس عبر أحد عشاقها.
سجلت حبيبة مسيكة ما يقارب مائة أسطوانة بين ١٩٢٤ ١٩٣٠، وكانت الأكثر مبيعاً في بلاد المغرب، حتى أن فرنسا منعت بعض تسجيلاتها لأنها «تشجع الروح الوطنية».
امتد نشاطها إلى أوروبا، حيث أدّت عروضاً في باريس وبرلين ومونت كارلو، ودمجت الغناء بالرقص والتمثيل في عروض كاملة كانت الأولى من نوعها في المنطقة، مما جعلها تُعدّ من أوائل من أسسوا مفهوم النجومية في البلاد العربية قبل ظهور أم كلثوم وغيرها.

متى ذهبت حبيبة إلى مصر، ومتى غنت اغنيتها، تلك التي عن البيرة والشمپانيا والدلع على السرير؟ ومتى أعادت تسجيل بعض أغاني سيّد درويش؟
مع الأسف، لم يُحالفني الحظ في العثور على تواريخ موثوقة.

وبموتها المأساوي، وفق المصادر، الذي ورد بأربعة طرق مختلفة، اقنعتني واحدة منها، وهي حين اقتحم منزلها عاشق يدعى إلياهو ميموني، وسكب عليها الكيروسين وأشعل النار فيها. ماتت في اليوم التالي، ثم انتحر هو لاحقاً. دفنت في مقبرة بورجل، وشيّعها آلاف الناس، وتحولت قصتها إلى فيلم «رقصة النار» لسلمى بكار، وإلى موضوع دراسات عديدة حول الفن والنسوية والتحرر في شمال أفريقيا.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها


المزيد.....




- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...
- اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا